التّشغيل في تونس:بين محدوديّة السّوق وتداخل الآليّات وإشكالية الشّفافيّة
Normal 0 21 false false false MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} التّشغيل في تونس: ب
- 15 نوفمبر 2009
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
التّشغيل في تونس:
بين محدوديّة السّوق وتداخل الآليّات وإشكالية الشّفافيّة
بقلم: محمد رضا سويسي.
تعتبر قضيّة التّشغيل واحدة من القضايا الكبرى الّتي تُؤرّق أيّ سلطة سياسيّة بل كل المجموعة الوطنية.
فالشّغل يمثّل عنوانا لكرامة الإنسان ولمواطنته كما أنّه المدخل الأهمّ الّذي يجسّد منه المواطن واجبه في المساهمة في تنمية وطنه ومجتمعه.
وفي تونس مرّت قضيّة التّشغيل بعدّة أطوار تاريخيّة سارت بالتّوازي تقريبا مع التّحوّلات الّتي شهدتها الاختيارات الاقتصاديّة الكبرى للدّولة التّونسيّة منذ الفترات الأولى الّتي تلت رحيل الاستعمار المباشر عن أرض الوطن من حاجة ماسّة إلى الأعوان والإطارات بمختلف أصنافهم ومراتبهم في فترة تركيز مؤسّسات الدّولة السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة والتّربويّة وغيرها ممّا نتج عنه حالة من التّشغيل الكامل تقريبا وهي مرحلة شهدت امتدادها في المراحل اللاّحقة وخاصّة فترة التّعاضد الّتي كانت الدّولة تسيطر تقريبا على كلّ المؤسّسات الاقتصاديّة والماليّة والإدارية بالبلاد ممّا جعل القطاع العمومي أهمّ وعاء للتّشغيل إلى حدود بداية السّبعينات حيث دخلت الدّولة مرحلة الخيار الليبرالي وإعطاء القطاع الخاص مكانة متصاعدة واكبتها تحوّلات تشريعيّة مست مجلّة الشّغل منذ قانون أفريل 1972 المشجّع على الاستثمارات الأجنبيّة وقد واكبت هذه التّحوّلات المتتالية تحويرات في القوانين الشّغليّة الّتي اتّجهت تدريجيّا نحو المرونة سواء في أشكال التّشغيل أو في ظروف العمل والعلاقات الشّغليّة بما ينعكس على الاستقرار في الشّغل وهي تحوّلات أخذت مداها الكامل مع برنامج الإصلاح الهيكلي وما سُمّْي بالتّأهيل الشّامل الّذي لم يكن في الحقيقة سوى عمليّة انخراط نهائيّ في الخيار الليبرالي المطلق الّذي فرضته العولمة هذا الخيار الّذي تجسّم في مستوى التّشغيل بعدّة مظاهر من أهمّها:
*خوصصة جزء هامّ من سوق الشّغل كجزء من الخيار الليبرالي العام الّذي لا يقوم فقط على تشجيع القطاع الخاص وتمكينه من المجال الأكبر في شؤون الاستثمار والاقتصاد وإنّما تخلّي الدّولة على القطاع العمومي في المجالات المنتجة والخدميّة بالتّفويت فيه بما في ذلك القطاعات الّتي توصف بالإستراتيجية وهو خيار أثر على عمليّة التّشغيل في صميمها.
حيث يتوخّى الخواص خيار أكثر ما يُمكن من الرّبح بأقلّ ما يمكن من العمّال والإطارات خيار كرّسوه في مُؤسّساتهم المحدثة وكذلك في المؤسّسات العموميّة الّتي اقتنوها والتي عمدوا فيها إلى عمليّات تسريح و"تطهير" بطرق ملتوية كثيرة أمام نظر هياكل الإشراف الرسمية وسمعها.
*تراجع دور الدّولة في التّشغيل إذ يكاد الانتداب يقتصر على قطاع الوظيفة العموميّة في التّعليم والصّحّة والأمن والإدارة العموميّة إضافة إلى بعض ما تبقّى من الشّركات والدّواوين بعد أن كان يشمل عدّة قطاعات اقتصاديّة كبرى كما لجأت الدّولة إلى سياسة تقشّفيّة في التّشغيل جعلتها في كثير من الأحيان لا تقوم بتعويض الأعوان الّذين يُحالون على التّقاعد بانتدابات جديدة.
