السياسيون العرب: أهدافهم متنوعة وقلوبهم شتى
صلاح الجورشي السياسيون أنواع أو أصناف، إنهم بالتأكيد، ومنذ أن وعى الإنسان بأهمية السياسة، لا تحركهم ذات الأهداف والدوافع، إذ لكل سياسي ظروفه الخاصة التي حولته إلى مشارك في هذه الحلبة، التي غالبا ما يكون محورها الوصول إلى السلطة أو المحافظة عليها أو السعي للتأثير فيها واستثمارها لصالح غرض شخصي أو عائلي/فئوي/قبلي/مجتمعي، أو غير ذلك من أشكال العصبية. من بين هذه الأصناف صنف شائع ارتبطت عنده السياسة بقيمة أو رؤية أيديولوجية، وغالبا ما يحصل هذا الأمر في مرحلة الشباب، حيث تشتد الرغبة في إحداث التغيير،
- 27 فبراير 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
صلاح الجورشي
السياسيون أنواع أو أصناف، إنهم بالتأكيد، ومنذ أن وعى الإنسان بأهمية السياسة، لا تحركهم ذات الأهداف والدوافع، إذ لكل سياسي ظروفه الخاصة التي حولته إلى مشارك في هذه الحلبة، التي غالبا ما يكون محورها الوصول إلى السلطة أو المحافظة عليها أو السعي للتأثير فيها واستثمارها لصالح غرض شخصي أو عائلي/فئوي/قبلي/مجتمعي، أو غير ذلك من أشكال العصبية.
من بين هذه الأصناف صنف شائع ارتبطت عنده السياسة بقيمة أو رؤية أيديولوجية، وغالبا ما يحصل هذا الأمر في مرحلة الشباب، حيث تشتد الرغبة في إحداث التغيير، نتيجة الإحساس الحاد بالظلم وعدم المساواة، ولهذا ترى الأحزاب والحركات السياسية تتوجه نحو الأوساط الطلابية والتجمعات الشبابية لتستقطب أفضل عناصرها، وتجدد بهم هياكلها وقدرتها على التجييش والتعبئة، لكن بقدر ما تقوم الأيديولوجيات بشحن أصحابها بقوة معنوية تجعلهم يُسقطون من قاموسهم كلمة المستحيل ومشتقاتها بفضل الحلم الذي تمنحهم إياه والقوالب النظرية الجميلة والبسيطة التي توفرها لهم، فإنها في المقابل تفرز نوعا من الغمامة التي قد تحول دون رؤية الواقع كما هو، أو توهمهم بأن تغييره بصفة جذرية أمر سهل وخاضع للإرادة فقط.
ليس في هذا القول رفض مطلق للفكر الأيديولوجي عموما، الذي له مزايا كثيرة رغم عيوبه وثغراته، لكن الخطر الأساسي يكمن في الأنساق الأيديولوجية المغلقة التي تجنح بأصحابها نحو التعصب للفكرة، إلى درجة نفي حق الآخرين في الوجود والتعبير، وهو ما من شأنه أن يهيئ الأرضية لممارسة أقصى درجات الاستبداد في حالة وصول هذا الصنف من السياسيين إلى دفة السلطة بأية طريقة كانت، عندها يغلقون كل المنافذ أمام خصومهم وأمام مجتمعاتهم، ويتورطون في تجارب وسياسات قد لا تبقي ولا تذر من مقومات الحياة السياسية المدنية، أما الذين لم تسعفهم وسائلهم وظروفهم للوصول إلى السلطة، فيصاب الكثير منهم بالتعثر ويكونون عرضة لإخفاقات متتالية بعضها شخصي وآخر حزبي، وقد ينتهي الأمر ببعض منهم إلى أسوأ الاحتمالات، بما في ذلك وضع إمكاناتهم وأحقادهم ومعلوماتهم تحت تصرف الأنظمة التي كانوا يحاربونها من قبل، مقابل موقع بأحد أجهزة الدولة أو فتات من الحياة الدنيا.
صنف آخر من السياسيين العرب اقترنت السياسة عندهم بالمنفعة، فنشاطهم السياسي يعلو أو يتراجع بقدر حجم المنافع المترتبة عن ذلك، وخلافا للصنف السابق، فإن هؤلاء لا يهتمون بعالم الأفكار والقيم، أو على الأقل لا يعطونها الأولوية عندما يقررون الانخراط في هذا الحزب أو ذاك، والمهم بالنسبة إليهم هو نوعية المكاسب التي سيحصلون عليها، ودرجة النفوذ الذي سيتمتعون به من وراء ذلك. قد لا يكون الانتفاع المالي هو الذي يحتل الدرجة الأولى في حساباتهم، بقدر ما يتصفون برغبة جامحة في أن يحكموا ويتحكموا في توجيه الآخرين وفي تحديد مصائر أوطانهم وشعوبهم، وخطورة هؤلاء في أن إيمانهم بالمصلحة العامة أو بعلوية الدولة والقانون ضعيف جدا، وهو ما يجعلهم يضعفون الدولة ومؤسساتها دون أن يشعروا بذلك، يأخذون منها أكثر مما يعطون، ويحولونها إلى مزرعة خاصة لا يسمحون بالدخول إليها إلا لمن يكون في خدمتهم.
الصنف الثالث والأخير من الساسة العرب هم الذين دخلوا إلى السياسة من باب المال أو من أجل الحصول عليه، ومن المفارقات أنه بقدر ما يحتاج العمل السياسي إلى المال، فإنه يتحول إلى مفسدة مطلقة إذا تحولت الوسيلة إلى غاية، وانشغل السياسيون بتكديس الثروات على حساب إقامة العدل وحماية مصالح الناس، وإذا كانت الرأسمالية في السياق التاريخي الغربي قد قامت بثورات في أوروبا وأميركا أدت إلى تحقيق التراكم السلعي والمالي مع الاحتفاظ بخصوصيات كل من القطاع الخاص والفضاء الحكومي، فإن الأثرياء العرب عموما بقوا يرون في الدولة حامية لهم، وداعمة لمشاريعهم سواء عند الأزمات أو في حالات النماء، وإذا كانت حالات استثراء البعض، بفضل وجوده في صلب أجهزة الدولة أو بحكم قربه من أصحاب النفوذ فيها، كثيرة وشائعة في كل الدول العربية تقريبا، فإن وجود بعض السياسيين الأثرياء على رأس مؤسسات حكومية حساسة، لم يجعلهم قادرين على التمييز بين مشاريعهم الخاصة ومشاريع الدولة، لهذا نصح أحد الحكام العرب أبناءه بعدم الجمع بين التجارة والمسؤوليات السياسية، لما في ذلك خراب للعمران.
خلاصة القول، أن السياسة في العالم العربي لا تتقدم كثيرا، لأن قسما مهما ممن يشتغل بها، سواء في الحكم أو المعارضة، لا يرون فيها أداة لخدمة الآخرين، بقدر ما يعتبرونها مجالا للصراع من أجل كسب النفوذ والمال وتحجيم المخالفين والمنافسين، أي الحكم من أجل الحكم، ولذلك قيل بأن "السائس يجري من المسوس مجرى ذي الظل من الظل، ومن المحال أن يستوي الظل وذو الظل أعوج، ولاستحالة أن يهتدي المسوس مع كون السائس ضالاً" ("الذريعة إلى مكارم الشريعة" للراغب الأصفهاني بتحقيق د. أبو اليزيد العجمي ص-92، 93 طبعة دار الوفاء. مصر).