نصوص

الجـريـمـة والـعـقـاب

العجمي الوريمي يصعب أن يُعفي المذنب نفسه من تأنيب الضّمير إن كانت لديه ذرّة من الإنسانيّة، ولا أقلّ من أن يقول الحقيقة إذا كان الأمر يهمّ أحدا غيره، ففي غياب القاضي يكون قاضي نفسه. ولكنّ الجريمة بحقّ هي التي لا يُعلم فاعلها ولا يُكشف عن حقيقتها ولا يُقتصّ لضحيّتها. ولكي تكون الحقيقة عارية أي كاملة ينبغي أن تصبح الجريمة عارية أي لا يلفّها غموض أو زيف بل إن أدوات التّزييف كجوازات السّفر المزيّفة تصبح أدوات للجريمة وأدلّة قاطعة عليها عوض أن تتستّر على مُقترفيها. وعندما يكون المطالبون بدم الضّحيّة ك

0
23 فبراير 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

العجمي الوريمي

يصعب أن يُعفي المذنب نفسه من تأنيب الضّمير إن كانت لديه ذرّة من الإنسانيّة، ولا أقلّ من أن يقول الحقيقة إذا كان الأمر يهمّ أحدا غيره، ففي غياب القاضي يكون قاضي نفسه. ولكنّ الجريمة بحقّ هي التي لا يُعلم فاعلها ولا يُكشف عن حقيقتها ولا يُقتصّ لضحيّتها. ولكي تكون الحقيقة عارية أي كاملة ينبغي أن تصبح الجريمة عارية أي لا يلفّها غموض أو زيف بل إن أدوات التّزييف كجوازات السّفر المزيّفة تصبح أدوات للجريمة وأدلّة قاطعة عليها عوض أن تتستّر على مُقترفيها. وعندما يكون المطالبون بدم الضّحيّة كثيرين بل لا يُعلم عددهم، بل نجزم بأنّهم أجيال مضت وأجيال لا تزال وأجيال ستأتي لتحاسِب، فلن يُفلت القتلة وإن تعوّدوا على ذلك، وحتى الملائكة في السّماء ستشير إلى القاتل إلى أن يُصبح تحت الشمس بلا ظلّ.
حين وقعت جريمة الاعتداء على غزّة تحرّك أحرار العالم للمطالبة بمحاكمة قادة الكيان الصّهيوني وتضاعف الأمل برؤيتهم أمام المحكمة الجنائيّة الدوليّة وبملاحقتهم أو على الأقلّ بمنعهم من السّفر والتنقّل بحريّة مخافة التوقيف والاعتقال، خاصّة بعد صدور تقرير غولدستون. وكانت ذريعة العدوان هي إيقاف إطلاق الصواريخ من قطاع غزّة وكان هدفه الحقيقي معاقبة الشّعب الفلسطيني على دعم المقاومة وحمايتها، وإن أمكن تصفية المقاومة بتدمير بنيتها الأساسيّة وإجهاض سلطة الكرامة ممثّلة في حكومة حماس أي إجهاض مكاسبها السياسيّة ومنها نيل الاعتراف من الصديق والعدوّ بأنّها حكومة شرعيّة رشيدة من أجل البناء وليست بندقيّة عمياء. ونحن نتابع الفصول الدراميّة لاغتيال الشهيد محمود المبحوح في دُبي يتأكّد لدينا أنّ القاتل جهاز وأنّ القتيل إنسان، وتسقط أطروحة ملاحقته كإرهابي وتبرز حقيقة أنّ إرادة ما داخل الكيان الصهيوني تريد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بصنع واقع جديد ومتفجّر يُعفي حُكماء صهيون من استحقاقات السّلام. لقد قال بيريز: «نحن نعيش في وقت يقرّر فيه الواقع ما الذي يحدث الآن وفي المستقبل». ولأنّ الذي يحدث هو تعمّق أزمة الكيان الصهيوني وتغيير جوهري في موازين القوى السياسيّة والعسكريّة، كما يُؤكّده الخطاب الأخير للسيّد حسن نصر الله، فإنّ الذّراع الخفيّة الموساد موكول إليها خلط الأوراق وجرّ المقاومة إلى ساحة الثّأر حتى يتمّ الشّروع في تنفيذ خطط جاهزة للحرب القادمة وتختفي من أجندة المنطقة خُطط جاهزة للمصالحة تنتظر التّوقيع وخطّة جاهزة للسّلام تنتظر الظّرف المناسب للتّنفيذ وبالتّأكيد فإنّ الكيان الصهيوني ينتظر الظّرف المناسب لإجهاضها.
إنّ حركة المقاومة الإسلامية حماس لا تعترف بشرعيّة الكيان الصهيوني ولا تلتزم باتّفاقيّات أوسلو وتعتبرها كارثة على قضيّة الشعب الفلسطيني ولكن تمشّيها السياسي يؤكّد أنّها تتعاطى مع الواقع من دون أن تتجاهل حقائقه ومنها أنّ الكيان الصهيوني كما هو سبب مباشر للمشكلة هو طرف أساس في الصّراع وفي الحلّ وليس هناك مبرّر لكيلا نصدّق خالد مشعل عندما يعلن قبوله بدولة على حدود 67 باعتبار ذلك إرادة دوليّة لا يُقرّها الوجدان الفلسطيني ولا تقبل بها الأمّة العربيّة والإسلامية ولكن ليس من حقّ هذا الجيل القبول بما دونها بما في ذلك القدس كعاصمة للدولة وحقّ العودة وتفكيك المستوطنات، ففي ذلك وقف لحالة التّراجع العربي وإلزام للدّول العربيّة بدعم المقاومة على