الثورة التونسية والحصاد المر...
الطاهر العبيدي * إن حالة التردّد والتأرجح من العلامات الفارقة التي تطبع الوضع السياسي التونسي الحالي، الذي يشوبه الارتباك رغم جرعات الأكسجين التي تميّزت بها بعض القرارات في اتجاه الانفتاح المحتشم، والذي تكبله سنوات المنطقة المعزولة من القيم، والخالية من الحياء السياسي طيلة ثلاثة وعشرين سنة من وصاية رأسمال الأحذية الأمنية على المواطنة. ممّا يتطلب الوقوف عند بعض الزوايا الداكنة، حول حالة التهافت للانقضاض على مواقع ومناصب افتراضية، حوّلت ثورة عنوانها الكرامة والحريّة إلى فريسة معروضة للنهب السياسي،
- 12 أكتوبر 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
الطاهر العبيدي *
إن حالة التردّد والتأرجح من العلامات الفارقة التي تطبع الوضع السياسي التونسي الحالي، الذي يشوبه الارتباك رغم جرعات الأكسجين التي تميّزت بها بعض القرارات في اتجاه الانفتاح المحتشم، والذي تكبله سنوات المنطقة المعزولة من القيم، والخالية من الحياء السياسي طيلة ثلاثة وعشرين سنة من وصاية رأسمال الأحذية الأمنية على المواطنة. ممّا يتطلب الوقوف عند بعض الزوايا الداكنة، حول حالة التهافت للانقضاض على مواقع ومناصب افتراضية، حوّلت ثورة عنوانها الكرامة والحريّة إلى فريسة معروضة للنهب السياسي، والقنص المصلحي، ليتبارى الكل بأن يكون ناطقاً بالوكالة باسم المواطن الذي يخرّبه البؤس والحرمان، وباسم الملايين التي انتفضت ضدّ واقع التحنط والأصنام، بعدما أحسّت أنها تعيش كالقطعان، غير أن هذا التبني بقي بضاعة استهلاكية من أجل ارتفاع الأسهم في البورصات السياسية، ولم يتخط اللفظ واللغط دون الولوج ميدانيا إلى مناطق الرغيف المبلل بعرق مدن الذل والهوان، المتناثرة على أرصفة الجوع والعطش، ليبقى ذاك المواطن النازل من بطون الحزن العربي على موعد مع المجيء الذي لا يجيء، والآتي الذي لا يأتي. وتظل القوى السياسية تلوك خطابا مسماريا يعاني كساد الأفكار، وبرامج لم تغادر بيت الطاعة التنظيمية، تتصدّرها الولاءات قبل الكفاءات، وتحكمها المحاباة بدل الكفاءات، وتطبعها الجهويات عوض الطاقات. ليحال ذاك المواطن الذي غيّر وجه التاريخ يوم 14جانفي (يناير) 2011 على المياه الإقليمية المحاذية لجني حصاد ثورة وقودها صبر وعرق ودم ونزيف من التضحيات ،ليستفيق المواطن من جديد فيكتشف مرّة أخرى أن يأسه مكرّر وحزنه مثلث وهوانه إنتاج وطني ...
الانفصال من أجل الجدولة السياسية
لم يكن أحدا من السياسيين والمتابعين والخبراء والمراقبين والمفكرين هندسياً، يتوقع أن يتحوّل الشعب التونسي إلى عود ثقاب، ليشعل أشجار الغابة اليابسة التي تخفي سنوات القهر والحيف والمظالم المتناسلة. وهو المعروف بهدوئه العابر للقارّات. ليخلع في لحظة الصفر جلود الاستكانة والقدرية ويلبس العاصفة، منقلبا على الإقامة الدائمة مع الهوان، رافضاً عقد صلح أبدي مع الخضوع، منتفضا على كل طقوس الصفع السياسي واللطم الاجتماعي في اتّجاه التحرر والإنعتاق. بعد أن خزّن في الصدور المعروضة للسياط المدبوغة بانخفاض الحريات طيلة أعوام القهر الأمني بكل مشتقاته حتى أضحت الخيارات أمامه محدودة، بين دخول السجن، أو دخول المقبرة، أو العيش كفئران المزبلة. فقرّر التمرّد على محترفي قتل شعوبهم بالوراثة، وخيّر أن يكون خنجراً في لحم الاستبداد، ولينهي وصاية رأس المال الأيديولوجي والسياسي على الفعل الميداني. ليهبّ دون سابق إشعار بعدما ارتفعت درجة الحرارة في أجساد المظلومين، في بلد أضحت تقريباً كل كائناتها تحاول من اليأس أن تتوسّل تأشيرة هروب، من قرى وأرياف ومناطق وشوارع وأحياء ومدن تأمّمت فيها المظالم، وتداعت عليها الأحزان. في اتجاه التفلت من حالة الإنتظارية صوب تغيير جغرافية الصمت المشروخ، ليتولى هذا الشعب منفردا مهمّة طرد الطغاة، تاركاً وراءه السياسيين والمنظرين وكل المنفصلين عن جاذبية الأرض. ليتحوّل هذا الشعب من موقع المفعول به، إلى دور الفاعل الأساسي في التغيير والحراك، وجدولة الحياة السياسية وإعادة ترتب الأشياء.