*القيام بتحويرات تشريعيّة في مجلّة الشّغل مسّت في العمق العلاقات الشّغليّة بين طرفي هذه العلاقة وذلك خاصّة في مجال استقرار العلاقات الشّغليّة بإدخال صيغ عقود العمل المحدودة المدّة كما هو في الفصل 6/4 من مجلّة الشّغل وغيرها من الصّيغ المُكرّسة لهشاشة التّشغيل كالسّمسرة في اليد العاملة الّتي يُطلقون عليها تسمية "المناولة" والّتي لا يوجد لها أيّ سند في القانون وهي صيغ أضرت بالحقوق المُكتسبة للعمّال والّتي طالما مثّلت عنوانا بارزا للتّوازن والاستقرار الاجتماعيّين.
إنّ حالة سوق الشّغل والتّشغيل في تونس تحتاج إلى تشخيص دقيق بحجم التّعقيدات القائمة التي تواجهه وإعادة تقييم الأساليب الظرفية التي اعتمدت ومراجعة فاعلية الآليات التي اعتمدت وشفافيتها لأنها في نظر الكثير من الخبراء آليّات محدودة الفاعليّة ميدانيّا وتحتاج إلى الكثير من الجهد للإقناع بجدواها وبشفافيّة وموضوعيّة تسييرها ومقاييس أخذ القرار في صلبها.
أمّا الآليّة التّشغيليّة "المعاصرة" فهي مؤسّسات السّمسرة في اليد العاملة وهي مؤسّسات طفيليّة تلعب دور الوسيط بين طالب الشّغل والمُشغّل المباشر والّتي يجد فيها الكثير من أصحاب المؤسّسات والشّركات آليّة تمكّنهم من الإفلات من الواجبات المنجرّة عن انتداب عملة أو أعوان بطريقة قانونيّة مثل التّرسيم واحترام سلّم الأجور والاتّفاقيّات القطاعيّة وأنظمة التّغطية الاجتماعيّة... .
إنّنا ندرك بواقعيّة الصّعوبات الّتي يمكن أن تُعيق استيعاب سوق الشّغل الوطنيّة للطّلبات الموجّهة لها فهي سوق محدودة المجال مقابل ارتفاع متزايد في طلبات الشّغل خاصّة مع تزايد أعداد المُتخرّجين من الجامعات والمدارس العليا المختصّة يُضاف إلى ذلك تأثير التّحوّلات والأزمات العالميّة على الاقتصاد الوطني الّذي ما زال ساستنا يُصرّون على ربطه بعجلة الاقتصاد الليبرالي رغم ما يعيشه هذا الاقتصاد من أزمة هيكليّة أصابته حتّى في أسسه الإيديولوجية والعقائديّة باعتراف قادته اللذين لجؤوا إلى السّياسات الحمائيّة بما في ذلك خيار العودة للتّأميم.
لكنّنا ندرك بالمقابل أنّ الحلول النّاجعة لهذا التحدي لا تكمن في الإجراءات الظرفية والمسكنة أو اعتماد التشغيل من جديد لأغراض سياسوية في ظل التداخل المستمرّ بين الحزب الحاكم وأجهزة الدّولة والإدارة وإنّما يكون بـ:
- فتح حوار وطنيّ يكون مستمرّا لا مناسباتيّا من أجل البحث العميق في ملفّ التّشغيل في كلّ جوانبه من حيث استكشاف الإمكانيات المتوفّرة والقابلة للتّوفير وذلك بمشاركة كلّ مُكوّنات المجتمع السّياسي والمدني والمنظّمات المهنيّة بعيدا عن عقليّة الإقصاء.
- استعادة الدّولة لدورها في عمليّة التّشغيل وذلك سواء في التّشغيل المباشر أو بالإشراف على عمليّات الانتداب من خلال المكاتب العموميّة للتّشغيل الّتي يجب أن تسترجع دورها الموكول لها بنصّ القانون واستبعاد كلّ الأشكال الطّفيليّة للتّشغيل الّتي تُمثّل عبئا على التّشغيل وليس حلاّ له.فدور الدّولة التّعديليّ في هذا المستوى مُتأكّد ولا غنى عنه.
- البحث عن أقصى درجات النّجاعة والشّفافيّة والكفاءة عند إسناد القروض أو المنح المُوَجّهة إلى إحداث المشاريع الجديدة التزاما بمبدإ تكافؤ الفرص وتقيّدا بالمقاييس الموضوعيّة للتّفاضل.
- العمل على تجاوز الحدود الضّيقة للتشغيل في البلاد من خلال فتح آفاق في اتّجاه السّوق العربيّة المُوحّدة للتّشغيل وذلك سواء من خلال اتّفاقيّات ثنائيّة أو عبر آليّة عربيّة جماعيّة يمكن أن تنطلق مرحليّا من أفق مغاربيّ وهو أفق واعد للتّشغيل في عدّة مجالات لاسيما الصّحّة والتّعليم والاختصاصات التّقنيّة بمختلف مستوياتها الوسطى والعليا
صحيفة الوطن العدد 111