قاعدة الحقّ المنقوص الذي تتضمّنه قرارات الأمم المتّحدة التي بها قُسّمت فلسطين وانتُزع من أصحاب الحقّ حقّهم وبالتّأكيد فإنّ هذا الحقّ لن ترجعه المزايدات الكلاميّة والوعود الرسميّة العربيّة. وإذا صحّ ما أورده بشير بن يحمد في مجلة جون أفريك عن وجود خطّة أميركية للسّلام، عُهد بإعدادها لعشر شخصيّات مرموقة ومحنّكة من الديمقراطيين والجمهوريين من ضمنهم برنت سكاوكروفت وبول فولكر وبرزنسكي وجيمس وولفونسون وهنري سيقمان.. علما بأنّ الأخيرين يهوديّان يحظيان حسب بن يحمد باحترام كبير في أميركا، إذا صحّ ذلك وهو ما أكّده جيمي كارتر الذي التقى قادة حماس فإنّ من ليست لهم مصلحة فيه أي تحديدا الطرف الصهيوني سيذهبون إلى الحرب مهما كانت كلفتها لأنّهم غير جاهزين للتّنازل لحركات المقاومة ولدفع كلفة الهدنة الطويلة أو السلام العادل أو حتى ما اصطُلح على تسميته بالحلّ النّهائي، ولأنّ المنطقة تبقى دائما أقرب إلى أجواء الحرب منها إلى سلام مستحيل فإنّ مجرّد الاقتراب من المستحيل ثمنه الدّم الفلسطيني بيد أحفاد الإرهابيين مؤسّسي الكيان الصهيوني وأحفاد ضحايا المحرقة الذين تحوّلوا إلى قتلة محترفين بجوازات سفر أوروبيّة تحمل هويّات غربية وهميّة، ولا فرق بين أن تكون البصمات نازيّة أو صهيونيّة ما دامت تصبّ في مجرى واحد للتّاريخ أوّله أوروبا المحاربة والاستعماريّة ومنتهاه فلسطين المحتلّة.
لقد أدّت محاولة اغتيال خالد مشعل في الأردن إلى إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين وأدّى استشهاد الشيخ ياسين إلى الاعتراف عربيّا ودوليّا بحماس وإيصالها إلى الحكم في غزّة عبر الانتخاب وترسيخه عبر الحسم العسكري مع التّردّد في الخيار وفي المنهج، فهل يؤدّي اغتيال الشّهيد محمود المبحوح إلى تغيير قواعد التّعامل فلسطينيّا وعربيّا مع الاستهتار الصهيوني وفتح صفحة جديدة تقطع مع التّسيّب العربي وتضع حدّا للاختراق الأمني الذي لا تقبله أيّة دولة وأيّ شعب في العالم. إنّ تحصين البيت العربي من كلّ ما يتهدّده وحماية المقاومة في رموزها ومسارها هي الحدّ الأدنى الذي يحقّق للعرب الاحترام لأنفسهم ومن العالم ومن أعدائهم. ولعلّه قد آن الأوان كي تُفتح الأبواب في وجه قادة المقاومة وممثّلي الشعب الفلسطيني فلا يتنقّلون خفية بهويّات غير هويّاتهم مخافة التصفية والملاحقة والاعتقال، وحينما تُفتح العواصم العربيّة في وجوههم ويُعاملون بما يليق بالمجاهدين والمقاومين من التّكريم والإسناد ستُحبط أعمال الموساد وتسقط ذرائع سادتهم وكبرائهم.
إنّ اغتيال الشهيد المبحوح فرصة مناسبة لرفع الأداء العربي إلى مستوى التّحدّيات، وقد أعطى السيد حسن نصر الله إشارة انطلاق المرحلة الجديدة وإعلان ميلاد توازن جديد يبحث الإسرائيليون عن التكيّف معه. فهل يعمل العرب على استثماره؟ فالعالم من حولنا يتغيّر ولنأخذ شاهدا على ذلك فقرة من مقال برزيزنسكي في العدد الأخير من مجلة الفورن أفيرز حول المشهد الدولي بعد عام من وصول أوباما إلى الحكم يقول فيها: «لقد أعاد أوباما صياغة رؤية أميركا للعالم وأعاد وصلها بالسّياق التّاريخي النّاشئ عن القرن الـ21.. لقد جدّد بالكامل مفهوم السياسة الخارجية الأميركية حول المسلمات الجيوسياسية التالية:
- الإسلام ليس هو العدوّ والحرب على الإرهاب لا تحدّد دور الولايات المتحدة في العالم.
- ستكون الولايات المتحدة وسيطا محايدا مسموع الكلمة في الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني من أجل التوصّل إلى سلام دائم مقبول من الطرفين.
- بدء مفاوضات بنّاءة مع إيران والتوصّل إلى حلّ سياسي وليس عسكريا فقط في أفغانستان».. ونقاط أخرى مهمّة لا يتّسع المجال لذكرها، وحتى إن كان المقال لا يخلو من الدّعاية أو صمت عن أشياء معيّنة فالأكيد أنّ الجمود وهو مناقض للحياة هو الذي يطبع واقعنا العربي ويُخشى ألا تحرّكه إلا الدماء المسفوحة في العواصم العربيّة من دون رادع، مع سؤال حريّ بنا طرحه على أنفسنا: لحساب من يتمّ ذلك وفي أيّ اتّجاه ومجرى للتّاريخ؟

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©