نصوص

الدم المسفوك في قرغيزيستان

Normal 0 21 false false false MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} عبد الباقي خليفة ما

0
25 يونيو 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

عبد الباقي خليفة

ما حدث في قرغيزيستان ،( 5،3 مليون نسمة )  يعقد اللسان ، ويشل التفكير، لا سيما وأنه يأتي بعد سلسلة من الصراعات ، وبرك الدماء القائمة في الصومال ، والعراق ، وأفغانستان ، وكشمير ، وغيرها من ديار الاسلام . وهي صراعات ناتجة عن خليط من المكر الخارجي والغباء الداخلي . فتسعينات الدم في الجزائر ، والتمرد الحوثي في اليمن ، والتمايز بين الصفوف في فلسطين ، من صنع الأعداء المتربصين بالأمة ، والذين لا يفتئون عن إشعال الفتن بين مكوناتها الاثنية ، والمذهبية ، والطائفية ، والأسرية ، والفكرية ، والحزبية . وما جرى في قرغيزيستان ، ( 69 في المائة قرغيز ، 8،1 في المائة روس ، 14،5 في المائة أزبك ) صنعه الأعداء العاملون على تفريق الأمة وتشتيتها وتشظيها ، للاجهاز عليها نهائيا وإفنائها . فالأعداء لا ينفكون  عن إضعاف الأمة ، وإلهائها في صراعات داخلية ، ليقولوا : انظروا ما يجري بين المسلمين ، وكيف يقتلون بعضهم بعضا ، وقتلى صراعاتهم أكثر من قتلاهم على يد الآخرين . وهي مغالطة تضاف إلى بقية المغالطات الأخرى ، فأياديهم أيضا ملوثة بهذه الدماء التي تسيل في صراعات بعض المسلمين فيما بينهم .

دور الأعداء في صراعات المسلمين : ففي الجزائر، ما كان للفتنة أن تطل برأسها لولا التدخل الفرنسي ، وتحريض الجيش على الانقلاب على صناديق الاقتراع . وفي العراق ما كان يحدث ما حدث لولا الغزو الأمريكي الغربي ، وكذلك الأمر في أفغانستان ، فقد استخدمت المساعدات كمدخل لاثارة الصراع بين الافغان في أعقاب الانسحاب الروسي ، ثم تقسيم الشعب الافغاني بين ( جيش حكومة ) و( متمردين ) في العدوان الذي بدأ سنة 2003 م ولا يزال مستمرا . وفي الصومال ، وبعد إن استتب الأمر لحكومة المجاهدين ، حرض الغرب أثيوبيا لغزو البلاد ، ومن ثم تقسيم الصوماليين بين محوري أسمرة ، أديس أبابا . ورأينا ما حدث في فلسطين المحتلة بعد فوز حماس عام 2006 م والمؤامرات التي حاكها دايتون /دحلان ، وأغرق عباس / فياض ، في وحل الألاعيب الصهيونية بموافقتهما ، في مسرحية مكشوفة . وهكذا الحال في بقية البؤرالدامية داخل سياج الأمة المنتهك .

ولا شك فإن ما حدث في قرغيزيستان جزء من هذه اللعبة ، والتي تهدف إلى زرع الأسافين بين الأمة ، إثنيات ، وطوائف ، ومذاهب ، وجماعات ، بل الأفراد ، وقد رأينا الكثير من هذا الصنيع الشيطاني ، الذي فرق بين الأخ وأخيه ، والصديق وصديقه ، وأبناء المسجد الواحد ، والمنطقة الواحدة . لكن كل ذلك لا يبرر ويصوغ حجم الجرائم التي يرتكبها البعض ممن فقد انسانيته قبل اسلامه . فمعروف أن الشعوب ، الاسلامية ، ولا سيما دول القوقاز ووسط آسيا قد تعرضت لعمليات غسيل دماغ فضيعة ، نسيت فيها مبادئ الاسلام ، ولم يعد يربط بعضها بعضا سوى رابطة النوع ( الدم )، كأي نوع من أنواع المخلوقات الأخرى ، ولذلك ترتكب الفضائع والجرائم بحق بعضها البعض على هذا الأساس بعد أن فقدت الرابط الايماني في سنوات الستار الحديدي . وقد بدا الرابط الايماني ضعيفا في حوادث أخرى ، وفي بلدان أخرى ، مقارنة بالاصطفاف العرقي والحزبي . وتعد أفغانستان ، نموذجا ، صارخا في هذا السياق ، رغم العنوان الاسلامي الواضح للجهاد الافغاني أثناء الاحتلال الروسي ، وفي الوقت الحاضر . بيد أن الايمان في أفغانستان أقوى منه في الجمهوريات ( المستقلة ) عن الاتحاد السوفياتي المنهار ، أي في القوقاز ، ووسط آسيا .

أهداف الأعداء من إثارة النعرات : إن الهدف من إثارة النعرات الطائفية بين أبناء الأمة ، يهدف لمنع وحدتها على أساس عقيدتها ، وعمليات تغيير المناهج ، واحلال نماذج أخرى للحكم والتعليم والثقافة ، جزء من هذا المسعى الشيطاني الذي بدأ مع الاحتلال الغربي لبلاد المسلمين في القرن التاسع عشر ، واستمر في مرحلة ما يعرف بالاحتلال غير المباشر ، والذي لا يزال مستمرا ، وهي توظيف أنظمة محلية لخدمة الأهداف الغربية في بلادنا .

