نصوص

العائد من زمن الفاتح لا من زمن أهل الكهف

فى خضم الازمات التى مرت بقضية فلسطين و بالبدان العربية والاسلامية خلال العقود الماضية ، شعرت الشعوب فيها بالكرب والالم الموجع لفداحة ما يحدث لها ، كما شعرت باليتم لعجز قادتها عن تخفيف الآمها والزود عن كرامتها ، وهنا لا احد ينكر حقيقة ان وجع المواطن العربى الخليجى الذى يتمتع بحياة كلها رفاهية لا يختلف عن وجع المواطن فى مصر او سوريا او العراق او السودان او الصومال او اليمن ... فأوجاع الشعوب العربية الاسلامية تتوحد جميعها ليصبح الوجع الاكبر لقلوبنا هو فلسطين وما يحدث للشعب الفلسطينى أكبر همنا مهما

0
26 نوفمبر 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة


فى خضم الازمات التى مرت بقضية فلسطين و بالبدان العربية والاسلامية خلال العقود الماضية ، شعرت الشعوب فيها بالكرب والالم الموجع لفداحة ما يحدث لها ، كما شعرت باليتم لعجز قادتها عن تخفيف الآمها والزود عن كرامتها ، وهنا لا احد ينكر حقيقة ان وجع المواطن العربى الخليجى الذى يتمتع بحياة كلها رفاهية لا يختلف عن وجع المواطن فى مصر او سوريا او العراق او السودان او الصومال او اليمن ... فأوجاع الشعوب العربية الاسلامية تتوحد جميعها ليصبح الوجع الاكبر لقلوبنا هو فلسطين وما يحدث للشعب الفلسطينى أكبر همنا مهما حاولوا تكريس القطرية والطائفية بيننا ، ومهما حاولوا رسم الخطوط الحمراء بين دولنا لتقسيمنا وتفتيتنا ، سيظل الهم الفلسطينى أكبر همنا وستظل فلسطين هى الحبل السرى الذى يربطنا بها ويغذينا بالعروبة والنخوة والكرامة ، وهى حبة القلب وبؤبؤ العين التى نرى به العالم من حولنا .

هذه الحقيقة التى يحاول العدو المغتصب للارض محوها من أفكارنا وعقولنا وضمائرنا لتحقيق أطماعه وتنفيذ مخططاته وتكريس وجوده بيننا ، ناسيا ومتناسيا ان فلسطين هى  قلب العروبة النابض ، والقلب ان مات مات الجسد وفقد روحه ... وان الشعوب العربية ما عرف جسدها الوجع والالم الا عندما أغتصب القلب بيد بنى صهيون وماعرفت البكاء الا على يد من سار فى ركب العدو الصهيونى .

أحرار الامة ولسانها النابض بالصدق أكدوا من قبل على  ضرورة توحيد الشعوب العربية والاسلامية ان ارادوا تحرير فلسطين واسترداد الحقوق ، فتخيل الجهلاء ان الوحدة يصنعها الحكام وحكوماتهم ، فركنوا اليهم موجهين اللوم لهم كلما اختلفوا او تنازعوا وتفرقوا ، والحكام يمعنون فى تكريس وتعميق الخلافات بينهم على أتفه الاسباب  فتفرح اسرائيل لهذا الامر .. بينما الوحدة فى أى مجتمع لا تنبع الا من القاعدة الشعبية التى تتحل بالوعى الوطنى والقومى لا بأوامر من قمة الهرم ..وفشل الوحدة أو نجاحها يتوقف على القدر الذى تتمتع به الشعوب  من وعى بمخاطر التفتيت والتقسيم والتصنيف والاختلاف والنزاع  والصراع المذهبى والطائفى .

وللاسف الشديد نجحت بعض الانظمة العربية والاسلامية الفاقدة لاى شرعية والسائرون فى ركابها فى تكريس كثير من تلك الامراض التى أبتلي بها جسد الامة ، ولم يكتفوا بذلك ارضاءا لاعداءها وتنفيذا لمخططاتهم بل تاجروا بألالامنا ونعتوا كل من يتصدى لطغيانهم او لطغيان وجبروت قوى التحالف الغربى الاستعمارى بالارهاب ، فى الوقت الذى عجزوا فيه عن تعريف وتحديد مفهوم الارهاب من وجهة نظرهم .

