الستار الذي لم يُفتح في برنامج " ُيُفتح الستار"
الستار الذي لم يُفتح في برنامج " ُيُفتح الستار" الدكتور محمد بن نصر المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، باريس بالرغم من أن الشاشة الصغيرة ذلك الجهاز الذي عادة ما يتربّع وسط المجلس لم يعد كما كان سيّد زمانه فقد زاحمته أجهزة أخرى أصبحت أكثر حضورا وأكثر تأثيرا لما توفّره من خيارات عدّة لمستخدميها حيث تسمح لهم في الوقت نفسه بالاستماع والمشاهدة وحتى الكتابة أحيانا وهو الأمر الذي جعل الغرف في البيت أو الشقة الواحدة عبارة عن عوالم منفصل بعضها عن بعض كل من فيها مرتبط بالشبكة العنكبوتية وفي نفس الوقت منقطع
- 2 أبريل 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
الستار الذي لم يُفتح في برنامج " ُيُفتح الستار"
الدكتور محمد بن نصر
المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، باريس
بالرغم من أن الشاشة الصغيرة ذلك الجهاز الذي عادة ما يتربّع وسط المجلس لم يعد كما كان سيّد زمانه فقد زاحمته أجهزة أخرى أصبحت أكثر حضورا وأكثر تأثيرا لما توفّره من خيارات عدّة لمستخدميها حيث تسمح لهم في الوقت نفسه بالاستماع والمشاهدة وحتى الكتابة أحيانا وهو الأمر الذي جعل الغرف في البيت أو الشقة الواحدة عبارة عن عوالم منفصل بعضها عن بعض كل من فيها مرتبط بالشبكة العنكبوتية وفي نفس الوقت منقطع عمن حوله وتلك لعمري مفارقة هذا الزمن فبقدر ما تطورت وسائل الاتصال بقدر ما ضعفت قيم التواصل. أضف إلى ذلك ما تسببت فيه النت عند الناشئة من أبنائنا من عدم القدرة على التركيز ومن عدم القدرة على التفكير الناقد لمضمون المادة التي يستهلكها قراءة واستماعا ومشاهدة، طبعا هذا لا ينفي أن لها خصال عديدة.
ولكن و بالرغم من تحديد مطّرد لدائرة تأثيرها فأن الشاشة الصغيرة مازالت تتمتّع بشرف القدرة على تجميع ما فرّقته الأجهزة الأخرى حيث يجتمع أمامها شمل العائلة من حين لآخر ولو في أوقات أضحت قصيرة ومتباعدة. من هنا يكون من الضروري أن تحظى هذه المواد الإعلامية والتربوية والترفيهية التي تُقدم لمختلف الفئات العمرية بقدر من التأمّل لفحص مضمونها وما يمكن أن يتركه من انطباعات وما يرسخه من قيم و سلوكيات. غالبا ما تبدأ محتشمة ثم تتحول لتصبح ظاهرة يصعب السيطرة عليها.
من البرامج التي تشُدُ انتباه المشاهد في القناة الوطنية التونسية، برنامج "عندي ما انقلك"، لا أدعي أني أملك أرقاما يُطمأن إليها عن عدد الذين يتابعون هذا البرنامج الذي أحسب انّه يتمتّع بشعبية كبيرة ولكن يكفي أن ننظر في حجم اللقطات الاشهارية وحرص الشركات الكبيرة على الترويج لمنتجاتها خلال دقائق معدودات تُشترى بلا بشك بأثمان خيالية بالإضافة إلى طول هذه الفترات الاشهارية سواء تلك التي تنطلق قبل بداية البرنامج مباشرة أو تلك التي تفصل بين فقراته. وتصل قمة المأساة الدرامية في ذلك التقاطع بين أوجاع العيال ومصالح رجال الأعمال وهو تطبيق عملي للمثل القائل مصائب قوم عند قوم فوائد. ذكرني ذلك ببائع الأجهزة الإلكترونية الذي كان يبدأ يومه بقراءة صفحة صدى المحاكم ومعدلات الطلاق، معتقدا أنه كلما زادت نسبة الطلاق زادت نسبة مبيعاته. فيفرح للمآسي ويحزن للأفراح.
