نصوص

المشترك النهضوي بين الشيخ والدكتور

أكتب اليوم كمؤمن برب العالمين وملائكته وكتبه ورسله، وكعلماني غيـر ملحد، يؤمن بدولة عصرية عادلة تـحرص على توطيد القيّم المشتركة العصرية التي ترتكز عليها الروابط الوطنية ـ الاجتماعية، والتي تساوي بالـحقوق والواجبات بين العباد، ومن أهـمها المساواة بين الرجل والمرأة. منذ مدّة وأنا أتابع باهتمام كبيـر كتابات للشيخ الفاضل راشد الغنوشي، والدكنور المـجاهد منـصف المرزوقي، وهـما من أبرز الشخصيّات السياسية التونسية منذ أن كانت تونس أسيـرة الاستـعمار الأجنبي، مروراً بـعهد المستبد الـجائر " بورقيبة" وصولاً إ

0
5 مارس 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

أكتب اليوم كمؤمن برب العالمين وملائكته وكتبه ورسله، وكعلماني غيـر ملحد، يؤمن بدولة عصرية عادلة تـحرص على توطيد القيّم المشتركة العصرية التي ترتكز عليها الروابط الوطنية ـ الاجتماعية، والتي تساوي بالـحقوق والواجبات بين العباد، ومن أهـمها المساواة بين الرجل والمرأة.

منذ مدّة وأنا أتابع باهتمام كبيـر كتابات للشيخ الفاضل راشد الغنوشي، والدكنور المـجاهد منـصف المرزوقي، وهـما من أبرز الشخصيّات السياسية التونسية منذ أن كانت تونس أسيـرة الاستـعمار الأجنبي، مروراً بـعهد المستبد الـجائر " بورقيبة" وصولاً إلى عهد الطاغية " أسوأ العابدين" بن علي الذي هجّرهـما وحاول قتلهما أكثـر من مرّة.

خلال تلك العهود الطويلة من مـمارسة الظلم والقمع والاستبداد أغترب معظم الشعب التونسي عن التـحرك السياسي والاجتماعي الذي يـهيئ له قوى دفع ذاتي، ورؤى مستقبلية، وإمكانات لتحول مدني يـماشي العصر، وبالرغم من ظلاميّة هذه العهود المـجحفة، أنطلقا الشيخ الفاضل، والدكتور المـجاهد، إلى التبشيـر بنور آتٍ، وكانا بـمثابة موسوعتان في الفكر السياسي والثقافة الإنسانية الشاملة، ومؤلفان غزيران في الإنتاج الذي يتـصف بالدقة والتحليل والإبداع،  ومطلعا بعمق على علوم شتى، وعلى فلسفات وتيارات فكرية، ورسالات دينية، وحضارات إنسانية مـختلفة، وكانا لـهما فيها نظرات عميقة وصريـحة جداً.

إن التاريـخ وعلم الأجناس المقارن يظهران أن البشر يتوصلون إلى الاكتشافات ذاتـها عندما يوضعون في ظروف متشابـهة، وتبدو أن تلك الأزمنة المظلمة قد وحدّت بينهما، وحـمّلتهما نظرة مشتركة عن تونس تاريـخاً وحاضراً ومستقبلاً، فانطلقا إلى الـجهاد الفكري والميداني للقضاء على دولة الظلم والقهر والاستبداد في تونس، لإقامة دولة عصرية تتناسب والتـطلعات الـحضارية للشعب التونسي، فكتبا بلغة أو بـمصطلـحات مـختلفة، ومن زاويتين مـختلفتين في الشكل والمظهر، ولكنهما كانا متناغمان غايةً ومادة.

