نصوص

المجتمع المدني وقضيّة الهُويّة

توقّعت صحيفة الـ "غارديان" البريطانيّة أن تشهد المجتمعات العربية خلال السنوات القادمة تغيّرات عميقة تصعب السيطرة عليها، خاصة بعد ما أصبحت توفّره الإنترنت من فضاءات غير محدودة للتعبير والتأثير، كما لاحظت أن الشباب العربي يبدي شغفاً وتعطشاً للمشاركة في إبداء رأيه في ما يجري ويحدث على الساحة العربية والعالمية. والمفاجئ في الأمر أن الصحيفة رشّحت لتحريك السواكن وإحداث الرّجّة والضّجّة كلاً من الحركات النسويّة ومجموعات المثليّين والأقلّيات الثقافية والعرقية والدينية. وقد يبدو هذا الاستشراف محكوما بعمل

0
2 ديسمبر 2009
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

توقّعت صحيفة الـ "غارديان" البريطانيّة أن تشهد المجتمعات العربية خلال السنوات القادمة تغيّرات عميقة تصعب السيطرة عليها، خاصة بعد ما أصبحت توفّره الإنترنت من فضاءات غير محدودة للتعبير والتأثير، كما لاحظت أن الشباب العربي يبدي شغفاً وتعطشاً للمشاركة في إبداء رأيه في ما يجري ويحدث على الساحة العربية والعالمية. والمفاجئ في الأمر أن الصحيفة رشّحت لتحريك السواكن وإحداث الرّجّة والضّجّة كلاً من الحركات النسويّة ومجموعات المثليّين والأقلّيات الثقافية والعرقية والدينية. وقد يبدو هذا الاستشراف محكوما بعملية إسقاط لصورة المجتمعات الغربية على المجتمع العربي، أو بالسؤال عن الآفاق أمام الفراغ الذي تسببه حالة الضعف التي تعيشها المعارضة التقليدية العربية من أحزاب يسارية وليبرالية علمانية، أو محكومة بالسؤال حول البدائل الممكنة أمام انسداد الآفاق بفعل واقع الاستبداد، أو بشبابيّة المجتمع العربي ذي القابلية للتأثر بالثورة الاتصالية التي وفّرت عالما معلوماتيا وافتراضيا يُتيح ويُبيح ما لا يوفّره الواقع المادي ولا يسمح به، فشبابنا وأطفالنا نموا وبينهم وبين الشبكة العنكبوتية ألفة لم يعرفها الكهول ولم تدخل في تقاليد حياتهم إلا جزئيا. ما أشارت إليه صحيفة الـ "غارديان" على أنه خمائر التغيير القادم وعناصره الفاعلة يُضيف في الحقيقة مخاطر جديدة على مجتمعاتنا أكثر ممّا يمكن أن يمنحها من فُرص للتّنمية والتطور، وإن كنا لا نرى أيّ داعٍ لتعليق مطلب الحريّة أو التضييق على مساحاتها المحدودة باسم أية فزّاعة كانت كالتطرف والغلو والتغريب، فهذه كلها ليست إلا نتائج خيارات لم تكن الحرية من ضمنياتها ولا من أولوياتها وهي الإفراز الطبيعي لخنق الحرية لا ثمرة من ثمراتها، فالمجتمع الحرّ أكثر مناعة من المجتمع المقموع وهو أقدر على إعادة إنتاج خصوصياته وإخصابها، إذ إن الحرية قرينة المسؤولية وهي الحاضنة للهوية، لذلك كان الاستبداد خصمهما وكانت معركته ضدهما خاسرة وكلفتها باهظة ومعركتهما ضده ظافرة حتى وإن كانت نتائجها مؤجلة. هناك مخاطر تتهدد المجتمع المدني يمكن أن نذكر منها الأدلجة والأدلجة المضادة والهيمنة والتوظيف، ويمكن أن نضيف إلى ذلك التمييع بدعوى حماية المجتمع المدني من التسييس، أي جعله سهل الاختراق والاحتواء والعزل والتهميش.. ولعلّ الأخطر من كل ذلك والممهد له ما يدعو إليه البعض من إعفاء المجتمع المدني من حمل قضيّة الهويّة بتعِلات شتّى كالقول بأنه ليس لدينا مشكلة هويّة وبالتالي لا خوف على هويّتنا، أو كالخلط بين الهويّة وبين ما ليس من حقيقتها وجوهرها كالتشدّد والتعصّب الذي يلتصق بسلوكنا أو يطغى عليه لسبب طارئ مثل مباراة كرة قدم يتحوّل فيها الحماس بفعل الفراغ وغياب الوعي والشّحن الإعلامي والرهانات الميتارياضيّة إلى فتنة تحيي النزعات الغريزية النائمة في بواطن النفوس المثقلة بقيود الاستبداد وإرث الانحطاط. إن الرأي الذي ينطلق من مسلَّمة أن لا خوف على هُويتنا وليست لنا مشكلة هُويّة له ضمنيّاته السياسية والأيديولوجية التي تضع المجتمع المدني في تقابل مع المقاصد الإسلامية وفي خط النضال ضد أي استناد أو استئناس بالمرجعية الإسلامية وهو يواصل بعناد مهمّة تجفيف الينابيع بالطرق السلمية بعد فشل الطرق الإدارية والأداة الأمنية من خلال حمل وظيفة الدحر الأيديولوجي بعد أن استبان أنه لا صارف أمكن له أن يصرف الناس عن إشهار هويتهم والتحصن بها والذّود عنها. فهذا الذي يدعي أنّه لا خطر على الهُويّة هو أوّل من يُفرّط في تحصينها