نصوص

الحراك الأردني .. بين عمان والجنوب

لم تُجدِ محاولة رئيس الوزراء استباق الحراك الشعبي الجديد، في مؤتمره الصحفي يوم الخميس، وبدلًا من ذلك فإن استقالة وزير العدل المكتوبة خلقت أزمة جديدة للحكومة أكثر مما منحتها عوامل قوَّة.بلا شك، فإن وزيري العدل والصحة يتحمّلان مسئوليَّة أدبيَّة وسياسيَّة عن خروج خالد شاهين، لكن ذلك لم يقنع الشارع بنهاية القصة، خاصة أنّنا نعلم تمامًا أنّ محاولات إخراج شاهين بدأت

0
1 يونيو 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

لم تُجدِ محاولة رئيس الوزراء استباق الحراك الشعبي الجديد، في مؤتمره الصحفي يوم الخميس، وبدلًا من ذلك فإن استقالة وزير العدل المكتوبة خلقت أزمة جديدة للحكومة أكثر مما منحتها عوامل قوَّة.

بلا شك، فإن وزيري العدل والصحة يتحمّلان مسئوليَّة أدبيَّة وسياسيَّة عن خروج خالد شاهين، لكن ذلك لم يقنع الشارع بنهاية القصة، خاصة أنّنا نعلم تمامًا أنّ محاولات إخراج شاهين بدأت قبل الحكومة الحالية وهذين الوزيرين، مما يعني أنّ هنالك "حلقة أخرى" لم يتمّ إلى الآن الكشف عنها، وأنّ المسئوليَّة الأدبيَّة للوزيرين ليست أهم من مسئولية شخصيات كان لها دور محوري، لكن لم تقدّم كـ "كبش فداء"، لأسباب علمها عند رئيس الوزراء!

هذا الأداء والخطاب المرتبك من الحكومة في عمان لم يقنعْ أهل المحافظات بأنّنا نسير على الطريق المطلوب، ولم يمنعْ من خروج مسيرة الطفيلة الاستثنائيَّة، التي طالبت بإسقاط حكومة البخيت، وبصعود الصوت الغاضب في المحافظات والجنوب بصورة أكثر وضوحًا في الأيام الماضية.

"التذاكي" في التعامل مع الشارع لن يفيد، وبدلًا من أن تستثمر الحكومة أجواء "الهدوء الشعبي" في العاصمة في الأسابيع الماضية، لبعث رسائل واضحة ومطمئنة للرأي العام، راهنت على "المسار البديل"؛ بمعنى تحجيم مخرجات الإصلاح السياسي وتحديدها، بما لا يشكّل أي فرق حقيقي جوهري في النظام السياسي.

"الصدمة" كانت في استعادة الحراك السياسي من الجنوب، وبسقوف مرتفعة ولغة أكثر حدّة وشراسة.

من هذه الجملة، تحديدًا، يمكن الإمساك بالخيط الذي يمكن أن ينظّم أجندة الحراك الشعبي في عمان مع المحافظات الأخرى في الجنوب، مما يساهم في التجسير بين الدعوات المختلفة ومطالب الشرائح الاجتماعيَّة في أغلب مناطق المملكة.

وإذا كان الإصلاح، بالضرورة، ينبع من رحم الواقع ومشكلاته الحقيقيَّة، فإن ما نلحظه في خطاب الإصلاح في المحافظات هو التركيز على محاربة الفساد والقلق على المال العام والمطالبة بوقف التهميش السياسي والاقتصادي لها، وبالعدالة الاجتماعيَّة في التنمية الاقتصاديَّة، ومدخلاتها من تعليم وخدمات وفرص استثمارية، والخشية من حلول سياسيَّة على حساب الأردن.

تلك المطالب تنضوي عمومًا تحت عنوان "الإصلاح الاقتصادي"، لكنها لا تنفصل عن السياسات الرسميَّة وسوء الإدارة السياسيَّة، وهذا ما يمكن أن يتمَّ تشبيكه مع مطالب الإصلاح السياسي الواضحة من الحراك الشعبي في عمان، ما يمثل "همزة الوصل" بين عمان والمحافظات في تجميع المطالب الشعبيَّة وتنظيمها في سياقات متكاملة لا متضاربة.

الحراك الشعبي في المحافظات قلب المعادلة وعكس الصورة، وأظهر الصوت الحقيقي للناس، وهو ينطق بمرارة من مظلوميَّات متراكمة، سياسيًّا واقتصاديًّا وخدماتيًّا، وهي معطياتٌ يجب أن تؤخذ بعمق في حسبان القوى المعارضة التقليدية في عمان والمدن الكبرى، من خلال إعادة هيكلة أجندتها السياسيَّة وأولوياتها وخطابها الإصلاحي.

بالنسبة للتيار الإصلاحي؛ فإن تجربة الحراك السياسي الشعبي، خلال الأشهر الماضية، أكّدت على أهمية بناء رؤية توافقيَّة وطنيَّة جامعة، تأخذ بعين الاعتبار مطالب الجميع وهواجسهم، وتقدم تصوّرًا يشعر الجميع بأنّه يمثلهم بحق.

أمّا "مطبخ القرار"؛ فإن ما يحدث يؤكّد أنّ التعاطي مع سقف الإصلاحات المنشودة يجب أن ينبع من إرادة حقيقية غير محدودة وجريئة، وأن الرهان على التحايل والتذاكي أو "القتل البطيء" هو رهان خاسر وخطر، لأنّ الكلفة ترتفع يومًا بعد يوم، فيما يمثّل عامل التردد والتلكؤ لدى رئيس الوزراء مقتلًا حقيقيًّا ليس فقط للحكومة، بل لعلاقة الدولة بالشارع!

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©