الخطر الكبير الذي يتهدد تونس ..
رغم أنّها عادة ما تميل إلى مقايضة مصالح الوطن الشاملة والاستراتيجيّة بمصالحها الضيقة إلا أنّه لم يكن بوسع الأنظمة الشموليّة حتى وإن توفّرت الرغبة والإرادة الصادقة وتخلّت عن بعض مصالحها الخاصّة للصالح العامّ أن تستكمل شروط السيادة الوطنيّة، لأنّ مراكز القوى العالميّة ومنذ مطلع الاستقلال دأبت على استعمال أسلحة خطيرة استنزفت بها البلدان الناشئة بشكل واسع
- 6 أغسطس 2013
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
نصرالدين السويلمي-
رغم أنّها عادة ما تميل إلى مقايضة مصالح الوطن الشاملة والاستراتيجيّة بمصالحها الضيقة إلا أنّه لم يكن بوسع الأنظمة الشموليّة حتى وإن توفّرت الرغبة والإرادة الصادقة وتخلّت عن بعض مصالحها الخاصّة للصالح العامّ أن تستكمل شروط السيادة الوطنيّة، لأنّ مراكز القوى العالميّة ومنذ مطلع الاستقلال دأبت على استعمال أسلحة خطيرة استنزفت بها البلدان الناشئة بشكل واسع وبشع، حيث لم تعتمد في معاملاتها مع الدول ذات الأنظمة المتسلّطة على مصالح الشعوب المتبادلة وإنّما اعتمدت على مصالح شعوبها مقابل تزكية أنظمة تستمد شرعيّتها من سياسة التغلّب والأمر الواقع والضربات الخاطفة والدبّابة والبوليس السياسي وأمن الدولة والبيان الأول ومجلس قيادة الثورة.
وعلى مدى عقود الاستقلال تنحّت مصالح الشعوب والصالح العامّ ومصلحة الوطن جانبا وارتشفت الدول الغربيّة من مقدرات بلداننا كل ما يخدم شعوبها مقابل الصمت على جرائم أنظمة الأمر الواقع وحكّام التغلّب، وللتمعش أكثر من دول القمع لجمت الأنظمة الغربيّة إعلامها ومؤسّساتها الرسميّة والمدنيّة وحالت دونها والتطرّق بجديّة إلى مسألة التداول السلمي على السلطة وأثنتها على التمادي في الحديث عن الحريات، وحتى يتسنّى لها التوسّع في القمع وحجب الحقوق السياسيّة عن الشعب تفنّنت النظم القمعيّة المتتابعة على تونس في استرضاء الدول الغربيّة واشترت صمتها وصمت مؤسّساتها وإعلامها مقابل أثمان موجعة اكتشف التونسيّون بعد الثورة بعضها وستفصح المراحل القادمة التي سيتمكّن فيها الشعب من مؤسّساته ويملك قراره على بشاعة ما قدّمته تلك الأنظمة المسكونة بمعادلة “أنا والطوفان من بعدي”.
واليوم وبعد ثورات الربيع العربي يسعى البعض في تونس مثلما الأمر في مصر وليبيا إلى إنشاء نوعيّة من الأنظمة ليست قابلة للابتزاز والاستعمال فحسب وإنّما جاهزة لاستقبال الاستعمار والإفساح له وتمكينه من البلاد بلا مقاومة وعن طيب خواطر الأغبياء، وإن كانت سيادة بلادنا قد عاشت منهكة عليلة تئن تحت طائلة الابتزاز والمقايضات المبيدة لأنّ النظام السابق بطبعتيه كان يرفض استقبال التجربة الديمقراطيّة ويثور من مجرد الحديث عن التداول السلمي على السلطة، ثم وإن كان نظام الحزب الواحد قد جاء بانقلاب على نظام مشابه في صراع ثنائي ليس للشعب يد فيه، ورأينا نتيجة لذلك نسبة الشروخ العميقة التي أصابت سيادتنا الوطنيّة ومصالحنا في العمق، إذا كان ذلك كذلك فما بالك بالثمن الذي سيقدّمه النظام الموعود الذي أفشل الثورة وأجهض عملية الانتقال الديمقراطي واستعمل مخلفات الدكتاتور بن علي للانقلاب على الشرعيّة، نظام من المتوقع أن تقوده مجموعة كانت قد فشلت فشلا ذريعا في انتخابات ديمقراطيّة شفافة ونزيهة، علينا جميعا أن نتخيل هشاشة النظام الذي سيجهض بالدم ثورة شعب أنجزها بالدم ويجهز على الديمقراطيّة الناشئة ويئدها وليدة ..
إذا كان النظام الذي رفض الديمقراطيّة وتجاهل الاحتكام إلى الشعب قد دفع مقابل ذلك التنازل عن مصالح البلاد فبالأكيد أنّ النظام الذي انقلب على الديمقراطيّة بعد إذ جاءت وانتزع السيادة من الشعب سيتنازل عن البلاد كلها.
إذا فعلها السفهاء واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، ترقبوا ساعتها جحافل القبعات الزرقاء التي ستجوب شوارعنا واستعدوا لأوامر سياديّة لا تصدر من القصبة وقرطاج وباردو وإنّما من بروكسل وستراسبورغ، ولا تذهلوا من تلك المكاتب الفخمة ذات الواجهات السميكة أنّها مكاتب الآف بي آي حطّت رحالها .
يجب أن نعي جميعا أنّنا نعيش عولمة المصالح والجشع المفرط وأنّه حتى نصمد في هذا الفضاء المتدافع ونتحسّس طريقنا مثل بقيّة الدول علينا أن نتقدّم إلى محيطنا القريب والبعيد بنظام ديمقراطي توافيقي متماسك، نظام سليل الصناديق والانتخابات الشفافة وعلينا أن نتسلّح بحسّ وطني راقي يُغَلّب العامّ على الخاصّ، ثم نجتهد ما استطعنا لننتزع مكانا لنا في هذا العالم المتدافع، أمّا أن نقدّم أنفسنا إلى عالم تقوده دول متغوّلة أقرب في طبعها إلى القروش الفتّاكة، دول اختزلت الإنسانيّة في رفاهيّة شعوبها ثم من بعدها الدمار، نقدّم أنفسنا لهذا العالم بسلطة تستمد شرعيّتها من الانقلاب، رأس مالها ميليشيا نقابيّة وإعلام يقف على بركة من المال الفاسد ورجال أعمال أرصدتهم سوداء قاتمة وملفاتهم محفوظة في رفوف المؤسّسات والمحاكم والمنظّمات الغربيّة وساسة يعانون من الزهايمر الأيديولوجي، إذا أحبطت الثورة ودمّرت التجربة الديمقراطيّة وخرجنا على العالم بهذا الكوكتال النشاز، حينها وحدهم المجانين سيتحدثون عن مصطلح السيادة الوطنيّة، لأنّنا ساعتها سنبدأ من الصفر في البحث عن أبجديّات الوطن والمواطنة