نصوص

العلاقة بين السّياسيّ والصّحفيّ- طه بافضل

بدهيّ أنّ بعض المسؤولين يشتاط غضبًا لو تحدّثت عنه الصّحافة بشيء؛ تنقّصًا، أو تجريحًا، في نفسه، وإدارته، وطريقة عمله؛ بالطّبع، لا أحد يقبل أن يتهجّم عليه الآخرون، ولكنّ الحديث هنا عن الجانب العمليّ والإداريّ الذي يتعلّق بإدارة شؤون مرفق ما، كبر أم صغر، له علاقة بحياة النّاس المعيشيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والتوعويّة، فحينئذ لا مناص من تجرّع المسؤول أو السّياسيّ لغصص وسائل الإعلام الورقيّة والإلكترونيّة والفضائيّة، وملاحقاتهم له، خصوصًا عندما يتجرّأ هذا المسؤول بالعبث بالمال العام وإساءة استخدام

0
19 ديسمبر 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

بدهيّ أنّ بعض المسؤولين يشتاط غضبًا لو تحدّثت عنه الصّحافة بشيء؛ تنقّصًا، أو تجريحًا، في نفسه، وإدارته، وطريقة عمله؛ بالطّبع، لا أحد يقبل أن يتهجّم عليه الآخرون، ولكنّ الحديث هنا عن الجانب العمليّ والإداريّ الذي يتعلّق بإدارة شؤون مرفق ما، كبر أم صغر،  له علاقة بحياة النّاس المعيشيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والتوعويّة، فحينئذ لا مناص من تجرّع المسؤول أو السّياسيّ لغصص وسائل الإعلام الورقيّة والإلكترونيّة والفضائيّة، وملاحقاتهم له، خصوصًا عندما يتجرّأ هذا المسؤول بالعبث بالمال العام وإساءة استخدامه، أو إساءة استخدام منصبه وكرسيّه.

هنا يأتي دور ردّات الفعل؛ فالسّياسيّ الذي يقبع في مناصب الدّولة، ويزهو بنفسه، ويحسب أنّه المتفرّد عن غيره من البشر، بحظوظ الوجاهة، والتسلّط على إخوانه الآخرين؛ المفترض فيه، أنّه خادم لهم، وملبِّ لطموحاتهم، فإذا به ناهب، ولصّ محترف لأموال الدّولة والشّعب؛ إذا بهذا المغرور يهرول إلى كتابة دعوى إلى النّيابة العامّة، على أخيه الصّحفيّ، الذي انتقده وكشف شيئًا من فساده وانحرافه، بدلاً من التّخفيف من حدّة المواجهة؛ إما بتفنيد ما كتب عنه، أو الاتّصال بهذا الصحفيّ لئلاّ يتّسع الخرق على الرّاقع، وتصبح القضيّة ردود أفعال لا فائدة منها، والخاسر الأكبر فيها هو هذا السّياسيّ الذي ينشغل بأمور جانبيّة ويلتفت لبنيات الطريق عن دوره الحقيقي في البناء والتنمية لبلده.

عادة يُقال: إنّ العربة الفارغة تحدث ضجيجًا، وإنّ بداية البحر أمواج متلاطمة ولا شيء فيه غير هدير الموج، أمّا لجّة البحر فثمّة الهدوء، حيث الكنوز والخيرات المتدفّقة، ولهذا تجد السّياسي المحنّك والمجرّب أو النّزيه نظيف اليد، لا تهزّه أقاويل النّاس؛ لأنّه لا يخاف على ذهاب منصبه، ولا يساوره قلق، باختصار لا شيء يضغط عليه سوى أنّ فكرة الرّحيل عن المنصب واردة لديه غير غائبة، بخلاف ذلك الفاسد الذي لا يتخيّل حياته دون منصب "يهبر" منه الهبرات الكبيرة له ولمن ساعده ولأولاده وعياله من بعده!!

وتحضرني كلمات جميلة قالها الأستاذ فارس الخوري، وهو سياسيّ سوريّ نصرانيّ، شغل أرقى المناصب العربيّة والعالميّة، وكان من ألمع رجال السيّاسة العالميّين، يقول: "إنّ على السّياسيّ النّاجح أن يحرص دائمًا على صداقة الصّحفيّين، وإن الزّعيم العاقل، هو الذي يحول دون عداء الصحفيّين لشخصيّته ولسياسته، وإنّ من الواجب على كل إنسان بعيد النظر، أن يبادر إلى الاتّصال بالصّحفي، إذا نشر نشر الصحفيّ ضدّه أيّ خبر أو مقال، كي يوضّح له وجهة نظره، ويصحّح له معلوماته، وليحذر السياسيّ إهمال هذا الاتّصال..". وقال أيضًا: "أنا ضدّ ذهاب السّياسيّ إلى ساحة القضاء، من أجل مقاضاة الصّحفيّ النّاشر؛ لأنّ هذا يتيح له فرصة نشر وقائع كلّ جلسة من جلسات المحاكمة، كما سيتيح له فرصة التّشهير والتّطويل، ولهذا يبقى الاتّصال المباشر أجدى في طيّ القضيّة، وأفعل في حصرها ضمن أضيق نطاق".

مثل هذه الوصايا المهمّة، يحتاجها كل من المسؤول السياسيّ والصّحفيّ النّاشر، في رسم خارطة طريق للتّسامح الأخلاقي، وللتّعامل الحسن بين السياسيّين والصّحفيّين، والابتعاد قدر الإمكان عن توسيع دائرة الخصومة ونزق التصرّفات، وهمجيّة الأفعال، التي تصبح نقطة سوداء في مسيرة من اختارها سلوكًا يتطبّع عليه في تعامله مع مخالفيه.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©