مثلث الذهول والصدمة والشك
وكما أن هذه الثورة التونسية فاجأت العالم، فإنها قد أهدت نصرا غير متوقع لكل العائلات السياسية الحالمة منذ عقود بالتغيير، وفي المقابل كان نسق الأحداث متسارعا بشكل كهربائي، ممّا خلف حالة من الارتباك والاضطراب لدى القوى السياسية كما النخب، التي بقيت تتحسّس اتجاهات هذه الثورة، وبدت المواقف تتمايل بين الضبابية والتأني والحماس، وبعد الاستفاقة من مثلث الذهول والصدمة والشك، حاول البعض استرجاع المبادرة، والبعض الآخر حاول مرافقة هذه الصحوة الشعبية، ومنهم من أراد امتطاء هذه الثورة وتسلق المواقع، وغيرهم حاول الانخراط والمسايرة.. واجتمع الكل في طلب ودّ هذا الشعب، بما فيها تلك التشكيلات التي تعاني انحناء مزمنا في عمودها الفقري من كثرة الخضوع.
ولعل ما لم يستوعبه البعض أو الكثيرين أن الشعب التونسي طيلة سنوات الرماد، والذي سيّجته الآلة الأمنية، وحاصرته الأحذية العسكرية، واحتكره خطاب الأحادية، وصفعته ذبذبات المديح الإعلامي، استطاع رغم كل هذا الحصار أن ينفجر في وجه المنظومة الأمنية بكل تضاريسها، من أجل أن يستردّ كرامة موءودة، ويستعيد حرية مفقودة، وإن ظل هذا الشعب طيلة أعوام خطاب الاسمنت وعاء للصبر الموقوت، فإنه في لحظة انتباه استطاع تحويل صبره إلى فهل استشهاد، وترجمة صمته إلى طوفان، ليظل مرابطا على خطوط التماس، لا يتردّد مرّة أخرى في إلغاء كل المتهافتين الآن على استثمار إنجازه الشعبي لادخاره في الأرصدة الخاصة ذلك لأن شباب الثورة بدأ يشعر أن هؤلاء يعيدون إنتاج نسخا فوتوغرافية منسوخة نسخا رديئة عن الأصل المهتري.
انتصار بدأ يأخذ ملامح الخذلان.
ولئن كان هذا الشعب قد انتقل من موقع النصب التذكاري إلى شرارة تضيء المستقبل. فإنه بات الرقم المخصّب بتربة الشهداء، والمدجّج بمفردات الرفض والتحدّي والتأهّب للانفجار في أي لحظة تجاه كل الذين يحاولون استبلاله مرة أخرى. ليعود من جديد لمراقبة المشهد الذي بدأت تهبّ عليه رياح سموم الوصاية، وتتداعى عليه جحافل المقاولين السياسيين. مانحاً فرصة جغرافية ومساحة زمنية للكل من أجل استكمال الصورة السياسية ،لتحميضها تحت أشعّة مدن البؤس والبطالة ومناطق الحرمان، التي تظل متأهبة لإعادة تصحيح المسارات مرّة أخرى، إذا ما بقيت هذه الطروحات سطحية وأنانية ولا تنبش في جذور العطب الاجتماعي والسياسي، ولم ترتق إلى آمال وطموحات الإشعاع النووي الشعبي، الذي حتما سيزيح كل المتكئين على عصا النسيان والمصابين بسكتة تاريخية، ليقوم بعملية كنس أخرى ضدّ كل السماسرة الجدد، استرجاعا لانتصاره الذي بدأ يأخذ ملامح الانخفاض والخذلان.
وفي المقابل سيظل هذا الشعب الذي ما عاد ممكنا إلغاء دوره أو تغييبه عن الفعل الميداني، يحتفظ في الذاكرة الصاحية رمزية كل الوطنيين المتعففين عن مواسم التساقط والتهافت على توزيع الغنائم، ومنتبها لكل المستقلين الأحرار الذين وقع تغييبهم، بدل أن يكونوا صمّام أمان لتعديل البوصلة السياسية، وجدارا عازلا ضدّ القرصنة السياسية، وضدّ الرأسمالية الحزبية.
* صحفي وكاتب تونسي مقيم بباريس
القدس العربي / 2 / 10 / 2011