نصوص

الفساد.. ظاهرة تنخر المجتمعات وتدمّر الدّول بقلم: محمد رضا سويسي

كثر الحديث عنه: الفساد: ظاهرة تنخر المجتمعات وتدمّر الدّول بقلم: محمد رضا سويسي لا تزال ذاكرة الكثير منّا تحتفظ من دروس التّاريخ بتلك النّهايات التّقليديّة للدّول والإمبراطوريات حيث تتكرّر تقريبا نفس الجمل المتحدّثة عن انغماس السّاسة ورجال الدّولة في اللهو والبذخ والانشغال عن شؤون الرّعيّة بينما تمعن مراكز القوى السّياسيّة والأسريّة في النّهب وظلم الرّعيّة حتّى تغدو هذه الرّعيّة تبحث عن أيّ منقذ يعلن عن نفسه فتجدها تنظمّ دون تردّد إلى أوّل ثائر أو متمرّد أو قادم من الخارج. ولم تقتصر هذه الظّواهر

0
27 مارس 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة
كثر الحديث عنه: الفساد: ظاهرة تنخر المجتمعات وتدمّر الدّول      بقلم: محمد رضا سويسي       لا تزال ذاكرة الكثير منّا تحتفظ من دروس التّاريخ بتلك النّهايات التّقليديّة للدّول والإمبراطوريات حيث تتكرّر تقريبا نفس الجمل المتحدّثة عن انغماس السّاسة ورجال الدّولة في اللهو والبذخ والانشغال عن شؤون الرّعيّة بينما تمعن مراكز القوى السّياسيّة والأسريّة في النّهب وظلم الرّعيّة حتّى تغدو هذه الرّعيّة تبحث عن أيّ منقذ يعلن عن نفسه فتجدها تنظمّ دون تردّد إلى أوّل ثائر أو متمرّد أو قادم من الخارج.    ولم تقتصر هذه الظّواهر على دولة أو حضارة بعينها فشملت مدن أثينا والإمبراطورية الرّومانيّة وبعدها مختلف دول وإمارات العهد الإسلامي في مشرق الأرض ومغربها لتمتد هذه الظّاهرة حتّى الزّمن الحديث والمعاصر.    لكن مع تطّور البشريّة وتعقّد أنظمة تسييرها لشؤونها تعدّدت مظاهر الفساد وتنوّعت لتأخذ طابعا فرديّا حينا و جماعيّا حينا آخر من خلال تكوّن "مؤسّسات" أو عصابات لإدارة الفساد.    ولم ترتبط ظاهرة الفساد بنظام سياسيّ أو اقتصاديّ دون آخر إذ في كلّ نظام توجد أو تُخلق الثّغرات التي يتسرّب منها المفسدون فلم تنج لا الأنظمة الاشتراكيّة ولا الليبراليّة من تلك الظّواهر كما لم تقف الحواجز الأخلاقيّة أو القيم الاجتماعيّة والدّينيّة حائلا أمام الفساد.    ومع نزوع المجتمعات المتزايد إلى تنقية أنظمتها من هذه الظّاهرة على الأقل في مستوى الخطاب والتّشريع نمت النّزعة إلى مواجهة الفساد والتصدّي له من خلال إصدار القوانين التي تحاول قطع الطّريق على الفساد منذ بداية ظهوره وتتعقّبه بالمراقبة والعقاب والرّدع كما جعلت من غياب الفساد أو الحدّ منه مقياسا رئيسيّا من مقاييس التّنمية السّليمة وعنوانا من عناوين التّحضّر والحكم الرّشيد بينما اعتبر وجود الفساد بمختلف مظاهره ودرجاته من مظاهر التّخلّف وواحدا من مقاييس رداءة مناخ الاستثمار ومعوّقا من معوّقات التّنمية.     ويكتسي الفساد في عصرنا الحاضر عدّة مظاهر وآليّات شديدة التعقيد بعضها قديم قدم الحياة الاجتماعيّة للإنسان مثل ظلم الحاكم للمحكومين وإساءة التّصرّف في الملكيّة العموميّة والإجحاف في الجباية واستغلال النّفوذ من طرف المنتمين إلى الأسر الحاكمة، إلى جانب استغلال الموظّفين لنفوذهم عبر الارتشاء وتحويل مجرى الملفّات لصالح هذا على حساب حقّ ظاهر ومشروع لذاك لكن هذه المظاهر قد تطوّرت أشكالها وآليّات تنفيذها فضلا عن حجمها وعمق تأثيرها على المجموعة خاصّة في زمن بلغت فيه الدّقة في التّخطيط والحساب درجة أصبح يصعب معها إخفاء الحقائق أو التّستّر على وقائعها وانعكاساتها كما أنّ طبيعة المعادلة بين الثّروات ومتطلّبات التّنمية والمخاطر المحدقة من منافسات وأزمات وغيرها قد جعلت لكلّ عمل غير شرعيّ وغير نظيف تأثيره المباشر على نسق التّنمية وعلى العلاقة مع المحيط الاقتصادي والمالي .     