الشيخ راشد الغنوشي : شخصية سنة 2013
مع أفول نجم عام منقض ، وبزوغ بشائر عام جديد، تتسابق وسائل الإعلام في كل أنحاء المعمورة لاختيار شخصية السنة في شتى المجالات ، السياسي منها والرياضي والفني ? ولئن نحت بلادنا هذا المنحى منذ سنوات طويلة ، فإنها اقتصرت في هذه الاستفتاءات على المجالين الفني والرياضي لأنها لو ولجت مجال السياسة ماكان لها أن تفرز غير شخصية الزعيم المفدى ومنقذ البلاد والعباد ، رجل التحول المبارك
- 28 ديسمبر 2013
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
الشيخ راشد الغنوشي : شخصية سنة 2013
مع أفول نجم عام منقض ، و بزوغ بشائر عام جديد، تتسابق وسائل الإعلام في كل أنحاء المعمورة لاختيار شخصية السنة في شتى المجالات ، السياسي منها والرياضي والفني …
ولئن نحت بلادنا هذا المنحى منذ سنوات طويلة ، فإنها اقتصرت في هذه الاستفتاءات على المجالين الفني والرياضي لأنها لو ولجت مجال السياسة ماكان لها أن تفرز غير شخصية الزعيم المفدى ومنقذ البلاد والعباد ، رجل التحول المبارك .
وسنة 2013 ، التي تلملم أحداثها وشخوصها لتنصرف غير مأسوف عنها ، كانت حبلى بالأحداث السياسية الملتحفة جلها بالقتامة إن لم نقل في السواد ، وأريد لها أن تكون سنة اغتيال الربيع والأمل والتفاؤل في بلادنا ، غير أن العزائم الصادقة ، وأصحاب النفوس الكبار الذين لاتزال قلة منهم واقفة على ثغور الثورة ، أقدمت على حزمة من التوافقات ، والتنازلات المؤلمة لأجل عيون الوطن ، وأبناء الوطن ، ودماء شهداء رووا ثرى الرمل ذات شتاء تغازلنا ذكراه الثالثة هذه الأيام .
ودون مواربة ،ولامغالاة ، ولاانحياز ، أجد نفسي هذه العام خلافا لكل الأعوام التي مضت ، مرغما على ان أصدع بحقيقة ، وشهادة أمام الله ، والوطن والتاريخ ، دون أن أخشى في ذلك لومة لائم ، أو إنكار جاحد ، أو تضليل متحزب وهي ان شخصية سنة 2013 في بلدي لايمكن ان تكون غير : الشيخ راشد الغنوشي.
ولعل دواعي هذا الاختيار أكثر من أن تحصى ، فزعيم حركة النهضة تميز خلال السنة المنقضية بخطاب رصين ، وممارسة سياسية براغماتية ، وحس وطني ، لم يرق إليه أي واحد من اللاعبين السياسيين في البلاد ، إذ أنه ، وهو الرجل القوي ، وصاحب الكلمة الفصل في المشهد السياسي لم تعوزه الشجاعة ، ولاالضغوطات الحزبية ان يمضي في الخيار الصعب ، خيار التنازل عن الحكم وفق صيغة توافقية نادرة في التاريخ السياسي من أجل المصلحة الوطنية العليا لتونس ولإنجاح المسار الديمقراطي فيها .
وقد عبر بنفسه عن ذلك في تصريح نشرله خلال الأيام الأخيرة في ” القدس برس ” بالقول : “فالتداول عادة ما يتم عبر الانتخابات أو الانقلابات أو الثورات أو عبر سحب الثقة، وليس شيئا من ذلك تم في تونس، وإنما هو أسلوب جديد يتمثل في التوافق، وليس من اليسير أن يتفق أكثر من عشرين حزبا على هذا الأمر، وبالتالي تجاوز هذه العقبة أمر مهم جدا”.
وأضاف “نحن أعطينا الأولوية للمصلحة الوطنية العليا على مصلحة الحزب، ومصلحة الحزب لا يمكن إلا أن تندرج ضمن المصلحة العامة، والمصلحة العامة هي وضع قطار البلاد على سكة الديمقراطية والانتخابات، هذه السكة التي تعطلت بسبب ما حصل من اغتيالات وما تبعه من انسحاب نواب المعارضة من المجلس التأسيسي، واشترطت اشتراطات تعسفية أنها لن تعود إلى البرلمان إلى باستقالة الحكومة وربما أكثر من ذلك باستقالة المجلس التأسيسي نفسه”.
