نصوص

الحركة الاسلامية على مفترق طرق

عبدالباقي خليفة تمرالحركة الاسلامية بمرحلة مصيرية في تاريخها وتاريخ الأمة ، تواجه فيها تحديات كثيرة على مستوى التنظيم ، وعلى مستوى العلاقات الداخلية ، ومسألة التأطير ، والتكوين . كما تواجه تحديات الطائفية والحزبية ، وتضارب التخصصات . إضافة للعلاقة مع الأنظمة ، والأحزاب ، والمنظمات المحلية ، والاقليمية ، والدولية . وإن حسم بعضها الموقف من الديمقراطية والفن والمرأة . بيد أن ذلك لا يزال لدى البعض أو ظل مشروعا بدون برامج في أغلب الأحيان . وإن كان من السهل تفهم ذلك من خلال الظروف التي مرت وتمر بها بع

0
19 ديسمبر 2009
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة
عبدالباقي خليفة 

تمرالحركة الاسلامية بمرحلة مصيرية في تاريخها وتاريخ الأمة ، تواجه فيها تحديات كثيرة على مستوى التنظيم ، وعلى مستوى العلاقات الداخلية ، ومسألة التأطير ، والتكوين . كما تواجه تحديات الطائفية والحزبية ، وتضارب التخصصات . إضافة للعلاقة مع الأنظمة ، والأحزاب ، والمنظمات المحلية ، والاقليمية ، والدولية . وإن حسم بعضها الموقف من الديمقراطية والفن والمرأة . بيد أن ذلك لا يزال لدى البعض أو ظل  مشروعا بدون برامج في أغلب الأحيان . وإن كان من السهل تفهم ذلك من خلال الظروف التي مرت وتمر بها بعض الحركات ، إلا أنه يظل سؤالا كبيرا فيما يتعلق بحركات أخرى .

سؤال الأدب : لقد كان الدافع لكتابة هذه السطور ، سؤال الأدب في برامج الحركة الاسلامية وأدبياتها . لقد كتب الاسلاميون في السياسة ، والاقتصاد ، والاعجاز العلمي في القرآن . وقطعوا شوطا كبيرا في توضيح برامجهم السياسية ، وموقفهم من الديمقراطية ، ومن قضية حقوق الانسان ، وانتصروا لقيم العصر وأفكاره ، من منطلق اسلامي . وكتبوا في ذلك المجلدات ، وليس الكراريس . وعلى الصعيد التطبيقي نجحوا في أكثر من بلد ، وحققوا الكثير من المشاريع . لا سيما على المستوى الاقتصادي ، وكسب معركة الثقافة والهوية . كما بدأوا يحققون النجاحات الاعلامية في ظل ثورة الاتصالات ، وما يمكن تسميته بالانفجارالمعرفي على الصعيد الاعلامي ، فهناك فضائيات اسلامية ، وصحف ومجلات اسلامية ، ومواقع وشبكات على الانترنت . واستطاع الصحافيون الاسلاميون إثبات حضورهم حتى في وسائل الاعلام الأخرى ، ككتاب ومراسلين ومقدمي برامج . غير أن هذا النجاح في الميدان التطبيقي والفكري والاعلامي ، لم يوازيه في الحيز العربي ، نجاح كبير في مجال الأدب والفن ، مثل القصة القصيرة ، والرواية ، والسينما والمسرح .. نعم هناك كم هائل من الشعر الاسلامي ، والشعراء الاسلاميين الذين لم تعرف بهم وسائل الاعلام الاسلامية ( قبل غيرها ) كما ينبغي . وهم شعراء فطاحل من الطراز الأول . أما في مجال الرواية والقصة القصيرة فأعدادهم لا تزال محتشمة ، والتعريف بانتاجهم لا يرقى لمستوى ما قدموه سواء باكثير أو الكيلاني أو غيرهم من جيل الشباب .

والسؤال الذي يطرحه الكثيرون حول القضية ، مهم جدا . فنحن في حاجة للرسام المسلم ، والفنان التشكيلي المسلم ( الملتزم ) وللقصاص والروائي المسلم ، وللمخرج والسيناريست المسلم ، وطبعا للممثل المسلم . وإنه من البخس للحركة الاسلامية أن تنتظر التزام فنان أو أوبة مخرج ، على أهمية ذلك ، لتصنع شيئا على المستوى الفني . مع العلم أن ما تم حتى الآن لا يرقى لمستوى الطموح ، ولا لحجم الآمال الأممية التي تعلق على الحركة الاسلامية . فمتى تقوم الحركة الاسلامية بتنظيم صفوفها ، وتؤطر شبابها ، وتكونهم في مختلف التخصصات فترسل فريق لاحتراف التمثيل ، وفريق آخر لاحتراف الاخراج ، وفريق ثالث لاحتراف الفن التشكيلي . ورعاية المواهب من خلال مجموعات ، على غرار الخلايا الحزبية لهذا الغرض ، وعدم خلط الناس على اختلاف تطلعاتهم ومواهبهم وتخصصاتهم ، في مجموعات التثقيف السياسي والفكري . بل يجب ايجاد تشكيلات جديدة وفق التخصص ، موازية لذلك ، وأخرى وفق التوجهات والهوايات لتخريج أجيال من الرواييين والقصاصين ، والشعراء ، والفنانين في مختلف المجالات ، يرعاهم أهل التخصص والخبرة .

