الحقّ في التعبير بين الحرية والرقابة
العجمي الوريمي 2010-03-02 كما يُدرب الطفل على المشي يُدرب على الكلام، وهو يتعلم قواعد اللغة ومعها قواعد السلوك داخل الأسرة والجماعة يُدرك أن له مساحة واسعة إن لم نقل غير محدودة للمبادرة والتعبير ضمن نفس القواعد، فهي كدرجات السلم أو مسارب الطريق إلى هدفه قد يقفز عليها أو يختصر بعضها أو يشق طرقا جديدة، ولكنها تبقى سبيله إلى الهدف لا تمنعه صرامتها وصلابتها وجُمودها من الإبداع ليس لعبا بالكلمات وإنما إنشاء للمعنى. يقول دريدا إن المعنى قبل أن يسكن الكلام لم يكن له محل أو مكان. حرية التعبير هي نوع من
- 2 مارس 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
العجمي الوريمي
2010-03-02
كما يُدرب الطفل على المشي يُدرب على الكلام، وهو يتعلم قواعد اللغة ومعها قواعد السلوك داخل الأسرة والجماعة يُدرك أن له مساحة واسعة إن لم نقل غير محدودة للمبادرة والتعبير ضمن نفس القواعد، فهي كدرجات السلم أو مسارب الطريق إلى هدفه قد يقفز عليها أو يختصر بعضها أو يشق طرقا جديدة، ولكنها تبقى سبيله إلى الهدف لا تمنعه صرامتها وصلابتها وجُمودها من الإبداع ليس لعبا بالكلمات وإنما إنشاء للمعنى. يقول دريدا إن المعنى قبل أن يسكن الكلام لم يكن له محل أو مكان.
حرية التعبير هي نوع من التفكير بصوت مسموع، وخنق هذا الصوت قد يؤدي إلى موت الفكر وأزمة الذات وتقهقر الجماعة، فالشخصية التي تتقبل النقد وتمارسه شخصية منطلقة ذات حظ عظيم.
ابتكرت الدولة الحديثة أساليب شتى للمراقبة ولفرض الحصار على الفرد، وامتلكت القدرة على صنع الأغلبية الصامتة وإنتاج من ينوب عنها في الكلام رغم أنه لا يعبر عنها ولا يمثلها.
إن الإعلام قاطرة التغيير أو إحدى أدوات القمع الأيديولوجي، وهو إذا لم يرد صورة المجتمع إلى نفسه ليتأملها باعتباره مرآة عاكسة له، حمل إليه الصورة التي تريد أن تصنعها عن نفسها السلطة الحاكمة. وقد جاءت العولمة لتفرض نظاما إعلاميا عالميا جديدا تعضده وتتهدده ثورة اتصالية غير مسبوقة فتحت الأبواب مشرعة للهيمنة الثقافية والترويج لصيغة حضارية نمطية عاتية في حركيتها وفي وحدة اتجاهها، ولكن لأن الحرية أحد شعاراتها وأدواتها وتحت لافتتها أعلنت نهاية التاريخ، فقد أنتجت شروط التعبير والإبداع للثقافات المضادة التي أخذت مكانها في المشهد الثقافي والإعلامي العولمي كثقافات متنوعة متجذرة في هويتها الخصوصية متطلعة إلى كونية مشروعة، ليست حكرا على أحد بل إنها حينما التبس الكوني بالعولمي تطلعت إلى ما هو أبعد من الكوني. مضى زمن كانت فيه وسائل الإعلام محتكَرة من طرف الدولة مملوكة لها وحدها، والمشتغلون فيها هم موظفون عندها، تتحكم في المعلومة، إذ هي التي تمنع أو تسمح ببلوغ مصدرها أو تكييفها وفق ما تشاء وما تقتضيه مصالحها. وقد تطور إعلام العديد من الدول ليصبح إعلاما تعدديا، إما بحكم أن النظام السياسي ديمقراطي وتعددي أو لأن الثورة الاتصالية قلصت من القدرة على فرض الرقابة الشاملة ومنع الوصول إلى الحقيقة، بل وفّرت فرصا حقيقية للمقموعين في أوطانهم للظهور على منابر الفضائيات لإسماع صوتهم وإبلاغ مضمون خطابهم إلى الناس أينما كانوا، فتوفر مع اللجوء السياسي للمبعدين والمهجرين نوع من اللجوء الإعلامي مكنهم من تبديد الصورة المروجة عنهم بقوة الدولة التي يعارضونها، وإيصال صورة عن حقيقة أنفسهم كما يرونها ويريدونها، ولم يعد هناك من معنى للفصل بين إعلام محلي وغير محلي ما دام البث الفضائي الإذاعي والتلفزي تنقله الأقمار الاصطناعية ليدخل كل بيت دون تأشيرة، كما وفّرت المواقع الاجتماعية على شبكة الإنترنت مساحات افتراضية بحجم أسماء البشر ولغاتهم وألوانهم ومعتقداتهم وميولاتهم، فمنحت انتماء لمن استحال عليه الانتماء، ومواطنة عالمية أو فئوية بلا كلفة ولا تبعة لمن حُرم حق المواطنة الفعلية أو أراد أن يجمع إلى المواطنة السياسية مواطنة افتراضية يمارسها متى شاء ويتحلل منها عندما يريد.