مثل هذا الخطاب ، الذي يكشف عن روح وطنية عالية ، وتضحية لايمكن أن يكون سوى خيارا صعبا ، مرّا، باهضا ، لايمكن أن يصدر إلا عن نفوس كبار ، وصدور رجال عظام لايمكن ان يجاريها فيه من اعتنقوا السب والشتم والتشكيك ، والرفض والكيد .
أذكر أنني منذ فترة طرحت على الشيخ راشد سؤالا حول نتائج الخطوات التي قطعها في اتجاه نداء تونس ، ورئيسه الباجي قائد السبسي ، متمثلة في لقاء باريس المفاجئ للساحة السياسية ، ولقائه التلفزي على قناة نسمة ، في تناقض تام العداء التاريخي والشعارات التي كان يرفعها انصار حزبه ، أجابني : ” يابني ، حسبي من مجمل تلك اللقاءات والتصريحات أنني أرسلت للساحة السياسية ، وأبناء وطني ، رسالة إيجابية أدخلت الطمأنينة في النفوس ، وبشرت بوطن يتسع للجميع ، وستؤتي هذه الرسائل أكلها ولو بعد حين ” وأصدقكم القول أن تلك الإجابة القصيرة لم تقنعني ولم ترق لي آنذاك ، إلا انني وبعد حصول بوادر توافقات هامة ، في انتظار استكمال ماتبقى من استحقاقات الحوار الوطني في المدى المنظور ، تأكد لي بعد نظر الشيخ ، ودوره المركزي في إيجاد الحلول والمخارج الآمنة للأزمة السياسية التي تعيشها البلاد .
الشيخ راشد الغنوشي الذي حاز منذ سنة رفقة الرئيس محمد المنصف المرزوقي على جائزة تشاتام هاوس السنوية التي تخصصها المؤسسة البريطانية لتكريم رجال الدولة و دعمهم للعلاقات الدولية بسبب دورهما في ترسيخ مبادئ حقوق الانسان وتجربة التعايش المشترك بين حزب إسلامي وآخرين علمانيين والانفتاح على الاخر و المساهمة الفاعلة في إنجاح الانتقال الديمقراطي لم يكن على امتداد السنة المنقضية إلا انموذجا للتسامح وعدم الانجرار وراء الردود المتسرعة المنتصرة للنفس إزاء طيف سياسي يضم من جملة مايضم فئة ممن يدّعون الرمزية لم يتركوا بابا من أبواب المحظورات السياسية والأخلاقية والقانونية إلا طرقوه ، طيف ممن احترفوا السب والشتم ، والتشكيك ، وكيل الاتهامات التي تقع تحت طائلة القانون لكن الشيخ لم يرد على أحد منهم ، بل أنه أعلن في حواره مع نسمة أنه سحب القضية الوحيدة التي نشرها المكتب القانوني لحزبه لتتبع ” رمز سياسي ” دعا دون تحفظ ، إلى إهدار دمه ، بل أنه أضاف ردا على مارفع في حقه من شعارات عدائية ، واتهامات جزافية : ” لقد تصدقت بعرضي على أبناء وطني” .
ولعل الأحداث والتفاصيل التي أثثت ساحة الوطن على امتداد السنة المنقضية والتي لايتسع المجال لتعدادها ، أكدت أن الشيخ راشد الغنوشي قد غادر منذ زمن بعيد جبة الزعيم الحزبي ، ليثبّت نفسه في المشهد السياسي زعيما وطنيا ، سيذكره التاريخ ولو بعد حين ، شاء من شاء وأبى من أبى وأن على غيره من السياسيين أن يكدحوا كدحا ، وأن يشتغلوا على صورهم وممارساتهم السياسية حتى يكونوا في مستوى من قال فيهم أبو الطيب المتنبي :
وإذا كانت النفوس كبارا **** تعبت في مرادها الأجسام
لطفي هرماسي