الاشكالات الأخرى : من الموضوعات والتي لن نطيل الحديث فيها ، لأن الحركة الاسلامية ساهمت ، وبشكل فعال في معالجتها على مستوى التنظير . ومنها آفة الطائفية التي تعصف بالأمة ، وتهدد وجودها ، من خلال اتخاذها مطية من قبل الأعداء وأصحاب المصالح الضيقة للقضاء على الأمة . ومثلها قضية الحزبية التي تجعل من الطائفة أو الحزب والجماعة دينا ، وليس دائرة مفتوحة على مختلف الدوائر الأخرى . ولم تعد الاخوة في الاسلام هي حبل الله المتين ، والرابط الرئيسي ، وفيه الحب والبغض . حتى غدت الطائفة والحزب والجماعة هي الفرقة الناجية ، والدائرة المغلقة التي تمثل الجنة وما دونها نار جهنم . ورغم أن الحركة الاسلامية وقادتها بذلوا جهدا كبيرا لتوضيح أنها " جماعة من المسلمين ، وليست جماعة المسلمين " إلا أن بعض المتحزبين والطائفيين ، ظلوا يعتقدون ، وحتى على مستوى الممارسة ، أو حتى على مستوى العقل الباطن أنهم المؤمنون الحقيقيون ، ودونهم مجرد مسلمين لأدائهم العبادات الظاهرة ، أما الايمان فيحتاج الاعتقاد بما قرروه هم دون حجة دامغة من كتاب أو سنة . وإنما فهم خاص لا يلزم غيرهم في شئ .

التخصص والسياسة : لقد أتيت الحركة الاسلامية في مقتل ، عندما أقحمت ، أو اقتحم أهل التخصصات المهمة فيها العمل السياسي المباشر . وكان على الحركة الاسلامية توفير هذه الأدمغة ، ورأس المال ، والطاقات ، لساعة العسرة ، كما حدث للكثير من الحركات الاسلامية . ولكن على الحركة الاسلامية أن لا تبكي على الدم المسفوح ( وليس اللبن المسكوب ) والوقت المضيع ، لأن ما حدث يجب أن يكون عبرة للأجيال وللحركات الأخرى . فلا أحد يتعلم من لا شئ ، بل من التجربة حتى وإن كانت دامية ، وحتى وإن كانت كارثية . فالأشخاص الذين يوحى إليهم ، ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم . وحتى هؤلاء ابتلوا ومنهم من قتل ونشر على المناشير ، وتعرض أتباعه للابادة الجماعية ، والاذلال الذي ليس بعده اذلال . فانظروا لقصص الأنبياء لتدركوا ذلك ، وتكفوا عن التبكيت واللوم وتخطيئة السياسة والمنهج !!!

وابعاد أهل التخصصات المهمة عن العمل السياسي المباشر ، وتحمل المسؤوليات في صلب قيادة الحركة الاسلامية ، مهم جدا لأن هذه الطاقات تحتاجها الأمة ، ووجودها في الجامعات ، والمراكز والمختبرات ، مهم لنهضة الأمة بدل تعطيلها في السجون ، أو البطالة ، وتعرضها للقمع وحرمان الأمة من عطائها وابداعاتها . وغالبا ما يؤثر التخصص على أفكار صاحبه ، فيخطئ في ممارسة العمل السياسي ، ويحسبها كما لو كانت مسألة في صلب تخصصه المهني . وكثيرا ما نلاحظ أصحاب التخصصات يقحمون تخصصهم عند حديثهم في السياسة ، وكثيرا ما يصيبون ، ولكن ليس في كل الأوقات وكل الموضوعات .

ما يجب على الحركة الاسلامية : يجب على الحركة الاسلامية ، تكوين خبراء في جميع التخصصات ، التي لها تأثير على المجتمع . والتوصل إلى صيغة تقضي على التحارب الطائفي ، والحزبي وتؤسس لعقد جديد في العلاقة بين طوائف الأمة ، وأحزابها وجماعاتها . وغرس ذلك في الأتباع ، وملاحظة سير هذه الحركة لدى بعضها البعض ، حتى لا يكون الأمر من جانب واحد ، لأن الحب من طرف واحد ، حب شقي ، بتعبير الشيخ راشد الغنوشي .

على الحركة الاسلامية ، تكوين لجان متخصصة ، في قضية العلاقات العامة ، مثل اللجان التابعة لوزارات الخارجية ، الوزارات الأخرى تقدم المشورة للحركة الاسلامية . ومنها لجان لمعالجة القضايا المثارة في هذه السطور . وقضية العلاقة مع الغرب ، حيث يجب أن تنتفح الحركة على الغرب أكثر ولا تنتظر تفويضا ولا إشرافا من أحد ، فمن تطلب إشرافهم يبيعون ويشترون بدون حدود . والحركة الاسلامية إحدى بضائعها ، وهي أهون عليهم من هوان يوسف على السيارة .

كما هي في حاجة للجان لمقاومة الاسلاموفوبيا ، ولجان لاعداد الاكاديميين . وتكوين البنوك ، ومشاركة العالم أفراحه وأتراحه . واغتنام المناسبات الاسلامية لتوحيد الامة وليس تشتيتها . وإنه من الأهمية بمكان إعداد مراكز بحوث ، والعمل على تخصيص أوقاف للنفقة عليها ، والاستفادة كثيرا من التجربة التركية ، من خلال دراستها دراسة متخصصة ، ومعرفة سر كسر أحد أكبر الحلقات المنغلقة في الكنيسة العلمانية بالعالم الاسلامي . وعلى أبناء الحركة الاسلامية ، ولا سيما الشباب أن لا ينتظروا من قياداتهم فعل ما يتوجب عليهم هم فعله ، فبدل أن يسألوا لماذا لم تفعل الحركة ، يعتبروا أنفسهم " الحركة " المعنية بذلك ، ويبادروا كما فعل إخوانهم في دول أخرى .. لم ينتظروا أحدا ، وكونوا جمعيات للفن التشكيلي ، وللمسرح ، والسينما ، والموسيقى ، بعد أن درسوا ذلك على حسابهم الخاص .  

 

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©