العلمانيون المتطرفون في تونس
تعيش تونس منذ عقود حالة فريدة داخل محيطها العربي و الإسلامي و هي حالة مناقضة إلى حد النفور مع هويتها وتركيبتها الاجتماعية، و لئن لم تكن هذه الحالة تعبيرا حقيقيا عن المجتمع، لكن صوت معتنقيها كان عاليا إبان الدكتاتورية بشقيها البورقيبي و التجمعي ثم علا هذا الصوت و أصبح أكثر دويا إلى حد الصداع إثر الثورة و بعد انتخابات المجلس التأسيسي بخاصّة٠ خلطت هذه الفئة المفاهيم على الناس الذين هم حديثوا عهد بالحرية و الديمقراطية ، فطرحت أسئلة عديدة من قبيل لماذا في هذا التوقيت بالتحديد؟ و لماذا برز هؤلاء و بشك
- 8 ديسمبر 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
تعيش تونس منذ عقود حالة فريدة داخل محيطها العربي و الإسلامي و هي حالة مناقضة إلى حد النفور مع هويتها وتركيبتها الاجتماعية، و لئن لم تكن هذه الحالة تعبيرا حقيقيا عن المجتمع، لكن صوت معتنقيها كان عاليا إبان الدكتاتورية بشقيها البورقيبي و التجمعي ثم علا هذا الصوت و أصبح أكثر دويا إلى حد الصداع إثر الثورة و بعد انتخابات المجلس التأسيسي بخاصّة٠
خلطت هذه الفئة المفاهيم على الناس الذين هم حديثوا عهد بالحرية و الديمقراطية ، فطرحت أسئلة عديدة من قبيل لماذا في هذا التوقيت بالتحديد؟ و لماذا برز هؤلاء و بشكل قوي في المجال الإعلامي، خاصة المرئي منه، ثم إن هؤلاء إن كانوا بحق دعاة حرية لماذا لم نسمع لهم رِكْزًا يدفع الظلم عن المجتمع خلال سِنِيِّ الجَمْرِ؟ بل كل ما عُرف عن أولائك هو أسلوب الانتهازية السياسية والمشاركة في القمع و الإقصاء بل و التخطيط لهما٠
لماذا يتراءى للناس أن اليسار المتطرف أغلبية؟
هم في الحقيقة قلة و لا يمثلون إلا أنفسهم و بعض الدوائر المشبوهة خارج الحدود الوطنية، برامجهم تدور حول مسائل ظاهرها المطالبة بالحرية و المساواة بين الجنسين، و باطنها الويل و الثبور، الشيء الذي يجعلهم في تضاد مع المجتمع و قيمه٠
كل نشاطاتهم تدور حول إيجاد مكان بين الناس للشواذّ والشاذّات جنسيا و الدفاع عن أوكار الرذيلة و العُهر الأخلاقي و التخلف الفكري٠ بل تذهب مراميهم إلى أبعد من ذلك و أخطر، من ذلك بث روح الفوضى و الانقسام بين فئات المجتمع عبر اختلاق الإشاعات، التي يختصون بها، و تخويف الناس ممن اختاروه بإرادتهم لتمثيلهم، وهو الذي كان ضحية مؤامراتهم و لا يزال٠
و في هذا وذاك يتقاطعون مع شعارات النظام البائد الذي عاث في البلاد فسادا طولا و عرضا و بمشاركة ظاهرة و خفية من الطيار الإستئصالي اليساري الذي نتناوله بالتحليل، الأمر الذي يجعل المتابع يحث الخطى لِتَقفِّي أَثَرَ هذه الشرذمة المُنْبَتَّة، ليقف على حقائق مذهلة ملخّصها أن هؤلاء ليسوا سوى الوجه الآخر للدكتارورية٠
فما علاقة هؤلاء بتلك الحقبة المظلمة التي أتت على كل شيء فأهلكته؟
علاقة ما يسمى بالحداثِيِّين* بالنظام المنحل
لئن مثّل التجمّعيّون، بل لنقل جُلُّهُم ، كي نتلافى التعميم، سياط الدكتاتور فإن سَدَنَةَ اليسار المتطرف كانوا منظِّري و مخططي الاستبداد، و كان هذا دَيْدَنُهُم منذ ذهاب الاستعمار الاستيطاني** ، فنفذوا إلى مؤسسات الدولة واستحوذوا عليها، و ليس آخرها الجامعات و المؤسسات التعليمية برمّتها، إلى حد لا يمكن للعقل أن يستسيغه، فطال عملهم الإجرامي كليّات الشريعة فسيطروا عليها و بثوا خلالها سمومهم إلى درجة تخريج جيل يحمل مؤهِّلاتٍ شرعيةٍ في أصول الدين و هو معادٍ لما يحمل، و المبتغى من ذلك هو الهدْمُ من الداخل، و هو لَعَمْري أَمْرٌ ينطوي على عِداءٍ لم يسبق له مثيل و خيانة عظمى في حق المجتمع و الناشئة٠