طيلة حياتـهما لم ينشغلا بصغائر الأمور، بل بعظائـمها، لذا، أسس الشيخ الغنوشي حركة " النهضة" التي سرعان ما أصبحت مدرسة فكرية ونضالية، تـخرج منها كثيـرون، وتأثر بـها عدد كبيـر من أهل الفكر والأدب والصحافة والسياسة، كذلك، فعل الدكتور المرزوقي بتأسيس " حزب المؤتـمر من أجل الـجمهورية" مع مـجموعة من الشباب الثائر كي لا يبقى حلمه بإنقاذ وطنه أمراً خيالياً، وقد اثبتا أن ثقافتهما السياسية ليست جـمعاً للمعارف والمعلومات، ولا امتلاكاً هشاً ساكناً للعلوم والفلسفات كما يصورها بعض السياسيين التونسيين أدعياء الفكر والثقافة، والمتبجحون بشهادتـهم الـجامعية العليا، وبكفايتهم التامة من المعرفة والفهم، بل أكدا أمام التونسيين وغيـرهم من المتابعين للأوضاع في تونس، أن المعرفة الـحقّة هي بـحث واغتناء "علمي وعملي" دائـمين لا يتوقفان، ولا يـحدان، لأنـهما فعل الـحياة، والـحياة أبداً في استـمرار واغتناء، خاصة، عندما يتـعلق الأمر بالوطن، وبعمليات ارتقائه إلى المـجد. 

الشيخ الفاضل راشد الغنوشي، بالإضافة إلى اجتهاداته الدينية والسياسية، تفرد منذ بداية تأسيس حركة "النـهضة" أن لا يؤسس حركة سياسية تقليدية تـحمل الواقع كما هو، بل أراد حركة سياسية تـعمل على بعث عقيدة إسلامية شاملة تعبـر عن رسالة إنسانية، وتـحمل مسؤولية تـحرير قوى المسلمين من معطلات نـموها وتفعيلها لتصبح قوة قادرة على تـحطيم قوى القهر والـجهل ومهاجـمة كل المفاسد، وهذا ما أكدته المادة الأولى من أهداف حركته التي تنص على: " بعث الشخصيّة الإسلامية لتونس حتى تستـعيد مهمتها كقاعدة كبـرى للـحضارة الإسلامية بأفريقيا، ووضع حدّ لـحالة التبعية والاغتراب والضلال".

والدكتور المـجاهد منـصف المرزوقي يدعو بدوره إلى:" تـحرير المـجتمع من الـخوف والإذلال، وإعادة الكرامة والأمل للتونسيين، لتجنيد طاقات الـخلق والإبداع المعطلة فيهم والكفيلة بتحقيق التنمية الإنسانية الشاملة".

هنا نلاحظ شدّة التشابه في الأهداف بين الرجلين المفكرين لاستنهاض الشعب التونسي من فوضى الانـحطاط إلى نظام الـجهاد، ومن مصيـر الاضمحلال إلى مصيـر الوجود الـحي الفاعل بوعي كامل لأغراض الـحياة المثلى.

المادة الثانية من أهداف حركة " النهضة" تنص على: " تـجديد الفكر الإسلامي على ضوء أصول الإسلام الثابتة ومقتضيات الـحياة المتطورة وتنقيته من رواسب عصور الانـحطاط وآثار التغريب.

في هذا الموضوع الفكري،  يعطي الدكتور المرزوقي  القوس باريـها، ليس فقط في الأمور الفكرية، بل في كل أمر من الأمور العلميّة، الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية، فيطلب من المـختصين ما يلي: " نتيجة جهلنا بـحالة الأنظمة الاجـتماعية، فإن الإصلاح يبدأ من تقييم معمّق عبـر لـجان خبـراء  من مـمثلي الأطراف الفاعلة في النظام المعني بالأمر. تشمل العملية تقييم ميادين التـعليم في مراحله الثلاث والبحث العلمي ،والنظام البنكي والـجبائي والإنتاجي، والصحي والقضائي والأمني والـحيطة الاجتماعية، والإدارة والـحماية المدنية والـمحافظة على البيئة" .

نتابع قراءة المادة الثالثة من أهداف حركة " النهضة" التي تنص على : " استـعادة الجماهيـر حقها المشروع في تقرير مصيـرها بـعيدًا عن كل وصاية داخلية أو هيمنة خارجيَّة.

