الدولة والعنف : مصباح شنيب
افتتاحية صحيفة الموقف التونسية مصباح شنيب - كلّما أمعنت السّلطة في تشديد قبضتها على المجتمع وتواترت الأخبار حاملة إلينا ما حصل من اعتداءات هنا وهناك في حقّ الإعلاميّين والنّشطاء الحقوقيّين والسّياسيّين إلاّ وقفز إلى أذهاننا "مفهوم الدّولة" من جهة ما لها وما عليها إزاء المواطنين. ولا ينفكّ هذا المفهوم يُسائلنا هل أخلصنا في تدبّره واستيعابه على الوجه المطلوب أم ترانا لم نفهمه أو فهمناه وألقينا به عرض الحائط ورحنا ننفّذ في الواقع تصوّرا آخر مغايرا؟ تلك هواجس لا تفتأ تقضّ مضاجعنا وتثير أسانا عند است
- 14 أبريل 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
افتتاحية صحيفة الموقف التونسية
مصباح شنيب - كلّما أمعنت السّلطة في تشديد قبضتها على المجتمع وتواترت الأخبار حاملة إلينا ما حصل من اعتداءات هنا وهناك في حقّ الإعلاميّين والنّشطاء الحقوقيّين والسّياسيّين إلاّ وقفز إلى أذهاننا "مفهوم الدّولة" من جهة ما لها وما عليها إزاء المواطنين.
ولا ينفكّ هذا المفهوم يُسائلنا هل أخلصنا في تدبّره واستيعابه على الوجه المطلوب أم ترانا لم نفهمه أو فهمناه وألقينا به عرض الحائط ورحنا ننفّذ في الواقع تصوّرا آخر مغايرا؟
تلك هواجس لا تفتأ تقضّ مضاجعنا وتثير أسانا عند استعراض المشهد العامّ وما يغشاه من تصرّفات وسلوكات تتضارب ومفهوم الدّولة كما استقرّ في فلسفة القانون وعرفته ساحات الفعل السّياسيّ في أشدّ الفترات قتامة.
كان هذا المفهوم قائما على الغلبة والقهر حتّى اعتقد الدّارسون أنّ التّاريخ السّياسيّ للبشريّة انعقدت أغلبُ فصوله على لحظات الاحتراب الدّاخلي والخارجي. بل استنتج المختصوّن أنّ ما راكمته الإنسانية من تقدّم ليس إلاّ سليل الحروب الّتي خاضتها الدّول دفاعا عن كيانها أو توسّعا في المجال الجيوسياسي.
والتبس لذلك مفهوم الدّولة بشخص الحاكم وفي هذا السّياق بالذّات يندرج القول الشّهير للويس XIV (الرّابع عشر): " أنا الدّولة والدّولة أنا".
غير أنّ البشريّة يفترض أن تكون تجاوزت هذا المفهوم بعد فلاسفة العقد الاجتماعيّ ومن تلاهم حيث أُرْسِيَ مفهوم "الدّولة" على مبدإ التّعاقد الّذي بمقتضاه يسمح المجتمعُ للدّولة "باحتكار العنف" مقابل حمايته وضمان أمنه. وشيئا فشيئا توسّع مفهوم الدّولة ليَسَعَ المجتمع بكلّ تعبيراته ومؤسّساته وأحزابه... وترتّب عن ذلك أن أصبح المجتمع جزءا من السّلطة لما ينهض به من أعباء عبر ممثّليه في تأطير المواطنين وإرشادهم والسّهر على سلامتهم.
وغدا المواطن المدافع عن نفسه ضدّ تجاوزات بعض الأطراف في الدّولة مدافعا عن الدّولة في معناها المتعاقد عليه والّذي احتكرت بموجبه العنف وانفردت بتدبيره. كما بات من غير الجائز في إطار هذا المفهوم إقدام جهة ما أو تيار سياسيّ أو فكريّ على استعمال أجهزة الدّولة لتصفية خصومه أو إقصائهم مهما كان الموقع الّذي يشغله صلب السّلطة ويرى بعض المشتغلين بهذا الموضوع أنّ الدّولة حين تنخرط في ممارسات منافية للقانون مثل إلحاق العقاب بالأشخاص أو الجماعات خارج القانون أو حظر ماهو مسموح به من أنشطة وتظاهرات إنّما تُمعن في تقويض معناها من الأصل.
ويَعْزُو البعض الآخر ما يُسجّل من اعتداءات وتضييقات تستهدف الأفراد بصفاتهم المختلفة إلى الحماس الزّائد الّذي تبديه بعض العناصر في السّلطة لصالح جهات دون أخرى. وينجم عن ذلك خدش صورة الدّولة الّتي تظهر في مقام الضّحيّة إزاء تجاوزات بعض أعوانها الّذين لا يستنكفون من تسخير أجهزة الدّولة في إطار ما يُسند إليهم من مهام لمصالحهم الشّخصيّة أو لمصالح جهات أخرى. قد ينشأ الاختلاف حول "المهام" المسندة إلى الدّولة في إطار "شرعنة العنف" الّذي به تكتسب عنصر القوّة الّذي يخوّل لها ضبط الأمن وإيقاف التّجاوز أيّا كان مصدره وحينها يُوكل الأمر إلى المؤسّسة القضائيّة الّتي تَبُتُّ في مثل هذه القضايا.
ولعلّ أسوأ ما يمكن أن يصيب "الدّولة" في الصّميم هو ما قد يعتري المجتمع من إحساس بالقيم جرّاء حجب حقوقه المكفولة بالقانون أو تحوّل الدّولة من ملاذ للمظلومين إلى جهاز يمارس الظّلم ويعتدي عبر أعوانه أو عبر جهات أخرى تطفو على سطح المجتمع في مسوح ميلوشيّة في أوقات الشدّة واللّحظات المشبوهة.
إنّ المجتمع صاحب المصلحة الأوّل في بقاء الدّولة قويّة منيعة حارسة لأمنه وضامنة لسلامته يتعيّن عليه أن يرفض العنف من الأساس سواء أَصَدَرَ عن الأفراد أو المجموعات أو الدّولة نفسها لأنّ العنف هو الدّاء وهو الدّود الّذي يظلّ ينخر أبنية الدّولة بفعل ما يستبدّ بالنّفس من أهواء وما يعميها من شهوات وهو أمر لا يجوز التّغافل عنه أو التّساهل فيه.
إنّ إطلاق يد الدّولة في تدبير العنف ينبغي أن يُحصّن بتدابير تحمي المجتمع من تغوّلها في مصادرة حقوقه أو إيكال أمره إلى السّفهاء الّذين لا يتعدّى فهمهم لمسائل كثيرة مستوى مصالحهم الضّيقة وشؤونهم الصّغيرة. بينما شأن المجتمعات والدّول يتطلّب علاجُه تشبّعا بمفاهيم العدل والتّسامح في ما لا ينعكس سلبا على المواطنين بذاك يطول عمر الدّول وبدونه يسري إليها الخراب و"الظلم مؤذن بخراب العمران". كما قال ابن خلدون