 ولموقع قرغيزيستان الاستراتيجي ، فقد تم الاختيار عليها لاحداث ثلمة جديدة في وجه الأمة الذي حفرته المصائب والفتن وأدمت عينيه وأدمتعتها كثيرا  . فهي تقع في الجزء الشرقي من آسيا الوسطى ، وتحد من الشرق ، تركستان الشرقية ، ومن الشمال أزبكستان ، ومن الغرب والجنوب الغربي طاجيكستان ، وهي دول ذات غالبية مسلمة . والاختيار على الأزبك ليمثلوا وقود المحرقة الجديدة بحق المسلمين في المنطقة ، يهدف لقطع الروابط مع أوزبكستان ، وحتى لا يطلب القرغيزيستانيين المساعدة والدعم من أزبكستان يوما ما ، في حال قرروا التحرر من الهيمنة الروسية . ولذلك رفضت روسيا التدخل لوقف المجازر ، واكتفت بارسال تعزيزات إلى قاعدتها العسكرية في الجمهورية المنكوبة ، فهذا ما يهمها فقط . ويذكرنا هذا بحماية قوات الاحتلال الامريكي لوزارة النفط العراقية بينما كان العراقيون يتساقطون برصاص جنودها وشركات المرتزقة ، كبلاك واتر ، وغيرها .

واحتمال حصول تحرك في قرغيزيستان ، وارد ، حيث تسمح طبيعتها بشن حرب عصابات ناجحة ولسنوات مديدة بعتاد بسيط ، فثلاث أرباع مساحتها جبال ، مثل سلسلة جبال تيان شان ، وجبال " الآيسكي " في الجنوب ، والتي يبلغ ارتفاعها 7 آلاف متر . ورغم ذلك فإن المساحة المتبقية من البلاد تعد غنية بالثروات ، حيث تمر عبرها أنهار ، مثل نهر " نارين " و" نار " ونهر فرغانة ، صاحب الشهرة التاريخية في تاريخ الفتوح الاسلامية ، وتتشكل في قرغيزيستان ، مجموعة من البحيرات ، منها بحيرة " ايسيك كول " الجبلية التي بنيت على شواطئها منتجعات ومخيمات سياحية . وفي الحملات الاستدمارية التي قام بها أعداء الأمة ، قام الروس بالعدوان على المسلمين في قرغيزيستان ، سنة 1876 م وثار القرغيستانيين بدعم من إخوانهم الأزبك وغيرهم ، لكن وضعهم وحال البلاد الاسلامية في ذلك الحين لم يسعفهم كثيرا في رد العدو الصائل . كما لم يسعفهم حاليا في الاصلاح فيما بينهم . ولم يتغير الوضع بعد مجئ الشيوعيين للحكم في الكرملين سنة 1917 م فقاموا بضمها سنة 1924 م لما كان يسمى بالجمهورية الروسية الفيدرالية الاشتراكية ، وفي 5 ديسمبر 1936 م أصبحت الجمهورية القرغيزيستانية الاشتراكية السوفياتية . وقبل ذلك وفي سنة 1928 م غير الروس الحروف العربية باللاتينية ثم بالروسية سنة 1941 م . وفي 31 أغسطس 1991 م ( استقلت ) قرغيزيستان عن الاتحاد السوفياتي السابق ، لكنها ظلت تحت الهيمنة الروسية ولا يعرف متى يتحرر المسلمون من اللااسلامية التي تطبع حياة الكثير من المسلمين في العصر الحاضر ، ولا سيما الأنظمة الحاكمة .

حصاد البعد عن الاسلام : لقد كانت حصيلة الجنون الطائفي الموجه ، كما أكدت الكثير من المصادر ، منها صحيفة نيويورك تايمز ، فضيعة ، تجعل المرء يبكي على حال الأمة وما وصلت إليه ، حتى أن بعض أفرادها يفعلون بأنفسهم أكثر مما يطلب منهم الأعداء أو يريدونه بطرق مباشرة وغير مباشرة ، من خلال التحريض والايحاء . فهناك أكثرمن 200 قتيل ، ونحو نصف مليون مهجر ، وأشنع من ذلك أنباء قتل أطفال واغتصاب فتيات ، وسط تقارير تفيد بأن السلطات المحلية ولا سيما الجيش والشرطة متورطة في هذه المذبحة الفضيعة التي تجعل قلوب المؤمنين تقطر دما . بينما يعبر الأعداء عن فرحهم على طريقتهم الخاصة من خلال تكرار ، مقولة ما يفعله المسلمون ببعضهم البعض ، في حين أنهم ليسوا بعيدين عن تلك الجرائم ، فقد جردوا الكثير من المسلمين من اسلامهم وأحالوهم إلى هوام تنهش لحوم بعضها البعض . ولذلك لا يتحدثون عن وقف العنف فورا ، ومحاكمة الجهات المتسببة فيه ، وإنما يتحدثون عن إرسال الاغاثة كما صرحت بذلك وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون ، والكرملين ، وبكين وغيرها من الدول . بينما توقعت ( الامم المتحدة ) توسع النزاع ليشمل الدول المجاورة في آسيا الوسطى . وأكدت ( الامم المتحدة ) أنها ستحقق فيما كان العنف مدبرا ومخططا له ، كما ذكرت ذلك عدة مصادر .

ترى ما الذي بقي يربط الجناة المجرمون بالاسلام ، إن كانوا يقرون بذلك ، وإن كان المرء يستبعد أن يكون مسلما من يقوم بكل هذه المآسي بحق إخوان له في الدين ، فضلا عن الجوار والبعد الانساني . أو قل كيف يكون بشرا ، فضلا عن أن يكون مسلما . فالبعد عن الاسلام سواء من قبل طرف واحد أو من طرفين ، وراء كل المصائب التي حاقت بالمسلمين في تاريخهم .

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©