نصوص

الربيع العربي.. عقدة في مسار تاريخي

لن يظهر روسو وفولتيير ولن تصنعهما دورات تدريبية كما يتوهم العلمانيون، ولن يظهر صلاح الدين كما يتوهم الإسلاميون. الواقع أن عصرنا هذا في حاجة إلى قيادات في كل ميدان، وليس إلى قائد فذّ في كل الميادين. نحتاج إلى أصناف معاصرة من القيادات عسكريا وسياسيا واجتماعيا وعلميا وفكريا، وهكذا، أي نحتاج إلى ارتفاع كل إنسان مرشح للقيادة إلى مستوى المهمة القيادية في الميدان الأقرب إليه معرفة ووعيا وواقعا. نعلم أن غالبية شعوبنا تنطلق في "صناعة الإنسان" من التأسي بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يجب أن ندرك استحالة ا

0
11 مارس 2014
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

لن يظهر روسو وفولتيير ولن تصنعهما دورات تدريبية كما يتوهم العلمانيون، ولن يظهر صلاح الدين كما يتوهم الإسلاميون. الواقع أن عصرنا هذا في حاجة إلى قيادات في كل ميدان، وليس إلى قائد فذّ في كل الميادين.

نحتاج إلى أصناف معاصرة من القيادات عسكريا وسياسيا واجتماعيا وعلميا وفكريا، وهكذا، أي نحتاج إلى ارتفاع كل إنسان مرشح للقيادة إلى مستوى المهمة القيادية في الميدان الأقرب إليه معرفة ووعيا وواقعا.

نعلم أن غالبية شعوبنا تنطلق في "صناعة الإنسان" من التأسي بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يجب أن ندرك استحالة التأسي عبر التقليد الشكلي، وأنه يتحقق بالقدرة على إبداع الوسيلة المناسبة في عصرنا وعالمنا لمواجهة ما نتعرض له، في مختلف الميادين، فهذا جوهر ما صنعه النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه عندما واجهوا ما تعرضوا له في عالمهم وعصرهم.

إن جوهر التأسي بالرعيل الأول هو الإبداع لا التقليد، أي القدرة الذاتية على التعامل الآن مع الظروف القائمة والطارئة الآن، المحلية والإقليمية والدولية، ولا يتحقق ذلك دون استيعاب العالم والعصر ووسائل العالم والعصر وحسن توظيفها، وإبداع ما تتطلب الحاجة إبداعه منها.

بدلا من ذلك نتشبث -نحن الجيل الذي تعايش مع حقبة ما قبل الثورات- بقيادتنا لجيل الشباب الذي صنع الثورات، وبتوجيهه وفق ما نشأنا عليه، ليقلدنا أو يمشي خلفنا.. إلى أين؟ وقد كان إقدامه على الثورة إبداعا تجاوزنا فتجاوز ما "ينقصه" في نظرنا وما نتوهّم أننا نمتلك ناصيته، ونريد أن يلتزم به. رغم علمنا أننا لم نصنع به ثورة لنفتح بوابة التغيير.

ليست الثورة مجرد ثورة على هيكل سلطة استبدادية إن سقطت تحقق المطلوب، بل هي ثورة على كل ما أدّى ويمكن أن يؤدّي مجددا إلى حالة استبداد وفساد وتجزئة وتخلّف وهيمنة أجنبية، أو التعايش معها.

لا ينبغي أيضا أن ننزلق -رغم الخصوصيات الوطنية- إلى فصل ما يجري في بلدان الربيع العربي عن بعضه بعضا، ولا عن قضية فلسطين المحورية، وإلا نرسّخ التجزئة التي ساهمت من قبل في ترسيخ التخلف والنكبات.

هذا الخطر قائم مع خطر أكبر يتمثل في صب الزيت على نيران النزاعات والفتن التي رعاها الاستبداد طويلا ونمّاها، فكأنما نثور على الاستبداد ونصنع على عينه ما يرجّح توالده في بنية هيكلية أخرى.

لقد انطلقت الثورات على أيدي من لم يربّهم أحد على مواجهة الأسلحة الفتاكة بالصدور العارية، فنشرت هتافات تحرير الإنسان الذي كرمه الله تعالى بحرية إرادته في الحياة الدنيا، ففتحت بوابة صناعة مستقبل آخر، من شروطه -بمعنى شروط استمرارية الربيع العربي- أن يضمحل ما صنعته وتصنعه غالبية الاتجاهات والتنظيمات والفئات المتعددة، وهي تواكب الحدث، كل بالبضاعة التي يحملها، من موروث عقود التجزئة والتخلف التي نشكو منها، مما يسري على العلمانيين والإسلاميين، على القوميين والليبراليين، على الحداثيين والسلفيين، وسواهم.

"
المسيرة التاريخية ماضية، بنا أو بغيرنا، فإن شئنا أن تكون بنا، فلا بد من تحرير الإرادة الذاتية من تشبث بموروث لا يفيد، وتقليد لا يعي، ومن زيغ يصنعه شطط لا يخفى ضرره
"

إذ لم تحرر الثورات هذه الاتجاهات والتنظيمات حتى الآن من "نفسها" وما نشأت عليه، وليس من الاستبداد والفساد والهيمنة الأجنبية فحسب، كيلا يختزل كل فريق انتصار الثورات بانتصاره هو على "الآخر"، والآخر -مثله- جزء من الذات الوطنية أو الثورية المشتركة.

يمكن الحديث كثيرا -بل والشتم عند من اعتاد على الشتيمة- دون جدوى بصدد ما يصنع انقلابيون أو متواطئون أو أصابع قوى إقليمية ودولية مضادة، إنما الحديث هنا عمّن ينتسب إلى الثورات عملا مباشرا أو دعما بمختلف أشكال الدعم، أن يحافظ على أمانة الثورات، وهي شعلتها الشعبية الأولى، كي يكون جزءا من القوة الثورية الكبيرة الضرورية لبناء المستقبل.

الثورة تريد "ترحيل" مسلسلات الانقلابات والتواطؤ والتبعيات، فلا مكان لها في مستقبل تصنعه الثورات، ولكن ماذا عن من يحمل مهمة هذا "الترحيل"؟

لهذا نتساءل بمرارة:
متى يتطوّر "الأقدمون" من العاملين سابقا، أو من القاعدين سابقا، وفق عنصر التغيير الجديد المطلوب، الجامع للقوى الشعبية في اتجاه هدف مشترك، ويتعلّمون من جيل صنع الثورات خارج نطاقهم، ليكفّوا عن متابعة طريقهم القديم، وعن الاستمرار في دفع الجيل الثائر دفعا إلى طرق متشعبة بالية، من شأنها أن تهدم ما بدأت الثورات في تشييده؟

المسيرة التاريخية ماضية، بنا أو بقوم آخرين، فإن شئنا أن تكون بنا، وأن نساهم في حلحلة عقدة المشهد الحالي ومتابعة الطريق، فلا بد لكل منا، فردا أو تنظيما، من تحرير إرادته الذاتية من تشبث بموروث لا يفيد، وتقليد لا يعي، ومن زيغ يصنعه شطط لا يخفى ضرره.

ولا بد كذلك من تحرير أسلوب عمله، من روتين قوالب متوارثة معتادة، لا مكان لها في ميدان مسار تغييري يشهد في كل يوم معطيات جديدة للعمل ويتطلب في كل يوم إبداعا في العطاء.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©