ويقول الدكتور المرزوقي في هذا الموضوع : " يتمّ تكليف لـجنة من كبار أساتذة القانون من تونس بتدبيج القانون الأساسي للمجـتمع والدولة ليكون دعامة مـجتمع يسعى عبـر دولته ومؤسساتـها لتمتيع كل أفراده دون تـمييز بالـحرية والعدالة وبثمار التنمية".

هنا أود أن أشيـر إلى أن الدكتور المرزوقي يتمنى أن تقوم النـخبة التونسية ، وليس الـجماهيـر، برسـم مـخططات تقرير مصيـر تونس، لأنـه لا يؤمن : " في قدرة شخص،  أو مـجموعة أشخاص تنتمي لـحزب، أي لـجزء من كلّ، الإدعاء بأن له، أو لـها، العلم  الذي يسمح بـحلّ مشاكل متراكمة منذ عقدين من الزمن.

هذا ما يـجعل وعود بعض السياسيين عشية الـحملات الانتخابية، المفتـعلة أو حتى الـجدّية، بإصلاح أنظمة بتـعقيد النظام الاقتـصادي أو التـعليمي أو الإداري في غياب المعطيات أو في تواجدها مغلوطة، بـمثابة إدعاء حدادين قدرة إصلاح طائرات نفاثة يـجهلون عنها كل شيء ما عدا أنـها علب من حديد تطيـر في الـهواء بقدرة قادر، والأدهى وصولـهم للسلطة بـمثل هذه الوعود وهجومهم على الطائرات بالمطرقة والمنشار".

المادة الرابعة من أهداف حركة " النـهضة" حول الشأن الاقتـصادي تنص على :" إعادة بناء الـحياة الاقتـصاديَّة على أسس إنسانيَّة وتوزيع الثروة بالبلاد توزيعًا عادلًا على ضوء المبدأ الإسلامي "الرجل وبلاؤه، والرجل وحاجته" أي "من حق كل فرد أن يتمتع بثمار جهده في حدود مصلحة الـجماعة وأن يـحصل على حاجـته في كل الأحوال" حتى تتمكن الـجماهيـر من حقها الشرعي المسلوب في العيش الكريـم، بعيدًا عن كل ضروب الاستـغلال والدوران في فلك القوى الاقتصادية الدولية ".

لا تناقض بين الشيخ والدكتور في الكلام عن الشأن الاقتـصادي ودوره في حياة الشعب التونسي، ويلاحظ الباحث المدقق أن الفروقات في تـحديدهما للشأن الاقتصادي يكاد يكون غائباً، حيث يدعو الدكتور إلى إنشاء: " الـهيئة العليا المستـقلة لمراقبة المال العمومي ومـحاربة الفساد، وتتلقى مثل الـمحكمة الدستورية العليا شكاوى المواطنين والمنظمات وتراقب قانونية المناقصات العمومية والتصرف في أراضي الدولة وتنظم دورات التدريب والتربية على تقصي كل أشكال الفساد المالي والمـحسوبية واستـغلال النفوذ ".

أمّا المادة الـخامسة من أهداف حركة " النهضة" فهي تنص على: " المساهمة في بعث الكيان السياسي والـحضاري للإسلام على المستوى الـمحلي والمغربي والعربي والعالمي وحتى يتم إنقاذ شعوبنا والبشرية جـمعاء مـما تردَّت فيه من ضياع نفسي وحيف اجتماعي وتسلط دولي".

المهم في كلام الشيخ الغنوشي في هذه المادة هو أن المعركة الـحياتية للمواطن التونسي هي مشروعاً وخطة فكرية مستـمرة حـتى النهاية، وهذا ما يؤكده الدكتور المرزوقي بالاستناد إلى الـحقائق العلميّة، وإلى ما توصلت إليه دراساته وأبـحاثه العلميّة في مـختلف المـجالات، إذ يقول:  " تونس في تقاطع ثلاث فضاءات: الفضاء العربي الإسلامي والفضاء المتوسطي والفضاء الأفريقي، ومن ثم لا خيار لنا غيـر اعتماد سياسة خارجية هدفها مزيد من التـعاون والاندماج والإدماج داخل هذه الفضاءات الثلاثة مع التأكيد على أولوية الفضاء العربي الإسلامي ".