كان النظام المهزوم يتحرك بذراعين اثنين، أولهما الذراع الأمنية التي تغوَّلت إلى حد كبير مما ضيق على الناس أنفاسهم و بث التفرقة بين أفراد المجتمع، فكان الشك يسري في كل شيء حتى طال أفراد العائلة الواحدة بسبب الوشاية و بث الأعين في أرجاء الوطن و خلف الحدود بين المغتربين عامة و السياسيين خاصة٠
و الذراع الأخرى، هي الذراع الفكرية و التنظيرية التي لا تقل خطورة عن الذراع الأمنية، بل هي أشدُّ فَتْكًا منها لأنها طالت و تطال، و في العمق، هوية المجتمع بكل مقوماتها فطال الأذى كل مناحي الحياة٠
هذه الذراع هي ما يعرف بالفكر الإستئصالي المعادي، فسُخّرَ ما يسمى بالتيار العلماني الماركسي لضرب العمود الأساس و الركن المتين للمجتمع التونسي و هو دينه و معتقده ، فذهب في ذلك إلى أبعد الحدود، منها و بالأساس تجفيف منابع التدين من كتب أو دروس أو محاضرات لها صلة من بعيد أو قريب بالإسلام، (حتى المؤلفات التي تتناول الإسلام بالانتقاد تمنع من دخول البلاد) و أنيط هذا الأمر الخطير بعهدة شرذمة ماركسية موغلة في العداء، على رأسها المهووس و المسمى أنس الشابي*** الذي عُرف بتهكمه من الإسلام و رموزه و عدائه الغير مسبوق للصحوة و النهوض الإسلامي، اللذان أصبحا خيارا عاما منذ أمد بعيد، وهذا العداء طال كل مخالف و من لا يروق لهم٠
فالمرحلة المظلمة السابقة شهدت تقاسما للأدوار بين التجمعيين الذين مسكوا بالعصا الأمنية و اليسار المتطرف المخطط داخل لجان التفكير لتدمير الأخضر و اليابس داخل حدود الوطن السليب٠
دور الإعلام في الإعلاء و التضخيم من شأن اليسار المتطرف
الإعلام التونسي في مجمله إعلام متخلف، فالكل يعلم المحاور التي يتناولها، والتي لا علاقة لها بالشأن الوطني الحقيقي٠
و إثر الثورة لم يجن هذا الإعلام من الثورة سوى طول اللسان و إلقاء التهم جزافا و دون روية و تمحيص و دون أيّ جهدٍ يذكر في سبيل تقصي الحقيقة من مضانِّها، فهي في جملتها مواضيع الغاية منها الوقيعة بين مكونات المجتمع، وهذا ما دأبت عليه الفئة اليسارية الحانقة التي تدير الإعلام بكل مكوناته ٠
فهو إعلام ما يزال بعيدا كل البعد عن معاني الحرية التي نادت بها الثورة و ناضلت من أجلها أجيال و سقطت في سبيلها فيالق من الشهداء، فضلا عن الموضوعية و الحيادية اللتان يفتقدهما إلى حد بعيد، و ترجمة ذلك ما نلحظه من انحياز واضح بل و فاضح إلى تلك الفئة اليسارية المتطرفة و إعلاء صوتها في كل شأن حتى لَيَتَرَاءَى أن لا شيء قد تغير، سوى بعض الألوان و أشكال منابر الحوارات التي نُحِتَتْ من جُيُوب المُعدَمِين٠
كان الاستيلاء إذًا للتيار العلماني الماركسي الإستئصالي على كل مفاصل الإعلام التونسي بكل مكوناته واضحا جليا، مما ضخم حجمه وأعلى من شأنه فجعل التوازن مختلا في غير صالح المجتمع٠
هل الأصوات التي نسمع تعتبر معارَضَة؟
كلاَّ، فهي في الظاهر كذلك، و لكننا إذا حاولنا، ودون عناء كبير، فهمَ المَرَامِي الحقيقية لليسار المتطرف، لا نلحظ سوى لغة عدائية موغلة في التطرف، لا صلة لها بمفهوم المعارضة الذي ينبني على الوعي السياسي و القانوني و مقارعة حجة الخصوم بالحجة٠
ثم إن المواضيع التي يقع التطرق إليها و إثارتها من حين إلى آخر لا تمت بصلة إلى مشاغل الناس٠ إذ يكفي لمتابعٍ عابرٍ أن يقف على حقيقةِ ما سُقناه من حقائق مؤلمةٍ، فيعلمَ خطورة ما يحدث و يتحقق له أن لا علاقة لما يُطرح من طرف الفئة المشار إليها بالعمل الديمقراطي الحقيقي و المتعارف عليه و الذي يفرزه التدافع الإيجابي لصالح المجتمع و ليس التصادم مع قِيَمِه التي تُسَيِّجُه وتحميه٠
دور اليسار المتطرف في المرحلتين الحالية و القادمة
إن فقدان اليساريين المتطرفين لشريكهم **** جعلهم مربكين إلى حد بعيد، زاد في هذا الإرباك، الهزيمة المدوية لهم في أول انتخابات حقيقية، مما جعلهم كالأيتام على موائد الإعلام المنحاز الذي لا يمثل سواهم، يكيلون التهم من خلاله للفائز الذي حظي باختيار الشعب٠
