?الخرافة الجميلة? و أدب الثورات المغمور
ستلعن دماء الشهداء طيلة عقود من الفساد و الإستبداد لا فقط الأنظمة التي تمثل شعوبها بل و جزء من "المماليك" الذين ظلّوا حتى بعد إنهيار أنظمة يدينون لها بالولاء متمسكين بالتنكر لمن حرّروا المجال العام و نقلوا جغرافيات الرعب و الخوف من نفوس المحكومين إلى نفوس الحكام و قد يبدو ذلك مفهوما في سياق تشبث كلّ طرف بمصالح إذ بين مصالح من يتوقون إلى قيم الحرية و العدل
- 13 مايو 2015
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
ستلعن دماء الشهداء طيلة عقود من الفساد و الإستبداد لا فقط الأنظمة التي تمثل شعوبها بل و جزء من "المماليك" الذين ظلّوا حتى بعد إنهيار أنظمة يدينون لها بالولاء متمسكين بالتنكر لمن حرّروا المجال العام و نقلوا جغرافيات الرعب و الخوف من نفوس المحكومين إلى نفوس الحكام و قد يبدو ذلك مفهوما في سياق تشبث كلّ طرف بمصالح إذ بين مصالح من يتوقون إلى قيم الحرية و العدل و الكرامة و من يسعون إلى الحفاظ على مصالح فروقات شاسعة لكن كليهما يسعى حتما للبقاء.
الثورة أو هذه "الخرافة الجميلة" التي هي بصدد الكتابة مازالت تراوح مستوى الفكرة و ينقصها الفكر كثيرا و حتى الممارسة، و تسميتها بالخرافة في هذا السياق لا يعني الإهانة بل لما تحمله "الخرافة" من معاني و تأثيرات في المخيال الشعبي عند شعوبنا التي تتعلّق في الغالب بأشياء يريدونها فوق الخيال كما الشأن في علاقة بعضهم بالثورة و هي جميلة من حيث أنها ترفع سقف مطالب الشعوب إلى أقصاه فتنال ما تصبو إليه و لكن دون أن تغادر ميادين المشاركة و التأثير و المراقبة و صناعة القرار و هذا من بين ما ساهم تاريخيا في نجاح ثورات سابقة رغم الإختلافات بينها و بين الثورة التونسية.
الإستثناء الحقيقي في هذه "الخرافة الجميلة" يكمن تحديدا في أن "الطابع اللارأسي للثورة، أي قيام الثورة وتحققها دونما حاجة إلى زعيم يقودها هو نقلة كوبرنيكية ليست مجرد نقلة رمزية فالمشاعر السياسية للعرب ظلت ولعقود مرتبطة بالزعيم الكاريزمي الذي يضحي الناس من أجله بالروح والدم....لقد دفنت الثورات العربية "صاحب الساعة" ومعه منطقه المانوي إما أنا أو الفوضى، أو: إما أنا أو الإرهابيين و توضح للعالم من خلال هذه الثورات أن الديكتاتورية هي المسؤولة المباشرة عن الفوضى والعنف والتطرف الديني...." حسب توصيف المفكر الفرنسي جان بيير فيليو في كتابه "الثورة العربية، عشرة دروس عن الانتفاضة الديمقراطية" و هو توصيف لا يبتعد كثيرا عن ما يورده فلاسفة و مفكرون آخرون كتبوا في ثورة الحرية و الكرامة ما لم تكتبه أقلام تونسيّة و عربيّة حسب تعبير البعض.
ما لا يعلمه من ينتظرون أدب الثورة في تونس و في الدول التي إنتفضت شعوبها على أنظمة الفساد و الإستبداد و التبعية و التطبيع أنّ هناك فروقا كبيرة بين من ينظر إلى الأحداث من الخارج فيكون مجبرا على إجراء مقارنات بين مسارات مختلفة في تونس و مصر و ليبيا و اليمن و سوريا و من ينظر إليها من الداخل و هو مرتبط إرتباطا وثيقا بالمشترك الذي جمّع أصحاب المصلحة من الثورة في الشوارع و الساحات و بقي يلازم مكانه على الجدران شعارات و لوحات بمدلولات مختلفة و ما حدث في الأربع سنوات الأخيرة أن طغمة السياسي قد طغت على المشهد فغاب حضور المثقف الذي يبدو مستبعدا من الإعلام و من المجال الرسمي رغم أن المجال الشعبي يحتضنه و يقدّر الإختلافات معه فأنتج أدب الثورة هذه المرّة في إتجاهين و هي حالة فريدة من نوعها الإتجاه الأول هو جدران الساحات و الشوارع و الإتجاه الثاني هو الفضاء السبراني الإفتراضي الذي كسر كلّ حواجز الخوف و الرعب و صد كل محاولات التزييف و الشد إلى الوراء معوضا الإعلام الذي بدا منقسما إلى شقين معاد للثورة و آخر لا يمتلك القدرة على إيصال صوته و هو في بعض الأحيان فاقد للجرأة و الشجاعة في تقديم البدائل من القراءات و الرؤى.
ليس صحيحا أن الثورة التونسية لم تنتج أدبها بل أن وسائل إظهارها و تثمينه و إبرازه هي التي غابت لأسباب مختلفة لعلّ لعبة "أدوار السياسة المتبادلة" سببا بارزا من ضمنها و لكن تبقى "الخرافة الجميلة" تتخمّر فالشعوب لا تنال في الغالب إلاّ على قدر تضحياتها.
المجد للشهداء، الوفاء للثورة.
الصغير شامخ