نصوص
نشر بصحيفة الموقف
السجن...ساحة بين الموت و الحياة
الصحبي عتيق "قد يقتلعون الأزهار كلها لكنهم لن يمنعوا حلول الربيع" بابلونيرودا(شاعر من الشيلي) بعد تجربة مريرة في مختلف السجون التونسية و بعد متابعتي لهذا الملف المؤلم؛ ما زال عدد من أبناء النهضة و قياداتها يقبعون في السجون..وراء الأسوار العالية والأسلاك الشائكة و انظم إليهم عدد كبير من الشباب الإسلامي الذي حوكم بموجب قانون الإرهاب الجائر وما زالت معاناتهم متواصلة رغم طولها(17سنة) وما زالت المظلمة تلقي بقتامتها على المساجين و عائلاتهم.هؤلاء المساجين هم من خيرة ما أنجبت تونس...رجال عظماء..دوحات فا
- 4 مارس 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
0
الصحبي عتيق "قد يقتلعون الأزهار كلها لكنهم لن يمنعوا حلول الربيع" بابلونيرودا(شاعر من الشيلي) بعد تجربة مريرة في مختلف السجون التونسية و بعد متابعتي لهذا الملف المؤلم؛ ما زال عدد من أبناء النهضة و قياداتها يقبعون في السجون..وراء الأسوار العالية والأسلاك الشائكة و انظم إليهم عدد كبير من الشباب الإسلامي الذي حوكم بموجب قانون الإرهاب الجائر وما زالت معاناتهم متواصلة رغم طولها(17سنة) وما زالت المظلمة تلقي بقتامتها على المساجين و عائلاتهم.هؤلاء المساجين هم من خيرة ما أنجبت تونس...رجال عظماء..دوحات فارعة و هامات كبيرة من العلم و الأدب و الصبر يتقدمهم الأستاذ الجامعي الدكتور الصادق شورو و الأخ الفاضل عميد السجناء نجيب اللواتي والإخوة المرابطون بوراوي مخلوف ونورالدين العرباوي وعبد الكريم بعلوش و رضا البوكادي و البشير اللواتي وحسين الغضبان والشاذلي النقاش..هذا الشاب الذي كان يتأهب لخوض امتحان الباكالوريا ودخول الجامعة ليجد نفسه في أقبية السجون والزنزانات الموحشة محكوما بالمؤبد لتمارس عليه كل ضروب التنكيل مع إخوانه من حركة النهضة.. وما زالت عائلاتهم تنتظر بحرقة ساعة الإفراج لتطفئ ظمأ السنين العجاف ..آباء تركوا أولادهم رضعا أو في أرحام الأمهات و ما زالوا يتوقون إلى ضمهم إلى أحضانهم دون رقابة و بعيدا عن الحواجز و القضبان وأعين الرقباء..وبعيدا عن الزجاج الغليظ الذي يفصل بين السجناء و الزوار حيث يكون الحديث عبر هاتف مراقب يحصي عليهم أنفاسهم..إنها دولة المراقبة..مراقبة في الغرفة..تنصت في الزيارة و في الفسحة ثم مراقبة مستمرة بعد السجن الصغير..أهذه دولة القانون والمؤسسات أم دولة البوليس حيث يعمم الرعب ويطلق الاستبداد. السجن ساحة بين الموت والحياة . موت بطيء ..أمراض تنخر ما خلفه التعذيب والاعتقال على الطريقة العربية..عائلات تشردت وذاقت كل صنوف الحرمان في وطن لا يعرف الإنسانية إلا في مناسبات قليلة ينتظرها الناس في نشرات الأنباء ثم تخلع أثواب الزينة و الاستعراض بعد المناسبات أو عندما يغادر أعضاء لجنة الصليب الأحمر السجون،هكذا عشنا داخل السجن و أثناء المحاكمة. لقد مورست علينا أنواع من التشريد والتنكيل و التجهيل برياء مفرط يتخفى وراء بهرج من الشعارات الجميلة تقوم عليه وجوه كالحة لا علاقة لها بالإنسانية و الحق والعدل و الجمال محاطة بكل قذارة المرحلة من استبداد وصمت وتواطؤ وقسوة في التنفيذ. السجين في بلادي يعتصر من المعاناة بعض لحظات الفرح ويتحايل على الوجع أمام العائلة..يتحايل على الحقيقة المؤلمة حتى لا يزيد من ألم الأوفياء من ذويه و يخفف من إحساسهم المضني بالمرارة و القهر.السجن في بلادي تسوده علاقة إخضاع وامتهان لكرامة الإنسان وانتهاك لحقوقه الأساسية وعلى رأسها حريته التي تعبر عن أخص خصائصه كإنسان و التي جعلها الله من أعلى مقاصد الوحي و في أرقى سلم القيم إلى جانب قداسة حرمة الجسد الذي يتعرض إلى التعذيب إلى حد الموت(كمال المطماطي و عبد العزيز الخماسي...) إن التعامل الأمني مع ملف الإسلاميين و التضييق على ظاهرة التدين عموما لن يزيد الشباب إلا غلوا ولن يوقف السجن و لا التضييق خارجه الحقيقة والمد الإسلامي المتنامي في البلاد والعالم ولن يوقف احتكار الرأي ومحاصرة الكلمة و مصادرة الصحف(الموقف)جهود القوى الوطنية في البلاد في رسم ملامح الانتقال الديمقراطي. فلن تفتح صفحة جديدة من الإصلاح الديمقراطي إلا بتسوية ملف الإسلاميين من المساجين والمهجرين و المسرحين الذين يعانون من كل أنواع الرقابة و التضييق و الحرمان ولا يسمح للإعلام بالخوض فيه في ظل انغلاق سياسي وإقصاء أمني .إن قضية السجناء اليوم قضية وطنية وإن إنهاء كل أشكال التنكيل داخل السجون وخارجها هوالطريق نحو تعامل عقلاني ينهي مأساة الآلاف من العائلات ويعيد الحقوق السياسية والمدنية لأصحابها مع جبر أضرارهم والتعويض لهم.إن إطلاق سراح المساجين وسن عفو تشريعي عام هما المدخل الحقيقي لكل انفتاح سياسي في البلاد وهل يمكن اليوم الحديث عن ديمقراطية في تونس دون صيغة من صيغ تشريك الإسلاميين ؟وهل يمكن أن تتوفر مصداقية لأي تحول ديمقراطي في البلاد العربية دون الطرف الإسلامي ؟ والحال أن بلادنا مقبلة على انتخابات رئاسية وتشريعية فهل يمكن أن تكون نزيهة دون رد المظالم وإنهاء هذه المأساة التي شارفت عن العقدين.
نشر بصحيفة الموقف