نصوص

العدالة الانتقالية و الهيئة ...الاحزاب و المجتمع المدني... ايّ مسار يتخبّط ؟

تراخت حكومات ما بعد انتخابات 2011 في سنّ قانون العدالة الانتقاليّة و لم يحظ بشرف مروره في المجلس التأسيسي الا في اواخر عهد الترويكا اي في ديسمبر 2013 زمن صدور الدستور الذي يُلزم "الحكومة" و مؤسسات الدولة بالسهر على بعث هيئة الحقيقة والكرامة "باعتبارها هيئة دستوريّة مؤقتة" و دعمها لانجاز مهامّ ضخمة انيطت بعدهدتها حسب قانونها الخاص لتصفية تركة الاستبداد و الفساد "سلميّا" و ذلك منذ الاستقلال الى أواخر 2013 و رفع المظالم التي تعرّض اليها الكثير من التونسيين. هاته المهمة الرساليّة و الانسانية النبيلة

0
14 مايو 2016
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

تراخت حكومات  ما بعد انتخابات 2011 في سنّ قانون العدالة الانتقاليّة و لم يحظ بشرف مروره في المجلس التأسيسي الا في اواخر عهد الترويكا اي في ديسمبر 2013 زمن صدور الدستور الذي يُلزم "الحكومة" و مؤسسات الدولة بالسهر على بعث هيئة الحقيقة والكرامة "باعتبارها هيئة دستوريّة مؤقتة" و دعمها لانجاز مهامّ ضخمة انيطت بعدهدتها حسب قانونها الخاص لتصفية تركة الاستبداد و الفساد "سلميّا" و ذلك منذ الاستقلال الى أواخر 2013 و رفع المظالم التي تعرّض اليها الكثير من التونسيين.

هاته المهمة الرساليّة و الانسانية النبيلة و التي تصبو في النهاية الى مصالحة جميع التونسيين فيما بينهم و لطيّ صفحة الماضي الاليم بعد كشف الحقيقة و المحاسبة و التحكيم لم تلق ناصرا لها و لم تلتفت اليها لا حكومة العريّض في آخر ايامه و لا حكومة المهدي جمعة من بعده فبقيت مجموعة الخمسة عشر عضوا(هيئة الحقيقة و الكرامة) "بلا والي" تكافح من اجل موضع قدم من اجل المقر ثم من اجل التمويل و الانتدابات ثم من اجل الميزانية ... تعطيلات و مماطلات و كانها "عدوّة الجميع" رغم الاجماع السابق على ضروريّتها فاصبح الجميع لحسابات سياسويّة... يتآمر عليها سرّا و جهرا من الداخل و من الخارج ...

عاشت الهيئة مخاضات عسيرة و صدمات كادت ان تاتي عليها ... ما حصّنها هو ايمان عناصرها و على راسهم رئيسة الهيئة الاستاذة سهام بن سدرين بقدسيّة و بشرف الرسالة التي يحملونها و يقينهم بضرورة الاصلاح بين الناس وزرع المحبّة بينهم عوض التجافي والعداء, و اصلاح مؤسسات الدولة التي عشّش في اركانها الفساد بالتوصيات الضرورية والتي سيتضمنها تقريرها النهائي ...باقتراح القوانين الضرورية والتشريعات المناسبة على مجلس نوّاب الشعب ...

حملات التشكيك في جدواها كمؤسسة, كانت كثيرة ومتواصلة, تخبو حينا لتشتعل من جديد بعد حين آخر ...