فى الماضى كان الحاكم فى منطقتنا العربية ينتزع شرعيته من دعمه للقضية الفلسطينية ، ومدى قدرته على التصدى للتوغل الصهيونى والهيمنة الامبريالية الغربية الاستعمارية ، ومدى إلتفاف الشعوب حوله داعمة له ومساندة ، وللاسف اليوم انقلبت الموازيين وأنقلب الحال لتصبح شرعية الانظمة تأتى من الخارج بصك غربى وربما صهيونى يضمن لهم البقاء فى الحكم بالداخل كلما أمعنوا فى قمع الشعوب وإذلالها ، وكلما نجحوا فى محو التاريخ العربى الاسلامى من مناهجهم ، وتفوقوا فى مد الجسور بينهم وبين العدو الصهيونى ، وزادوا من الضغوط على السلطة الفلسطينية لتقديم مزيد من التنازلات عن الارض والحقوق ، وتفننوا فى ابتكار وسائل جديدة تقضى على فصائل مقاومة العدو او ما يسمى بالارهاب .

رجب طيب اردوغان رئيس وزراء تركيا نموذج مختلف عن الزعامات  التى نراها فى أوطاننا العربية استمد شرعيته من الداخل ( شعبه ) ونال حزبه ( العدالة والتنمية  AKP) ثقة جماهير الشعب التركى خاصة بعد الانجازات التى حققها فى مجال الاقتصاد والتنمية والحريات و يشكل هذا الحزب الجناح الإسلامي المعتدل في تركيا، ويحرص على ألا يستخدم الشعارات الدينية في خطاباته السياسية، ويؤكد أنه لا يحبذ التعبير عن نفسه بأنه حزب إسلامي، فهو حزب يحترم الحريات الدينية والفكرية ومنفتح على العالم ويبني سياساته على التسامح والحوار ، بالاضافة الى كل ذلك وجدنا أردوغان ليس فقط رجل أقوال بل رجل أفعال نال احترام خصومه وجيرانه لما أتسم به من صفات النزاهة وطهر اليد والشرف والامانة ، اعتز بقوميته فقدم للشعب التركى مالم يقدمه غيره من حقوق وحريات ، وأعتز بإسلامه فأنفتح على  دول الجوار وألغى الحدود بين تركيا وبين سوريا وتحالف مع ايران ودافع عنها دفاع أصحاب الحق فلم نسمعه يدين او يشجب او يستنكر حق ايران فى امتلاك برنامجها النووى بل تحل الموقف التركى بالعقلانية عندما رفض مشاركة بلاده فى غزو العراق وأعاد الامر الى البرلمان التركى الذى رفض هذا الامر ، كما اشترط لقبول مشروع " الدرع الصاروخية " الا يكون موجها ضد جارته ايران رغم الاختلاف المذهبى بين تركيا وايران ، وحث مجلس الامن التركى لاول مرة منذ انتهاء الحرب الباردة ببحث موضوع "إزالة ايران من قائمة الدول المعادية ".. وبهذا استطاع ان يثبت لشعوب العالم انه قائد وطنى وقومى بإمتياز يدرك معنى الامن القومى التركى من منظوره الشامل والواسع ... لا من منظور دعاة القطرية وهواة رسم الحدود وبناة الجدران بين الاخوة والاشقاء .

اردوغان فى زيارته للبنان والتى أستقبل فيها إستقبال الابطال ربما رأى الكل فى تلك الزيارة انها رسالة من لبنان خاصة من رئيس الوزراء سعد الحريرى مفادها ان هناك زعيم سنى أقليمى ( اردوغان ) له نفس القدر من الاهمية على الساحة اللبنانية لزعيم الشيعة  ( احمدى نجاد ) الذى أستقبل أيضا إستقبال الابطال فى جنوب لبنان ليحدث التوازن على الساحة البنانية ، ولكن اى ان كان الغرض من الزيارة وتحت اى مسمى اقتصادى تنموى او سياسى .. فعلينا ان نعود لعلاقة تركيا الحميمة بإيران لتنعكس تلك العلاقة على سنة وشيعة لبنان وتزول الخلافات بين الطرفين وتهدأ نيران الفتنة بينهما التى أشعلها العدو وحلفائه ..فخيرا لسعد الحريرى ان يستند لتركيا كحليف له مناصرا للقضايا العربية والاسلامية من ان يستند الى الغرب وأعوانه ،  وخيرا له ان يتخذ من أردوغان صديقا للبنان يحرص على أمن لبنان أفضل من عدو يحصر كل اهتمامه فى إشعال نار الفتنة فى لبنان بين ابناء البلد الواحد ... فأردوغان رجل عائد من زمن الفاتح ليعيد صياغة التاريخ بلغة العصر الجديد فلنستقى الدروس منه ، لا من زمن اهل الكهف الذين أبادوا التاريخ وشوهوا صفحاته ولطخوا انجازاته ، وحولوا أبطاله الى مجسمات ورقية أحرقها العدو ، ورموزه  الى ارهابيين وقتلة .

وفاء اسماعيل

27 – 11 – 2010 م

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©