أذكر أن سياسيا مخضرما كان يتزعم حزبا من أحزاب المعارضة القانونية في بلد عربي ويمثله في البرلمان، اشتكى سياسة بلده الإعلامية التي لا يزال فيها الإعلام خاضعا لتدخل السلطة ولهيمنة الحزب الحاكم، فالنائب المحترم وأمثاله من السياسيين الذين يساندون الحكومة مساندة نقدية ويعارضونها معارضة بناءة يتحفظون بمقتضى تمشيهم السياسي ذاك ويمتنعون عن إجراء الحوارات والإدلاء بالتصريحات للصحف والإذاعات العالمية أو الظهور في الفضائيات الأجنبية والمستقلة والمناوئة، رغم أنها تتوجه إليهم مرارا وتكرارا طلبا للمشاركة. وفي مقابل ذلك توصد دونهم القنوات الرسمية ولا تلتفت إليهم إلا عند الحاجة وبقدر الضرورة. إن مشاعر التذمر والإحباط التي عبر عنها النائب البرلماني المعارض تعكس الفجوة بين واقع الإعلام في بعض البلدان العربية، وبين ما يطمح إليه أكثر المعارضين اعتدالا الذين هم في الحقيقة شركاء للحكومات ضد معارضيها الحقيقيين الذين لم يُمنعوا فقط من التعبير بل مُنعوا من أدنى مشاركة وزُجّ بغالبهم في السجون وأُلجئوا إلى المنافي ليهاجروا فيها بحثا عن الأمن والحرية، مفضلين الغربة والبعد عن الأوطان في انتظار توفر شروط الوئام الوطني المفقود وطي صفحة الإقصاء الأليمة.
لقد شهد واقع الإعلام خلال العقد الأخير ثورة حقيقية ونقلة نوعية جعلتنا نشاهد في نفس النشرة الإخبارية ضمن العناوين الرئيسية رئيس الولايات المتحدة الأميركية وزعيم تنظيم القاعدة عدوها الألد، ودون أن يكون في الرسالة الإعلامية دعاية مباشرة لسياسة أميركا أو لخطاب عدوها، فإن ظهور الطرفين حاجة إعلامية حقيقية للمشاهد أينما كان، إذ لا يستطيع مع حجبها إحسان الاختيار أو التأثير في السياسة الدولية إن كان له تأثير. إن الرسالة الإعلامية تأتي أحيانا مشفرة أو تحيد عن مقصودها أو تخفي حقيقة أو تساهم في كشف سر وقد تؤثر على مجرى القضاء في قضية ما أو في المستقبل السياسي لحزب أو زعيم ما. وككل سلطة، فالإعلام يمكن أن يعادل سلطة أخرى أو يخضع لها أو يهيمن عليها، ولكنه يبقى من ضرورات حياة البشر -أي من ضرورات السلام العالمي والوئام المدني- حتى وإن استخدمته الدول والجيوش لتبرير الحروب وإذكائها وتحقيق التغلب إحقاقا لحق أو إنفاذا لعدوان. وكلنا يذكر تلك القصة الرائعة، قصة الملك سليمان مع الهدهد حامل الأنباء، وما أفضت إليه من إقامة علاقة تضامن وتعاون بين مملكتين وشعبين كان يمكن أن يؤدي اختلاف العقيدة والنظام السياسي والمصالح الجيوستراتيجية بينهما إلى حرب تزرع البغضاء وتديمها وربما لا تبقي ولا تذر. بقي أن نتساءل: هل حرية الإعلام غير محدودة أم أن من مقتضيات استمرارها ورسوخها وتطورها ما يمكن أن ينشأ من جدل خفي بين إرادة الحرية وبعض القيود والضوابط التي تلابسها، ومنها ما يُسمى الرقابة الذاتية من قبيل ما يُلزم به نفسه كل من الإعلامي والمثقف والمفكر والسياسي باحترام المسموح والمحظور تقليدا أو عرفا أو ظرفا، دون أن يكون ذلك مناقضا لضميره ولما يعتقد، وأملا في توسيع مساحة المسموح به وتقليص مساحة المحظور، فليس في الأمر تنازل عن الحق في التعبير أو تبرير لدور الرقابة التي يعتبر وجودها دليل أزمة ومظهر قصور، وإنما مراعاة لحاجة الرأي العام إلى أن يسمع خطابا ظل ضحية الإقصاء والمصادرة، لا يمنعه من أن يأخذ مكانه بين الخطابات إلا جملة اعتراضية لا يؤثر حذفها على مجمل الرسالة، فآلاف الأشرطة السينمائية الأميركية والأوروبية والهندية.. تملأ شاشات قنوات الأفلام العربية، لم يُحذف منها إلا بعض المشاهد القليلة، وهي تُبث على مدار الساعة بلغاتها الأصلية وموسيقاها التصويرية مع أسطر في الأسفل بالعربية تترجم حوار الممثلين. إن الثقافة الغربية تدخل ليلا نهارا بيوتنا بكلفة حذف لقطة أو مشهد وسطر أسفل الشاشة.. فهل هذه رقابة؟ قال أحد المخرجين التونسيين: أنا لست ضد الرقابة إذا كان حذف دقيقة من شريط مطول يمنحه تأشيرة الدخول إلى التلفزة الوطنية. هي بالتأكيد براغماتية يرفضها الكثيرون ولكنها قد تكون خروجا وإفلاتا من الرقابة من أحد أبوابها السرية. ولعل جوهر المشكلة لا يكمن في المشهد المحذوف بل في مقص الرقيب، وأبعد من ذلك وأهم منه أن الصورة المحذوفة أعدت في الأصل لشاشة أخرى غير الشاشة العربية وبشروط المنتج الأجنبي وبتنازلات من المخرج العربي لا يمكن أن تُحمل بأي حال على البراغماتية وعلى الإبداع.
قد يؤول زمن الرقابة إلى زوال، ولكن فصول قصة المنتج الأجنبي والمخرج العربي لم تنته بعد، وهذه مسألة أخرى..