من اجل ضرب رمزيّة بن سدرين داخلها كرئيسة وشيطنتها , جنّدوا لذلك ما استطاعوا من ابواق و حيل كان اهمّها مشروع رئيس الدولة بتزكية الشيخ الغنّوشي للمصالحة الاقتصاديّة الذي ومنذ مارس 2015 لازال شغلهم الشاغل متعمّدين القفز على آليّة التحكيم و المصالحة داخل الهيئة و تجاهلها وهو الامر الذي ان بدى منسجما مع تاريخ الباجي قايد السبسي فانّه لا ينسجم البتّة مع موقعه كرئيس لكل التونسيين كما انّه يُعدُّ غريبا جدّا وغير منطقيّا لشيخ الضحايا الذي يبدو و كانّه اكتفى بترسيم ستّة آلاف تقريبا من ابنائه "بدفتر خانة على قول العريّض" كرصيد انتخابي و لحفظ ماء وجهه لدى القواعد النهضويّة و تخلّى عن البقيّة الذين يخوضون الى الآن اعتصامات من اجل حقوقهم التي ليس لاي كان مبرّرا في تاخيرها و تخلّى نهائيّا وزهد "امام اكراهات السياسة" في كامل مسار العدالة الانتقاليّة المأمول "لدى العقلاء"  انتهاؤه الى خير كثير يعود على الجميع .

نسيت او تناست قيادات النهضة و النداء وهم شركاء في الحكم ما يُلزمهم به الدستور, طيلة سنة , من  الزاميّة التعاون مع الهيئة و دعمها من اجل انجاز ما عجزت عنه المحاكم طيلة خمس سنوات من محاسبة الفاسدين... و من انصاف الضحايا و كشف الحقيقة وتفكيك منظومات الظلم داخل اجهزة الدولة, و غرقت في مصالحها الحزبيّة الضيّقة ... بقرار ...

و بقيت اصوات حرّة تكافح داخل الهيئة و خارجها لتثبيت ما لم يرد "اعداء المسار" تثبيته حتّى اصبح المسار امرا واقعا لا يُخشى عليه... لم تكن للدولة و لا لحكومة الصيد في البداية ايّة رغبة في التعاون مع الهيئة و لكن بفضل ضغط رموز المعارضة الوطنيّة داخل مجلس نوّاب الشعب و تحرّكات المجتمع المدني و استماتة ما بقي من الخمسة عشر "بعد التخلّص" من "البرزيط" و عملهم الدؤوب و تقدمهم الباهر في اعمالهم ... ثلاثون الف ملف ... تسع مكاتب جهويّة ... هيكلة محترمة من اطارات و اعوان ...تسوية مشكل الارشيف مع الرئاسة الخ ... الامر الذي عبّر عنه وزير املاك الدولة في اوّل زيارة لمقرّها حاثّا جميع الوزراء لزيارتها مُنبهرا بما حققت من تقدّم على جميع الاصعدة ... ما حقّق للهيئة نجاحات تُحسب لها ... وهو اليوم يؤكّد قرار الدولة احالة جميع ملفّات الفساد المالي على الهيئة... الا يُعدّ هذا انتصارا ؟

و عاد الامل هاته الايام من جديد لدى الكثيرين ممن اصيبوا بخيبة "النهضة" ... و عاد التفاؤل "الحذر" بمستقبل واعد و بدايات توفّق لهيئة الحقيقة و الكرامة لكي تُنجز ما هو مناطا بعهدتها لمصلحة كل التونسيين و لمصالحتهم مع بعضهم البعض و مع مؤسسات دولتهم. كان امضاء رجل الاعمال سليم شيبوب لدى الهيئة و بحضور ممثل الدولة باعتبارها متضررة على مبدأ قبول مسار العدالة الانتقاليّة بالتحكيم و المصالحة بمثابة انتصار ثانِ للهيئة و لعناصرها و لرئيستها على " المخلّفين والمتخلّفين" الذين دأبوا على التعطيل و التسويف و المماطلة... ففتح السيّد شيبوب بذلك للشّاكين طريقا نامل جميعا ان يتمّ بخير و بشكل شفّاف من كل الوجوه تُضمن فيه حقوق العباد و البلاد.