لاشك أن هذا البرنامج قد أفلح ولو بشكل جزئي في الكشف عن المستور وعكس حالة من التوتر الاجتماعي والنفسي من خلال عرضه لتلك النماذج من التفكك الأسري و الانحلال القيمي، ولكن الملفت للنظر أن أغلب تلك الحالات التي تُعرض أو التي تقبل الظهور على الشاشة من الفئات الاجتماعية المُهمّشة والتي تنتمي في أغلبها للوسط الريفي أو لتلك الفئات التي دفعتها الظروف الاجتماعية إلى النزوح إلى المدينة بحثا عن أسباب العيش والاستقرار في تخومها ومعظم هؤلاء من أصحاب المستويات العلمية المتدنّية. من المعلوم أن مثل هذه المشكلات متفشّية وللأسف في كل الأوساط الإجتماعية فلماذا إذا هذا التركيز على هذه الفئات تحديدا؟ أيريد مهندسو البرنامج أن يقولوا أن هذه المشكلات عندما تحدث في الأوساط الراقية تُعد مظهرا من مظاهر الحداثة بينما عندما تتفشّى في الأوساط التي مازالت تحكمها بعض العادات والتقاليد تكون رمزا للتخلف؟ أم يريدون أن يقولوا أن الأوساط الراقية من حقّها أن تستمتع بمتابعة تفاصيل الحياة الشخصية لضعاف الحال ولكنّها تترفّع أن تظهر على الركع حفاظا على مكانتها الاجتماعية؟
ممّا يلفت للنظر أيضا أن عددا معتبر من النساء اللاتي يظهرن في هذا البرنامج يوحي مظهرهنّ الخارجي بأنّهن على قدر من التديّن في حين أن حضور هذه الفئة النسوية تحديدا في البرامج الأخرى يكاد يكون معدوما. فهل يريد المشرفون على البرنامج أن يقولوا أن التمسك بالدين لا دخل له في كبح هذه المشكلات أو في الحد منها، وأن المتديّنة مثلها مثل غيرها بل قد يكون من سبب شقائها وتعاستها فهمها غير المستنير لدينها. ليس معنى ذلك أن المتدينين لا يعانون من مثل هذه المشكلات ولكن التركيز عليهم يحمل أكثر من دلالة وأكثر من رسالة.
هناك فرق بين السعي إلى فهم الأسباب التي أدت لبروز هذه الظواهر الإجتماعية وتفهّم حال الذين كانوا من ضحاياها والبحث عن السبل التي تساعد على الحد منها وذلك بالتركيز على معرفة الأسباب الحقيقية لها وليس التركيز على الضحية في حالة انفعالية تأخذ بوجدان المشاهد وبين اعتبارها ظواهر تكاد تكون في حكم العادية فيغيب بذلك الخيط الفاصل بين المقبول وغير المقبول اجتماعيا وبين المشروع وغير المشروع دينيا. هذه القضايا المثارة بهذا الشكل الدرامي لا تعبّر عن حالات فردية وإنّما تعبّر عن مجتمع اهتزت فيه المعايير ووهنت فيه قوى المناعة فليس المطلوب ترسيخ روح السلبية عند الناس فيقع تسليط الضوء على ما هو كائن ويغُيّب بالكامل ما يجب أن يكون و صناعة نمط من الخطابات على منطق معكوس لخطب الجمعة المشحونة بالأفعال الآمرة مثل يجب عليك ولابدّ لك وينبغي عليك، حيث يغيب ما هو كائن ويحضر فقط ما يجب أن يكون وهكذا بين واجب معلق وواقع جاثم تتلاشى إرادة الخلاص وتتعمٌق روح السلبية عند الناس. وتصبح كل الحلول ممكنة بغض النظر عن مآلاتها السيئة على المستويين الفردي والجماعي.
إذا كان هذا النوع من البرامج يسهم بالفعل في تقديم حلول حقيقية لمثل هذه القضايا فلماذا تغيب المتابعة لهذه الحالات ولماذا لا يتم تقديم شهادات حيّة عن المصير الفعلي لها فلا معنى لفتح الستار إذا كان سيغلق مباشرة بعد الخروج من حالة الإثارة العابرة التي أحدثها. فلا يكون بعدها من نتيجة فعلية إلا ابتذال مثل هذه القضايا والتجرؤ على ما استقام من الأعراف والتقاليد وأقول ما استقام لأن هناك الكثير من العادات والتقاليد الموروثة في ثوب ديني أو الوافدة تحت مسمّيات الحداثة قد أسهمت بشكل حاد في هيمنة قيم السوق وفي تفكك الروابط الاجتماعية فلا فرق عندي بين ما اعوج منها وافدا كان أو موروثا.
اللجوء إلى الرأي العام عبر الوسائل المرئية لحل المشكلات الخاصة جدا يزيد في إضعاف الإطار الأسري والعائلي والمجتمعي الضيّق في الإسهام في حل هذه المشكلات بل حتى الأطر القضائية يصعب عليها المسك بخيط المشكلة بعد أن أصبحت معروضة على الملإ، فضلا على أن السعي إلى حلّها في أطرها المعهودة يجعل المعنيين بالأمر أكثر حرصا على التصالح وجبر ما انكسر طالما أن المشكلة مازالت في إطارها الضيق، ولكن عندما تصبح المسألة قيد النزاع معلومة لكل المشاهدين فلم يعد هناك ما يستدعي الستر أو ما يستوجب اتّقاء شح الأنفس للمحافظة عليه.
تلك هي جملة من الملاحظات التي أحسب أني سقتها بعين الناقد الحريص على حسن الأداء، آمل أن يجد فيها المنتج للبرنامج والمقدّم له والمشاهد وكذلك من تضطره ظروفه ليكون طرفا فيه ما يساعده على القيام بدوره على الوجه الأكمل ما استطاع إلى ذلك سبيلا.