العودة الكريمة والآمنة :صالح الحامي
Normal 0 21 false false false FR-CA X-NONE AR-SA /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin-top:0cm; mso-para-margin-right:0cm; mso-para-margin-bottom:10.0pt; mso-para-margin-left:0cm; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-
- 19 فبراير 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
بعد عقدين من الزمن، أعود بإذن الله إلى بلدي يوم الجمعة القادم على الساعة العاشرة والنصف صباحا
أيام قليلة تفصلني عن العودة إلى بلدي الحبيب بعد غياب وحرمــان دام لأكثر من عقدين من الزمن. مشــاعر واحاسيس متداخلة من الشوق والفرحة والرهبة والهواجس المتعدّدة، والحق أقول أنّني لم أعش سابقا هذه المشاعر في ذات اللحظة. أن تعيش هذه المشاعر منفردة يختلف تمــامـا من أن تعيشها مجتمعة، وفي مرحلة فريدة من حياة هذا الوطن الحبيب، مرحلة دقيقة يكتنفهـا الكثير من الغموض، وتتوالى فيهـا الأحداث بنسق سريع ومفاجئ.
إنّني وأنـا أستعدّ إلى عودة كريمة وآمنة بإذن الله، أود أوّلا أن أترحّم على جميع شهداء تونس الأبرار، داعيـا الله أن يتقبّلهم في علّيين، كما احيي شبــاب ثورة تونس، هذا الشباب الذي قدّم لنا هديّة نحن مدينين له بهــا ما حيينـا، لقد ساهمتم يا شباب تونس في إحداث نقلة نوعيّة ليس في تونس فحسب وإنّما أحسبهـا والله أعلم نقلة في المنطقة بأسرهـا، وسيذكر لكم التاريخ أن بداية التأريخ الجديد للمنطقة العربية صنعه شبــاب تونس وشاباته، وسيكون يوم 14 جانفي تاريخا مهمّا لكل شعوب المنطقة، لقد توّجتم بثورتكم جل التضحيات التي قدّمهـا من جاء قبلكم من كل أطياف المجتمع طيلة العقود الماضية وأفلحتم في تأصيل شعارات من مثل " لا خوف بعد اليوم " و " الحريّة، لنـا ولغيرنــا" ، هذا الشعارات التي استمات من كان قبلكم من أبنـاء جركتنــا في سبيل تحقيقها ولكن آلة القمع والبطش التي كان يمتلكها بن علي كـانت أعنف من هؤلاء الفتية، فتحيّة طيّبة لكم أيهـا الأبطال، وتحيّة للأرحــام التي حملتكم وللأرض التي حررتموهـا.
أعود قريبا إلى بلدي ولن أجد والدي في استقبالي لأن أجل الله قد سبق، فرحل ولم أتبع جنازته ولم القي عليه نظرة الوداع الأخيرة... أعود إلى بلدي لأجد أمًّـا قد شابت وهرمت واحترقت شوقا، أمٍّا، حُرمْتُ من خدمتهــا ورعايتها، وحُرمْتُ من أن أرمي رأسي على صدرهــا طيلة السنوات الخالية.
أعود إلى بلدي لأجد جيلا جديدا من الشباب والصبايا ربما يمثّل أكثر من 50% من عائلتي، جيلا يسمع عن عمّ أو خال أو ابن عم أو ابن خال أو صهرولم يراه ولم يعايشه، يسمع عنّا ولم يرانـا، جيل جديد وطيلة عقدين من الزمن كان ما يسمعه عنا من أبويه وكبار الحي يختلف تماما عمّـا يبثّه إعلام بن علي ورموز نظامه، فتأخذ بعضه الحيرة وتتشوّه عنده الصورة، فيكوّن في خياله صورة هي أقرب إلى الشيء وضدّه وهو لا شكّ ينتظر هذه العودة ليعرف مدى تطابق الصورة التي كوّنهـا للعائد الغريب.
عقدين من الزمن مرّت ونحن في المنافي نتلمّس سبيلنــا وندافع عن مشروعنـا غير عابئين بكيد خصومنــا وتثبيط بعض الطيّبين من إخواننا، لقد مورس علينـا كمّا رهيبا من الضغوطات سواء تلك التي كانت من طرف النظـام ورجالاته داخل البلاد وعبر السفارات والقنصليات، او تلك التي تأتي من حين لآخر من أخوة أحبّة داخل الصف، بعضهم أعياه المسير وبعضه الآخر وبحس ظن منه أعتقد بإمكانيّة التواصل والتعايش مع هذا النظام السيّء مقابل تنازلات بسيطة. كان يمكن لنـا أن نعود إلى أوطاننا في مراحل متقدّمة ومنذ أوائل الألفية الثانية، مقابل ان نعطي الدنيّة في حركتنـا وأن نمضي وثيقة نعلن فيهـا "توبتنـا" ووفاة مشروعنـا، ولكنّنـا ما هنّا وما لنّـا، كان يمكن أن نعود عودة ذليلة وغير كريمة لو قبلنا بما عرضه علينـا بن علي من عروض مذلّهـا ولكن صمودنـا وقناعتنـا بصحّة خياراتنا، كان يلهمنـا الصبر والمصابرة والتوسّل بكل وسيلة تيسّر لنـا العودة الكريمة الآمنة ومـا كان مؤتمر العودة الذي أنجزه المهجرون في جنيف إلاّ حلقة من حلقـات هذا الصراع.
أخيرا أعود وإخواني إلى تونس بعد أن غُيّبنــا قسرا لنساهم مع غيرنـا في تنمية وطننــا الذي عشقنـاه وحرمنـا من خدمته طيلة السنين الماضية، نعود لنضع أيدينـا مع شركـائنـا في الوطن ونسهم سويا في حماية هذه الثورة المباركة من محاولات الإلتفاف التي ما انفكّ خصومهـا يصلون الليل بالنهار بغية إرباكهــا وصرفهـا عن إنجــاز المهـام العظام التي قامت من أجلهـا. نعود لنشارك في بناء حياة سياسيّة تستند على التوافق بين جميع كيانات المجتمع المدني دونمـا تهميش أو إقصــاء، مبتعدين ما استطعنا عن مربّع الإستقطــاب الذي قاد البلاد إلى كوارث لا تخفي على أحد. نعود وايدينـا ممدودة للخير وبالخير معاهدين الله سبحانه وشعبنـا الحبيب على خدمة تونس والعمل على عزّتها ورفعتها.
صالح الحامي، كندا في 19 02 2011