الطغيان بين الحليق والملتحي
Normal 0 21 false false false MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} Normal 0 21 false f
- 29 ديسمبر 2009
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
فلسفة الطغيان
الحلقة الأولى؟!
الطغيان بين الحليق والملتحي
المتأمل في دستور العدالة الخالد, القرآن الكريم يجد ذكر الطغيان في مواضع عدة بألفاظ متقاربة المعنى والمبنى وأورد الطغيان في لبوس فردي وجماعي وذكر رموزه, أوثانه الفردية (الطاغوت, طغى, البغي, ظلما, عدوانا...) (عاد وثمود ومترفو قوم نوح ومترفو قريش...) وتحالف المترفين وجهالة العوام (فرعون وهامان, وقارون جالوت...) وأسهب في بيان بليغ في الحديث عن ضحاياه وكيف توزعوا بين الشعوب والأفراد والجماعات ونال الأنبياء القسط الوافر من أذاهم وهنا موطن الشهادة في حديثنا... إنّ الضحايا الذين حسب القرآن الكريم حاربوا الطاغوت وأهله وأقاموا بديلا عنه في القلوب والواقع فلم ينتجوا طغيانا باسم الإله, ولم يكتموا أنفاس باسم التوحيد فاحترموا التنوع والاختلاف لأنه سنة الله في مخلوقاته, بل ودقّ القرآن إسفينا في نعش الإرهاب الفكري {لا إكراه في الدين} وهو موضوع بحث مستقل..ولو جال القارئ الكريم بين جنبات التيارات الحزبية بمختلف تسمياتها وطوائفها المعارضة لأنظمة الاستكبار والطغيان, ومن لجأ منهم لدول أخرى طمعا في النجاة بنفسه أو لاجئا بفكره ومعتقده أو باحثا عن سند يعينه على مدافعة نظامه وهم يتوزعون طرائق قددا بين من يرتدون العمائم والطواقي ومن يقصر ثيابه ويطيلها أو يرتدي ربطة عنق وبين من يحلق لحيته من جذورها, ومن يتركها تسرح في وجهه دون تشذيب ومن يهذبها, وبين دعاة حمل السلاح ودعاة وضعه ومن تشيّع ومن تسنّن ومن ألحد ومن آمن المعتدل والمغالي ومن كل حدب فكري ينسلون.. فتجد نشيدهم بحسب لغاتهم العقدية: ليسقط النظام. تراهم في كل واد سياسي يهيمون يقولون ما لا يفعلون... فحين يتباكون على نوازل الظلم يوردون مظاهر العسف الذي لحق بهم وبمن يزعمون تمثيلهم... تفرد الحاكم بالسلطة, كتمه لأنفاس مخالفيه ومعارضيه, لصوقه بالكرسي حتى مماته أو سقوطه من عل بفعل انقلاب أو قتل دبر بليل أو لموت مفاجئ نادر, فرض أحكام الطوارئ المعلنة والخفية والأحكام العرفية.. وحظر التجوال الفكري والراجل والطائر... أما الحديث عن الشورى أو الدمقراطية فهو إما ملغي أو حاضر من باب تأثيث المشهد فيتم تمييعه وتحويله لشراب لا طعم له. ولعل المتعاطفين مع هؤلاء المظلومين وشكاويهم وتأوهاتهم... يهوله حجم الانفصام والانفصال بين شكاويهم وبين ممارساتهم, فأغلبهم يمارس سلوك المستبد فتجد زعاماتهم خالدة ويمارسون كل وسائل الإبعاد في حق من يقدم لهم النصح من أبناء التجمع الواحد ويزورون الانتخابات ويكثرون التحالفات ويشقون صفوف المخالفين متبعين تراث مكيافيلي وهو دستور الطغاة الجدد.. وأذكر أنني حين درست الفلسفة وكان أستاذنا يدعونا لحرية الفكر وقد كنت متمردا أرفض المعلبات واللغة الخشبية لأنني أراها تكريسا لعقلية القطيع فالأمة الحرة التي تستخدم عقلها قادرة على تحويل الحصاة إلى جبل... تلك معتقدات مازلت أؤمن بها يقينا, وحدث بيننا حوار ومقارعة. وحين حل الامتحان الشفوي قال باللفظ الصريح: اليوم يوم الملحمة سأجزيك نظير وقاحتك وجرأتك؟ نظرت إليه مذهولا واستعدت رباطة جأشي وأجبته – بحكم أني ضمنت نجاحي بامتياز في الكتابي - وقلت دون وجل: أنت أستاذي بلغة أنيقة تعاني انفصاما وبلغة وقحة كما سميتها منافق عليم اللسان... تدعونا لحرية الفكر وتمارس سلوك الطاغية حين نخالفك رأيا لبئس ما تعلمنا وانصرفت تاركا إياه لبقية الضحايا. وقد سبق لي ان تعرضت لمحاولة اعتداء من بعض الطلبة المنتمين لتيارات إسلامية كنت أحترمها بالجامعة لأنني أنصفت حاكم بلدي أمام الطلبة فالقاعدة عندهم الحاكم شر كله والمعارضة خير كلها وهو تعميم خاطئ وقد صحت بهم أمام جموع الطلاب.. ها أنتم هؤلاء يا أنبياء العصر الجديد تقدمون أنفسكم للناس في صورة الذبيح إسماعيل ثم حين يخالفكم مستضعف مثلكم الرأي تلبسون مسوح النمرود بن كنعان. إنّ مأساة المظلوم أن يصاب بمس الظالم طوعا أو كرها يقظة أم مناما وهو أمر يحدث حين يطول أمد الاستبداد بأية أمة فتصبح الأنفس المظلومة صوتا لظالميها أو سيفا على أهل الصلاح.. إنه ليحزنني أن أشهد في ساحات السجال الفكري بين أصحاب المذاهب المختلفة ومن ملكوا ناصية مراكز ثقافية أو مساجد أو هيئات تمثيلية نزعات الاستبداد وتحويل تجمعاتهم لجدران فصل ومضارب قبلية مسيجة وأحزمة أمنية الويل لمن يقترب من حماها, فترى اللاجئ السياسي أول من يمارس الطغيان الناعم يستوي في هذا من حلق لحيته ومن أطالها. في داخل كل منا فرعون كامن.. فمن أوتي حكمة بيمينه فيقول هاؤم ادفنوه ومن أوتي ضعفه بشماله فيقول أنعشوه.. ويزداد الأمر سوءا حين يتباكون على وسائل الإعلام الغربية عن غياب الحرية في أحايين كثيرة وسقوط قناع الدمقراطية حين يتعلق الأمر بالمساجد وحين تتأمل مسلكياتهم اتجاه بعضهم البعض فلا ترى سوى تكرار لمسلكيات الطغاة مع فارق هين أنه يتم بالعمامة والجبة... الطغيان هو الطغيان ولو تصور في ثوب الرهبان والحرية مطلب شرعي يتوافق مع فطرة الإنسان واية مخالفة للفطرة يكون مصير أصحابها جزاء الظالمين ومنقلبهم. في نهاية هذه المحطة الأولى إنّ التحرر يكمن في ثورة هادئة ناعمة على ذي الأوتاد في خلايا ذواتنا ونصرة موسى ومن معه في ثنايا أرواحنا... أنظر معي لقول الله جلّ وعلا (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) ما أعظم الله وما أبلغ كتابه وما أسعدنا بسيد الأحرار محمد بن عبد الله صلّى الله عليه وسلّم, من وحي هذه الأية الزكية...
سألقاكم في حلقة أخرى عن الإرهاب الفكري وحرب القرآن عليه.. إلى كل ذي نفس حرة.. أقدامنا في الأرض وقلوبنا في السماء.. مع خالص المحبة والتقدير.
تورينو 29-12-09
الأستاذ عبد الحق محمد الحبيب إكوديان