الحاكم المتطرّف و الخروج المشرّف
تطرّف الحكام العرب كما شاهدنا في أعمالهم المتراوحة بين التراجيديا و الكوميديا طيلة الأشهر الأخيرة لا يمنعهم من طلب الخروج المشرّف لهم و لأبنائهم و ذويهم. صفة عجيبة لخروج غير مرغوب فيه أصلا. فقد شاهدنا الرئيس المخلوع مبارك و هو يناور علنا بينما يرتّب سرّا جملة الضمانات الحافظة للشرف قبل تنحيّه عن السلطة، و نعلم أنّه تمنّى لو يحظى بأعلى المراتب لذلك الشرف المزعوم فيبقى حاكما إلى أن تنتهي ولايته، و لكنّ الشرفاء الحقيقيّين من الشعب أطاحوا به ثمّ أطاحوا بالضمانات التي تحميه من المساءلة ليمثل بمعيّة أ
- 6 يونيو 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
تطرّف الحكام العرب كما شاهدنا في أعمالهم المتراوحة بين التراجيديا و الكوميديا طيلة الأشهر الأخيرة لا يمنعهم من طلب الخروج المشرّف لهم و لأبنائهم و ذويهم. صفة عجيبة لخروج غير مرغوب فيه أصلا. فقد شاهدنا الرئيس المخلوع مبارك و هو يناور علنا بينما يرتّب سرّا جملة الضمانات الحافظة للشرف قبل تنحيّه عن السلطة، و نعلم أنّه تمنّى لو يحظى بأعلى المراتب لذلك الشرف المزعوم فيبقى حاكما إلى أن تنتهي ولايته، و لكنّ الشرفاء الحقيقيّين من الشعب أطاحوا به ثمّ أطاحوا بالضمانات التي تحميه من المساءلة ليمثل بمعيّة أبنائه و زوجته أمام قاضي التحقيق و يُحبس معهم في انتظار محاكمته على الجرائم التي ارتكبها في حقّ شعبه طيلة عقود.
علي عبد الله صالح من جانبه ماطل الجميع شعبا و حكومة و جيشا بمشاهد مكرّرة من كوميديا الخروج الذي يعلنه صباحا و يتراجع عنه مساء، و هو بذلك من أعجب الرؤساء في العالم لأنّه نجح حتّى في مماطلة نفسه. لم يكن جادّا في تصريحاته التي تقرّر التنازل عن السلطة خوفا ربّما من الخروج المخزي فهو أيضا يرغب في الخروج المشرّف، لذلك تدخّل أولو الأمر الخليجيّون بمبادرات تضمن له عدم الملاحقة القضائيّة له و لأبنائه و لكنّه فوّت على نفسه تلك الفرص و تعامل معها بنفس اللعبة قبولا و عصيانا. و عوض الخروج فضّل الدخول باليمن و شعبه في ما يشبه حربا قبليّة كادت إحدى غاراتها أن تخرجه من قصره رأسا إلى المقبرة. و لعلّه يقول في سرّه ليتني قبلت الذهاب إلى السعوديّة مخلوعا و في قلبي حرقة لا محروقا و في قلبي شظيّة.
معمّر القذافي مازال معمّرا في ليبيا أو لنقل في طرابلس أو تحديدا في إحدى بيوتها أو جحورها. صحيح أنّه فقد الكثير من شموخه و لم يعد بإمكانه الظهور حيثما شاء خوفا من القصف الذي يلاحقه، و لن يقف مرّة أخرى في الساحة الخضراء ليخطب في شعبه و يطلب منه الرقص و الغناء و يحتفل بالنصر على الصليبيّين. و لكنْ هل يعقل أن يخرج ملك الملوك و عميد الحكّام مهزوما مطرودا مخلوعا. لا، قالها مرارا و مازال يقولها رغم الخناق الذي يضيق عليه.
إنّ المصير الذي ينتظره قد يكون بشعا بشاعة ما ارتكبه من جرائم، و هو على ما يبدو مستعدّ لذلك لأنّه رفض كلّ العروض التي قدّمت له بضماناتها الشرفيّة، فالواضح أنّ القذافي لا يبحث في الحقيقة عن الخروج المشرّف بل عن البقاء المشرّف لأنّه عاجز كما قال عن الاستقالة من منصب لا يتقلّده أصلا. و لكن من يصدّقه؟
بشّار الأسد يقبع منتظرا لإحدى الحسنيين: فإمّا البشرى التي تأتيه بخبر القضاء على الثورة بعد القضاء على آخر مواطن سوريّ رجلا كان أو امرأة أو طفلا، و إمّا البشرى بأن يُخرِج شعبه من سوريّة إلى لبنان أو الأردن دون ملاحقته و محاكمته عن المؤامرة التي خطّط لها مع المندسّين و المسلّحين الذين لا يعرف من أين جاؤوا فقتلوا المتظاهرين و تآمروا على حكمه.
و في انتظار ذلك، مازال الغموض يكتنف مصير أوّل رئيس عربيّ يرث الحكم عن أبيه أسوة بالأمراء الذين يصبحون ملوكا. لم يكن بالإمكان أن يحكم أحد غيره سوريّة ليضمن لها المكانة المشرّفة إقليميّا و دوليّا و ليواصل ما بدأه أبوه من نضالات ضدّ الدولة العبريّة، و ليس مهمّا أن تكون تلك النضالات مزيّفة مادامت وسائل الإعلام تتحدّث عنها كلّ يوم و تتحدّث أيضا عن وعود الإصلاح المزيّف الذي ينتظره المتفائلون، فهؤلاء يؤمنون أنّ بشار رئيس صالح حقّا و مصلح حقيقيّ.
على الشعب إذا أن يحزم أمره ليغادر الوطن نهائيّا و يخرج من الحياة خروجا مشرّفا و لنيل تلك المرتبة ليس أفضل من الاستشهاد برصاص جنود الرئيس الذي سيبقى حاكما لشعب حيّ أو ميّت! لا يهمّ.
بن علي فقط هو الذي خرج حقّا في الوقت المناسب. يكفيه شرفا أنّه فهم بسرعة ما يريده الشعب التونسيّ حين قال له "ارحل" و ردّد :"الشعب يريد إسقاط النظام" و لكنّ خروجه بصراحة ليس مشرّفا في شيء فالعار يلاحقه و الخزي يلازمه و لا نتصوّر أنّه يقضي بقيّة أيامه في راحة بال بضمير مطمئنّ.
و صورته تلك هي التي ربما صدمت جميع الرؤساء الذين انتقلت إليهم عدوى الثورة. إنّهم لا يرغبون في مثل ذلك الخروج و لا يريدون الذهاب إلى السعوديّة مصبّ القمامة للحكّام الفاسدين كما وصفها السيّد عبد الباري عطوان في إحدى جمله المأثورة قائلا عنها إنّها مكبّ للدكتاتوريّات، و ما أبعد ذلك التوصيف عن الخروج الشريف!
عبد الرزاق قيراط- تونس.