الثورة التي لا تحصّن نفسها من أعداءها، تُعيد لهم الحياة و تمنحهم فرصة العودة
يشير علي حرب في كتابه "ثورات القوة الناعمة" إلى إن نجاح ثورات الربيع العربي "سوف يطوي حقبة فكرية و يفتتح أخرى. و ما يُطوى و يجري تجاوزه هو عصر الايديولوجيات الشمولية و الأصولية.." في نماذجها الأربعة : 1. النموذج النضالي الآفل لحركات التحرر الوطني التي أخفقت في شعاراتها القومية و الاشتراكية 2. النموذج النخبوي الفاشل 3. النموذج البيروقراطي العاجز 4. النموذج الجهادي القاتل و هذا يفرض : 1. خلع عباءة الايديولوجيات المقدّسة .. و الانتقال إلى الاشتغال ببناء المجتمعات.. 2. كسر عقلية النخبة و الانتقال إل
- 3 أكتوبر 2013
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
يشير علي حرب في كتابه "ثورات القوة الناعمة" إلى إن نجاح ثورات الربيع العربي "سوف يطوي حقبة فكرية و يفتتح أخرى. و ما يُطوى و يجري تجاوزه هو عصر الايديولوجيات الشمولية و الأصولية.." في نماذجها الأربعة :
1. النموذج النضالي الآفل لحركات التحرر الوطني التي أخفقت في شعاراتها القومية و الاشتراكية
2. النموذج النخبوي الفاشل
3. النموذج البيروقراطي العاجز
4. النموذج الجهادي القاتل
و هذا يفرض :
1. خلع عباءة الايديولوجيات المقدّسة .. و الانتقال إلى الاشتغال ببناء المجتمعات..
2. كسر عقلية النخبة و الانتقال إلى المجتمع التداولي
3. كسر العقليات البيروقراطية المركزية الفوقية للانتقال إلى عصر الشبكات
4. التخلّي عن منطق العنف و الارهاب
و ما نلاحظه اليوم توحّد و تبادل للأدوار بين جبهة نماذج النضال الآفل و النخبوي الفاشل و البيروقراطي العاجز و الجهادي القاتل، ليكوّنوا معا قوى " الثورة المضادة" اليوم في مصر و تونس و بصور مغايرة في ليبيا و اليمن و سوريا. و العمل يجب أن يتجه إلى تفكيك هذه النماذج الفاشلة و التي لا تزال تنخر جسد هذه الأمة و هي مكمن الداء و أفولها بداية الدواء .. ففي باطن الثورة يعتمر الصراع بين روحها الذي يتوق إلى استكمال الطريق لتحقيق أهدافها، و بين أقطاب " الثورة المضادة" الذين يسعون إلى تغيير اتجاه خط السير لتعديله بدءا بتوقيف اتجاه انحدارهم ، ثم بلوغ حالة الاستقرار و من ثمة اتخاذ خطوات الصعود التي تتمثل في "الردة الثورية" و "ترذيل" كل ما أتت به الثورة ، لتتحول الثورة و انجازاتها إلى " جُرم" يتطلب المحاسبة. و من أبرز الأخطاء التي يقوم بها الثوريون و تساعد أعداء الثورة على استرجاع أنفاسهم هو استعجالهم في ضبط " الروح الثورية " و التحكّم القسري في متطلباتها. فهذا يفتح الباب أمام سدنة الاستبداد ليطلّوا برؤوسهم من جديد و يتلبّسون على الشعب و بقدرة قادر يتحولون من مستبدين و فاسدين إلى "ثوريين جُدد"، و عندها يستمدون وجودهم "الثورجي" من ضمور الروح الثورية أولا و من " سياسة الفشل" التي صنعوها و وقع في حبالها "الثوريون" ثانيا، لتبلغ حالة " اليأس الشعبي" مبلغا يلتبس فيه الحق بالباطن فيسقط الشعب في أحضان " مطلب الاستقرار و الأمن الملتبس" الذي يبشّر به من لم تسعفه صناديق الاقتراع ، بعد أن كشفت الثورة عورته، فتأخذ "الثورة المضادة" غطاءها الشعبي الموهوم، في غفلة من الثوريين و الشعب معا بحجة " انقاذ الوطن" و اتمام " المرحلة الانتقالية" لنُصبح على نسخة جديدة من الواقع الذي ثُرنا عليه بالأمس، فتضيع الثورة اليوم كما ضاع الوطن بالأمس.
إن اللحظة السياسية كما تتطلب تضحيات و أحيانا اتخاذ خطوات إلى الوراء، و هذا مفهوم و ليس حوله خلاف . و لكن ما ينبغي في خضم العملية التفاوضية أن ينسينا تعميق التواصل داخليا و السعي إلى أن يكون البيت الداخلي مصدر القرار و أن يكون التواصل مع الشعب و الاستجابة لهمومه و تخوفاته بوصلة توجّه الرؤى. و بقدر ما ندعو إلى الواقعية و تفويت الفرصة على دعاة الانقلاب و أهمية تفكيك كل الألغام أمام المرحلة الانتقالية ، ما ينبغي أن نرتهن لهوى دعاة الانقلابيين و رعاتهم. فالثورة المضادة و الانقلابيين مهما أمعنوا في التقتيل و الجُرم في الحالة المصرية و السورية لن يستطيعوا اطفاء شعلة الثورة في نفوس المصريين و السوريين ، بل ستزيدهم اصرارا على ضرورة مواصلة مشوار استكمال الثورة مهما كان حجم التضحيات. و ما يحدث اليوم سيكون لعنة على الانقلابيين و من شاكلهم إلى يوم الدين. و أهم الدروس المستفادة من هذه الأحداث أن الثورة التي لا تحصّن نفسها من أعداءها، تُعيد لهم الحياة و تمنحهم فرصة العودة و اجهاض الثورة.. و ليس هناك من خيار أمام المصريين أولا غير مواصلة الفعل الثوري و تجذيره و الذي سيكون مؤلما و ستكون حجم التضحيات في طريقه أكبر مما حدث في ثورة 25 يناير. و لا خيار أمام التونسيين بعد انقلاب 30 يونيو في مصر، غير طريق مصارحة الشعب بما يجري من مؤمرات عليه و تحصين الثورة و تجاوز سياسات التردد و الحسابات السياسية الضيقة .. فاللحظة تتطلب روح و عقلية ثورية تتحرك في أفق سياسي جلي دون مساومات على أهداف الثورة و مطالبها الرئيسية.. مع الإشارة إلى أن الزمن الثوري محدود، فإذا انقضى يصعب استعادته ..
ابراهيم بالكيلاني
كاتب وباحث تونسي مقيم بالنرويج