نصوص

الكلمة أمانة

الكلمة أمانة كبيرة، وبها وجب التنبيه إلى ما يقترفه النّاس في رمضان عادة أو جهلا أو مسايرة للآخرين، ممّا قد يُفسد عليهم صومهم، في موسم هامّ ومفيد، قال فيه الحبيب صلّى الله عليه وسلّم: [من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه]... قال الخطابي: احتسابا أي: عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيّبة نفسه بذلك غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه... أي أنّه لا يقول بلغتنا نحن التونسيين: "والله جانا في السخانة وطول النهار ووقت الخلاعة والشيخات ووقت المهرجانات والعطلة الصيفية، وفسّد

0
9 يونيو 2015
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

الكلمة أمانة كبيرة، وبها وجب التنبيه إلى ما يقترفه النّاس في رمضان عادة أو جهلا أو مسايرة للآخرين، ممّا قد يُفسد عليهم صومهم، في موسم هامّ ومفيد، قال فيه الحبيب صلّى الله عليه وسلّم: [من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه]... قال الخطابي: احتسابا أي: عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيّبة نفسه بذلك غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه...

 

أي أنّه لا يقول بلغتنا نحن التونسيين: "والله جانا في السخانة وطول النهار ووقت الخلاعة والشيخات ووقت المهرجانات والعطلة الصيفية، وفسّد علينا كلّ ملعوب"!... فمثل هذا القول أو التخمين به يفسد الصوم ويذهب بالاحتساب، وقد لا يترك إلّا جوعا وعطشا لا حاجة لله تعالى بهما!...

 

الصائم في تونس - إن أراد القبول من الله تعالى - بادر بمقاطعة التلفزات التونسيّة، فإنّها لا تليق حتّى ببلد بوذي ناهيك أن تكون في بلد إسلامي!.. وإنّي لأتابع الومضات الرّمضانيّة فلا أراها إلّا قد جاءت تقطع على النّاس عبادة ربّهم!... التلفزات التونسية وصمة عار على جبين كلّ تونسي، وهي معول هدم أخلاقي لا يشجّعها إلّا فاقد أخلاق غير راغب في استكمالها، ولا يتابعها (خلال رمضان) إلّا من لم يعزم - لا سمح الله - على مغفرة ما تقدّم من ذنبه!... فاجعلوا بينكم وبينها حجابا سميكا لا يفسد عليكم صومكم، حتّى يأتي يوم يستشعر فيه الناس مسؤولياتهم فلا يسمحوا في البلاد بشيء إلّا قد روعيت فيه الأخلاق وحُفظ به السمت ونُمّي به الحياء وطُلب به الرّزق، وقد علمنا أنّ الرّزق إنّما يُطلب بالاستغفار وحسن التوكّل والاجتهاد في العمل!...

 

والصائم في تونس، مدعوٌّ إلى نبذ العادات المسيئة للدّين عموما وللصوم خصوصا، فليس الصوم مجرّد صبر على الأكل خلال النّهار يجبر بأضعاف كمّياته خلال الليل!... بل هو امتناع عن شهوة البطن والفرج، وهو إلى ذلك عمل واقتصاد وتنميّة ونماء وزيادة... فراقبوا أنفسكم وقيسوا صيامكم ومدى صحّته بانخفاض صرفكم في رمضان، عكس ما يسوّق له المتهوّرون بكثرة الصرف فيه، وكيف أنّه جاء مصيبة على الزوّالي وصاحب العائلة!... اجعلوا جوعكم خلال اليوم ينبّهكم إلى أناس جاعوا الدّهر كلّه فاجعلوا لهم ممّا رزقكم الله تعالى نصيبا، ولتكن موائد الرحمان في كلّ حيّ وفي كلّ ناحية تقرّبا للرّحمان بدل أن تكون يافطة تُرفع يقتات منها بعض الساسة وبعض عصاة الرّحمان!...

 

والصائم في تونس مدعوّ إلى الإكثار من العمل، فإنّ خيرَ ما يُعجّل بالإفطار في رمضان وخيرَ ما يقتصر الوقتَ فيه العملُ، ومدعوّ كذلك إلى الإكثار من قراءة القرآن، فلا يكتفي بختمة واحدة كما كان يفعل سائر أيّامه بل عليه أن يحاول ختم القرآن مرّات عديدة!... وعليه اجتناب المتابعة بالمصحف مع الإمام خلال التراويح، فإنّ متابعة الإمام سماعا أكثر حضورا في الصلاة وأدعى إلى توحيد الصفوف وراء الأصلح!...

 

والصائم في تونس، مطالب بترك عادات الأوائل من الأمّيين، أولئك الذين كانوا يملؤون ليلهم قمارا ولعب ورق (ويكثر ذلك أساسا في الأرياف) وهرجا ومرجا، وهي كلّها أعمال مفسدة للصوم مسيئة للانتساب إلى الإسلام الحضاري النيّر!...

 

هذا بعض ما استعجلت ذكره، ولا شكّ أنّ لكلّ منّا ملاحظات، يجدر بنا جميعا أن ننتبه إليها بنيّة إصلاح المعوجّ ورغبة منّا جامحة في نيل الخير الذي لا يُنال إلّا بالامتثال إلى الله تعالى وإلى رسوله الكريم!... والله أسأل أن نكون ممّن صام رمضان وقام لياليه وقام ليلة القدر فيه إيمانا واحتسابا، فغفر الله جلّ وعلا لهم ما تقدّم من ذنوبهم... وكلّ عام وأنتم والمسلمون جميعا بخير... والله من وراء القصد...

 

 

 

عبدالحميد العدّاسي، 9 جوان / يونيو 2015           

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©