فهم إذًا يشهدون تخبطا حقيقيا مما جعلهم في أَحَايِينَ عديدة يقعون في ما وقعوا فيه قبل الثورة فَتَطْفُو على السطح حقيقة مراميهم الدنيئة و التي لا صلة لها بالديمقراطية البتة، إذ نلاحظهم يحاولون عبثا تحريك بعض رموزهم داخل النقابات العمالية التي يسيطرون على أغلبها، و ذلك بالدعوة إلى اعتصامات و إضرابات بهدف عرقلة عمل الائتلاف الحكومي،
ودفع بعض الجمعيات التي تتقاسمها التوجهات ذاتها و المشبوهة في علاقاتها بالنظام المنحل بل و تورطها المباشر في محاربة المجتمع و كل نفس يتعارض مع تصوراتهم الإيديولوجية الخطيرة، إلى إثارة مواضيع لا صلة لها لا من قريب و لا من بعيد بثقافة المجتمع ولا بالثورة، من قبيل حقوق الأم العزباء و الطفل اللقيط و الزواج المثلي و إلى غير ذلك من الاهتمامات الشاذة شذوذ سلوكياتهم و توجهاتم٠
سوف يظل اليسار المتطرف يبحث عن فَزَّاعَاتٍ هنا و هناك محاولا استغلال السُّذَّج و ضعاف النفوس التي لا تَفْقَهُ مدى الخطر الذي يحدِّقُ بالمجتمع بأسْرِهِ و ليس لها من همٍّ سوى اغتنامُ الفرصِ و البروز على المسرح الإعلامي و السياسي لتمرير ما يريد تمريره عساه في ذلك أن يجد صدى لما يصبو إليه٠
هذا على المستوى الداخلي، أما على المستوى الخارجي فسوف يظل يستدر عطف المنظمات والجمعيات الدولية و حتى بعض الدوائر السياسية للإستقواء بها في نشاطاتها الداخلية المشبوهة لإرباك المشهد السياسي و الاجتماعي٠ و ليس أَدَلَّ على ذلك من دعوة إحدى القيادات النِّسْوِيَّة ****** لهذا التيار لتَدَخُّلٍ فرنسيٍّ في الشأن الوطني و هَتْك سيادته٠
ما الحل؟
الحل يكمن أساسا في وجوب استعادة كل مؤسسات المجتمع التي سُلِبَتْ منه و وقع الإستلاء عليها لصالح فئة قليلة مُنْبَتَّة من مثل المؤسسات الإعلامية و التربوية و الأمنية٠٠٠ إلخ٠
ثم إن العمل السياسي، و مهما كانت التوجهات الإيديولوجية لمعتنقيه، يجب أن يضل نشاطه مكفولا و حرا و ذلك ضمن شروط المجتمع الذي يحتضنه و ليس بالاعتماد على ثقافة مستوردة و مفاهيم مسقطة تكون مطية للعمل السياسي على الساحة الوطنية، فالمجتمع التونسي يكتنز من المقومات الثقافية المتجذرة ما يجعله بمنأى عن الاستيراد من خلف الحدود٠
و على الجانب الاجتماعي والاقتصادي فالشعب التونسي بحاجة إلى عمل كبير يحتاج إلى جهد الجميع، فمجالات العمل السياسي بكل أبعاده يزخر بها المجتمع، خاصة في هذه المرحلة التي أشرقت فيها شمس الحرية٠
فلماذا الالتجاء إلى الثقافات المستوردة أو الانطواء و كل أسباب العمل السياسي النزيه الغير مُرْتَهَن متاحة ٠
كَالْعِيسِ في الَبيْدَاءِ يَقْتُلُها الظَّمَأُ والمَاءُ فوْقَ ظُهُورِهَا مَحْمُولُ
لطفي صالح الهمامي
------------------------
* نَسَبَ اليساريُّون لأنفسهم صفة الحداثة في مقابل صفة الظلامية التي نعتوا بها خصومهم و هي الصفة ذاتها التي كان يرددها النظام البائد في محاربته لمعاضيه٠
** ذهب الاستعمار الاستيطاني و ظل الاستعمار الثقافي يحارب قيم المجتمع وينخر فيه بأيادٍ داخلية، كان اليسار و لا يزال رأس الحربة فيه٠
*** الغريب أن هذا الرجل كان يُدَرِّسُ مادة التربية الإسلامية بمعاهد الجمهورية و هو خريج الجامعية الزيتونية، و هذا دليل على ما أشرنا إليه آنفا من نفاذ تلك الشرذمة إلى قلاع الأمة ورمز مناعتها٠
****التجمعيون
***** جمعية النساء الديمقراطيات: جمعية لا علاقة لها بما تعانيه المرأة، بل هي جمعية ليس لها من همٍّ سوى الدفاع عن الشواذ و الشاذات و كل ألوان الرذائل مما شجع انتشار دور البغاء في البلاد٠
****** المَدْعوّة سهير بالحسن