إنّ مختلف ظواهر الفساد المتداولة اليوم من تبييض أموال وتحيّل من أجل الاستيلاء على أموال وأملاك المجموعة الوطنيّة وتفشّي ظواهر الرّشوة التي أخذت عدّة مسمّيات إنّما هي اليوم ظواهر معولمة لا تختص بها دولة دون أخرى لكن بتفاوت في الانتشار وكذلك اختلاف في طرق التّعامل معها خاصة من طرف السّلط والإدارات القائمة في تلك البلدان إذ أنّ الأمر يختلف بالتّأكيد بين دولة تفصح كلّ مظاهر الفساد وتسعى للتصدي لها من خلال إحداث التّشريعات الصارمة والعمل على تطبيقها بحزم وبين دولة لا تزال تعتبر الحديث عن الفساد من المحرّمات بحيث تكرّس خطابا يتحدّث عن الواقع بمثاليّة بينما تقع حقائق الأمور على نقيض ذلك.     وفي هذا الإطار لا بدّ من الإشارة إلى كثرة الحديث عن تفشّي الفساد بمختلف مظاهره في البلدان النّامية وعلى رأسها الأقطار العربيّة حيث تعجّ مختلف التّقارير الأمميّة والدراسات الدّولية بالحديث عن مظاهر الفساد واستغلال النّفوذ في مختلف الأقطار العربيّة وهي في الحقيقة دراسات ممّا يُعتبر كلاما حقّا يُراد به باطلا حيث أنّ أغلب هذه التّقارير إنّما تُصاغ في إطار مشاريع للضّغط على دول عربيّة أو تمهيدا للتّدخّل في شؤونها حيث غدا الحكم الرّشيد واحترام حقوق الإنسان الشّماعة التي تعتمدها عدّة أطراف دوليّة للتدخّل في شؤون الغير.    إلاّ أنّ هذا القول لا يعفي الأنظمة السّياسيّة في الوطن العربي من تحمّل مسؤوليّاتها في الحدّ من مختلف مظاهر الفساد وذلك باعتماد الشّفافيّة في التّصرّف والصّرامة في كشف كلّ مظاهر الفساد واستغلال النّفوذ والارتشاء وهو أمر لا يمكن أن يتحقّق إلاّ بتوفّر شروط محدّدة منها:  ـ احترام مؤسّسات البلاد التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة والرّقابيّة والسماح لها بالقيام بمهامّها وفق القانون دون تدخّلات تفرغ هذه المؤسّسات من مضامينها ومهامّها التزاما بمقولة دولة القانون والمؤسّسات بحيث لا تبقى المؤسّسات مجرّد هياكل فارغة لا تصلح إلاّ في الجداول الإحصائية التي تقدّمها هذه الدّول للبرهنة على التزامها بالمعايير الدّوليّة للحكم الرّشيد.  ـ توخّي الشفافيّة في الكشف عن مواطن الفساد والتصدّي لها بعيدا عن إخفاء الحقائق والمحاباة وأحيانا حماية بعض الأطراف المتسبّبة في الفساد وهي شفافيّة يجب أن تكون تجاه الشّعب وتجاه وسائل الإعلام التي يكون من واجبها الأخلاقي والمهني والوطني المساهمة في كشف الفساد ومواطنه والمتسبّبين فيه.  ـ أن يلعب المجتمع المدني والمنظّمات والهيئات المهنيّة والحقوقيّة دورا فاعلا في مقاومة الفساد وذلك بتنقية نفسها أوّلا من مظاهره المختلفة حتى تكتسب المصداقيّة الضروريّة وتكون مثالا يحتذى في مواجهة الظاهرة ولا تكون ممن يصحّ فيهم القول: "لا تنه عن خلق وتأتي مثله" ثمّ تأخذ دورها في الرقابة والكشف عن مواطن الفساد ثمّ متابعة كيفيّة التّصدّي لها.  ـ أن تكون مختلف خطط واستراتيجيّات مقاومة الفساد والتصدّي له موضوع حوار وطني بين مختلف الأطراف الوطنيّة المعنيّة من أحزاب سياسيّة ومجتمع مدني ومنظّمات مهنيّة بحيث تكون هذه الخطط محل إجماع جميع الأطراف بما يدعم شفافيّة العمليّة ويساعد الهياكل الإدارية والقضائيّة والرقابية على القيام بعملها بعيدا عن المؤثّرات والعراقيل.

     إنّ إدراك الخطر المتزايد لظاهرة الفساد على الاستقرار الداخلي للبلدان العربية وعلى نسق التنمية فيها إضافة إلى مخاطر التدخل الأجنبي هي التي كانت وراء إثارة هذا الملف في الاجتماع الأخير لوزراء الدّاخلية العرب الذي انعقد في تونس، ويبقى الانتباه إلى خطورة الظاهرة والاستعداد لمواجهتها في حد ذاته أمرا إيجابيا لكن ما يجب الانتباه إليه هو أنّ مواجهة الفساد بمختلف مظاهره وفنونه ليس عملا أمنيّا فحسب بل هو أمر مشترك بين أكثر من طرف أمني وسياسي وتشريعي وقضائي ومدني... باختصار هو اليوم شأن مجتمعي يجب أن يأخذ ما يستحقّ من اهتمام إذ تحوّل إلى سبب هام من أسباب تراجع الاستثمار وانخفاض أنساق التنمية وتهديد استقرار البلدان أنظمة وشعوبا

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©