في ختام مقالتي هذه، أود أن أقول إن همّي الأول منها، هو تبيان، وتلاقي المشترك النهضوي في فكر الرجلين الشيخ الغنوشي والدكتور المرزوقي حول تونس الغدّ، على الرغم من انطلاقهما من زاويتين مـخـتلفتين، والكلام على أسبقية هذا أو ذاك، يؤخذ من المصادر والمراجع، وما أكثرها، كما أدعو المفكرين في الـحزبين إلى تدبر المـختلف فيهما لدراسته وتأويله، حسب منهج الرجلين، المبدع، المتطور، غيـر الـجامد وغيـر المـحدود، لأن المنهج وإن كان سيفاً فكرياً تـعالـج القضايا في ضوئه، إلا أنّـه يـجب أن ينبثق من المادة المعالـجة، وأن ينبعث منها، روحاً مبدعة خلاقة.

 وأريد أن أؤكد على أن الـحزب, أي حزب، شيء والوطن شيء آخر... لا يـمكن بالنظرة الـحديثة للأمور أن نطبّق القوانين عينها على الاثنين، قد يعبّـر الـحزب عن تطلعات الشعب ويـحاول بلورتـها، ولكن لا يـمكنه أن يلغي الأحزاب الأخرى ويتربع على عرش السلطة كالمـمثل الأوحد للوطن القادر على علاج ومشاكل الوطن.

أعضاء الـحزب تـجمعهم عقيدة واحدة، ويوحدهم هدف مشترك، وتضم شـملهم رؤية خاصة في السياسة والإدارة والاجـتماع، وهؤلاء الأعضاء قد يتوزعون في تيارات لـها آراء مـخـتلفة في التفسيـر والاجتهاد، لكنهم يبقون ضمن إطار واحد مـحدد، أمامهم راية واحدة وعنوان مشترك، وعندما تـحل واقعة فجميعهم في المصاب واحد.

أمّا في الوطن فهناك مـجموعات تـختلف في الرأي والاتـجاه، فبالإضافة للذين يستنيـرون بعقيدة واضحة مؤمنة بالوطن وعاملة على صلاحها وعزتـها مهما كانت الشعارات التي يرفعونـها، هناك أفراد لا يعرفون ماذا يريدون، وآخرون يرون مصلحتهم الخاصة هي مصلحة الوطن، أي أنّـه هناك تنوع بالمذاهب والمشارب. لذا، أدعو الـحزبان إلى التـعاون والتنسيق في تعزيز الصف الوطني في مستقبل الأيام، وبـخاصة في مـجالات الانتخابات المـحلية التشريعية والنقابية، وتكليف لـجنة للمتابعة بالسعي لدعم الـحوار بين حزب النهضة الإسلامي وحزب المؤتـمر من أجل الـجمهورية العلماني، والتنسيق بين فصائل التيارين بالتـعاون مع منظمات حقوق الإنسان من اتـخاذ المواقف الواضحة في جـميع الانتهاكات التي تـمس الـحريات العامة وحقوق الإنسان في تونس من قبل بقايا النظام المنهار.

فهل يعملان الـحزبان معاً لتحقيق نـهضة تونس، تـمهيداً لنهضة عالمها العربي والأفريقي، أم يـختلفا ويتصارعا ويتقاتلا على جنس نـهضة تونس ؟!... في الوقت الذي يزحف فيه أعداء تونس والعرب وأفريقيا إلينا بأسـلحتهم المدمرة ليقضمون أرضنا، ويصادرون إرادتنا وقرارنا، ويلغون شـخصيتنا الدينية والقومية؟!...

فهل يتـحدا؟... ومتى؟!...

تيسيـر العبيدي ـ باريس

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©