وتفعيلها وهو يُغطّي ذلك التّخلّي بتعمّد إحداث خلط بين القيم الإسلامية الخالدة والنيّرة وبين القيم الاجتماعيّة الموروثة والمتغيّرة بل والمتخلفة، بل إنه يُشيع أن لدينا تضخما فادحا في القيم المتخلفة في مقابل النقص الفادح في قيم الحداثة والعقلانية وحقوق الإنسان والتسامح.. وهو كلام يصعب أن نجد له أثرا في الثقافة اليابانية أو الكورية أو الماليزية المعاصرة رغم أنها عرفت إشكالية التقليد والتجديد والأصيل والوافد إن لم نقل الدخيل. وإذا علمنا أن المرجعية العليا والمضمون الحصري للقيم المنشودة عند أصحاب هذا الرأي هي المرجعية الغربية المقدمة على أنها مرجعية كونية وإنسانية متناسين أنّها أفضت إلى عكس ما أفصحت وآلت إلى حروب ومجازر، نفهم أن جوهر الصراع عندهم هو مع الأصوات المتحيّزة للهويّة وحاملة رايتها وأن منظمات المجتمع المدني يُراد لها بعد عُقود الإخضاع للأحزاب الحاكمة أن تكون أدوات للإلحاق الثقافي بيد نُخَب كانت في حقيقة الأمر وما تزال مسؤولة عن هزائم أمتنا وعن تأخر نهضتنا وعن محاولات التطبيع الثقافي والسياسي مع العدو. لا يمكن أن نتجاهل أنّ هناك صحوة جديدة للمجتمع المدني ومد جسور بين تيّار الهويّة المتفتّحة واتجاهات العلمانيّة المعتدلة بغاية دعم استقلاليّة المجتمع المدني وتطوير أدائه وإبعاده عن آفة التوظيف والإخضاع للخطيّات، لكنّ بعض العقليات الإستئصالية الوصائية المصابة بـ "التيوفوبيا" لا تفوِّت فرصة للتشنيع بأيّ تقارب علماني إسلامي وبأيّة بادرة لمصالحة تاريخية وطنية تتخفف من إرث القطيعة والفتن الداخلية التي اصطنعتها أو وقعت فيها نخبة جيل ما بعد الاستعمار وجيل الثورة والانقلابات العسكرية، فأجيال بداية الألفية الثالثة ليسوا معنيين ضرورة بالعداء بين اليمين واليسار وبالشقاق بين الناصرية والإخوان وبالفتنة بين البورقيبية واليوسفية وبالتناقض بين الستالينية والتروتسكية لا لأنها لم تعشها أو لأنها فقدت حرارتها التاريخية وإنما لأنها كانت من حاصل الأخطاء التي إذا ما استمرّت يمكن أن تصادر آمال المستقبل. إن المجتمع المدني العربي في حاجة إلى أن ينمو في سياقه الخاص لا أن يكبّل نفسه باستعادة سياقات الثلاثينيات أو الستينيات أو الثمانينيات من القرن الماضي حيث كانت الأيديولوجيا والعنجهية الشوفينية صاحبتَي الكلمة العليا وحيث كان التحالف المدنّس بين اليمين واليسار، رغم التناقض السياسي، على محور تدمير الهويّة. فالسياق الخاصّ لنموّ المجتمع المدني في هذه المرحلة ينبغي أن يكون بناء الهويّة والديمقراطيّة. ولعلّنا نجد في التناقض الداخلي الذي تتضمّنه مهمّة تفعيل المجتمع المدني مع وضعه في خطّ التّعارض مع الهويّة تفسيرا لما آل إليه واقعه في العديد من الأقطار العربيّة من تراجع وضعف تجاه السلطة والأحزاب الحاكمة بعد أن فقد استقلاليته وتعمّقت قطيعته مع الشعب وهُويّته، إذ تم إقحام المجتمع المدني في أتون الصراع حول النمط المجتمعي مثلما تم إقحامه بُعيد الاستقلال في الجدل والخلاف حول شكل الحكم بغاية فرض القالب والمضمون العلمانيين. إنّ الزّجّ بالمجتمع المدني في معركة ليست معركته من شأنه أن يُفقده مناعته واستقلاله وتماسكه الداخلي بسبب قوى الجذب المختلفة من داخله وخارجه معا بعضها تجذبه نحو تكوين جدار صدّ ضدّ المدّ الإسلامي وبعضها يجذبه نحو دعم استقلاليته تجاه السلطة التي تريد تسخيره وتوظيفه والاستحواذ عليه حتى لا تتعرّض للإزعاج والمساءلة.. وعلى العموم من مسؤولية كل الأطراف تجنّب إضعاف المجتمع المدني وتأثيمه وتصيّد سقطاته والعمل على تصويب مساره والانفتاح على الفرص المتاحة لتحرير فعاليته فمن هناك، من العالم الافتراضي، تأتي رياح الشمال لا تنتظر إذناً بالهبوب. وبالتأكيد فإنّ المجتمع المدني دون أن يُطلب منه تعويض الأحزاب أو الوقوف حَكما بينها في صراعاتها أو الانحياز إلى بعضها ضدّ البعض الآخر يمكن أن ينهض بمهمّة إحداث ثغرة لفائدة الحريّات وحقوق الإنسان وأن يدعم مناعة المجتمعات وهويتها. ومن الأكيد أن مستقبل الدولة يكمن في تعزيز الحريات وتوفير ضماناتها الدستورية والقانونية والمؤسساتية وليس في إضعاف المجتمع المدني وذمّ ناشطيه وملاحقتهم.

العجمي الوريمي 

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©