كان هذا الباب " ملفّات الفساد المالي" محرجا جدّا للهيئة و لم تملك له سبيلا امام تعنّت الدولة... اخذ من جهدها و من وقتها الشيء الكثير...ارّقها و كان ذلك على حساب ملفّات الضحايا و تأخير تناولها بضعة اشهر... اذ كانت تعتقد بانّ هذا الملفّ الضخم هو من صلب مهمتها في حين كانت ترى "المؤامرات" تُحاك لسحبه منها و الابقاء لها على مهمّة حفظ الذاكرة كما قال ذلك الشيخ راشد الغنوشي. رفعت الهيئة التحدّيات بالتصدّي للقانون المزعوم و لمن ساندوه و سوّقوا له... و بهذا الانجاز "فرحت" و حقَّ لها بان تفرح "اذ يحسدونها على ذلك" لتُعيد حرارة المسار من جديد رغم حملات التشكيك المتواصلة و التي تاتي هاته المرّة ممّن خانوا المسار اوّل مرّة و تنكّروا له و من بعض الرموز الناشطة في المجتمع المدني و التي لا يخفى علينا انتماؤها.

الهيئة ترفع التحدّي لتُعيد للمسار وجاهته وهو في الاخير نجاحا للضحايا الذين لا زالوا ينتظرون انصافهم وقد تخلّت عنهم "حكومات الثورة" ... فعوض التأكيد على مناصرة الهيئة و الوقوف معها , هم يتورطون "خدمة لخيارات احزابهم" في التشكيك في رموز الهيئة و خاصة رئيستها و يتهمونها بالتسيّس في تناول ملفاتهم و كان الاجدر بهم ان يلاحقوا "و لو قضائيّا" من نسيهم و باع قضاياهم منذ خمس سنوات و لم يجدوا لديه الاّ الوعود الكاذبة.

كل المؤشرات تدلّ على ان مسار العدالة الانتقاليّة يعود "من بعيد" و بكل قوّة في ظل هيئة الحقيقة و الكرامة التي تبقى في حاجة اكيدة لوقفة مناصرة من الجميع احزابا و منظمات مجتمع مدني و دعم غير محدود مع الانتباه و النقد لما يمكن ان يحدث من اختلالات هنا او هناك ... و الكفّ عن حملات التشكيك التي اعتمدتها و تعتمدها بكل اسف اطرافا و هيئات تزعم بانها "ناضلت كثيرا" من اجل الضحايا وهي "تسترزق" في هذا المجال من المنظمات الدوليّة و منظمة الامم المتحدة ... و من مواصلة الضغط على الحكومة لكي تستجيب وزارات الدولة المختلفة "داخلية و عدل اساسا" على مطالب التحكيم و المصالحة و لا تكتفي بوزارة املاك الدولة رغم اهميّتها ... خدمة لهذا الشعب و لهاته البلاد التي تعزُّ علينا جميعا...

هيئة الحقيقة و الكرامة محتاجة لدعم منظمات المجتمع المدني التي تنضبط لقانون العدالة الانتقاليّة و لعلويّة الهيئة فلا ترنو للهيمنة او للتحكّم فلا تتدخّل الا فيما يعنيها "شبكة سي كمال الغربي مثالا" ثمّ للدولة باعتبارها شريكا كاملا و للاحزاب الوطنيّة التي لازالت تؤمن باهميّة  مسار العدالة الانتقاليّة و الذي يمثّل حقيقة سفينة النجاة لتونس و الترياق ضدّ سموم الجفاء و الحقد و الكراهيّة بين ابنائها.

ختاما ... بعض من الامل و اصرار شديد على انجاح هذا المسار ووعي كبير باستحقاقاته التي ان لم ترُم اليه الدولة "بطواعية" وهي بدأت بعدُ تلين ... فانّنا سنُجبرها على ذلك... بالقانون...و بالقضاء... و في الشارع ان لزم الامر.

"ان أُريد الاّ الاصلاح ما استطعت و ما توفيقي الا بالله".

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©