نصوص

التعقل والبحث عن الذات

يسعى الإنسان لفهم ذاته من خلال عملية عقلية مضنية يعالج من خلالها مختلف المعارف والمعلومات والخبرات التي حصل عليها طوال سنين حياته. ويستطيع الإنسان بناء ذاته من خلال التعقل المعتمد على المعرفة العلمية ، بحيث يسعى لتطوير ذاته إلى أفضل مما كانت عليه، وتستمر رحلة البحث عن الماضي ومعالجة تفاعلاتها وهذا أيضاً حال الحضارات الإنسانية. فمنذ القدم عاش الإنسان رحلة البحث عن الماضي كلما احتاج إلى إثبات ذاته وفهم الواقع المعاش، وهذا شأن الأمم والشعوب التي استطاعت وضع بصمتها في سبيل رفاهية الإنسان. ولم تستطع

0
6 فبراير 2014
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

 

يسعى الإنسان لفهم ذاته من خلال عملية عقلية مضنية يعالج من خلالها مختلف المعارف والمعلومات والخبرات التي حصل عليها طوال سنين حياته. ويستطيع الإنسان بناء ذاته من خلال التعقل المعتمد على المعرفة العلمية ، بحيث يسعى لتطوير ذاته إلى أفضل مما كانت عليه، وتستمر رحلة البحث عن الماضي ومعالجة تفاعلاتها وهذا أيضاً حال الحضارات الإنسانية.

فمنذ القدم عاش الإنسان رحلة البحث عن الماضي كلما احتاج إلى إثبات ذاته وفهم الواقع المعاش، وهذا شأن الأمم والشعوب التي استطاعت وضع بصمتها في سبيل رفاهية الإنسان.

ولم تستطع الأمة العربية في العصر الحديث تحقيق انجازات ملموسة في مجال البحث عن ذاتها، وذلك لأسباب عدة أولها أن الجهود العربية في هذا المجال توصف بالفردية لأنها تفتقر للعمل المؤسساتي، وتتجاهل حقوق الإنسان وتخلوا من إشراف مراكز البحث العلمي المختصة وهذه المحاولات الفردية لا تلقى دعم وتشجيع الدولة، وثاني تلك الأسباب فشل النظام التعليمي العربي وتراجع برامج التنمية في مجمل القطاعات الفاعلة مما أدى إلى تراجع المناخات الثقافية التي هي أساس تداول المعرفة ونمو الفكر، أيضاً أسهمت أجواء الاستبداد في وضع عراقيل تعيق تبلور مفاهيم تسموا بالعقل الإنساني بل أسهم الاستبداد في تشويه الثقافة الجامعة للأمة ووضعها في حيز ضيق يقتصر على قشور الثقافة.

تمكنت بعض المؤسسات الغربية ومراكز الدراسات الشرق أوسطية من تقديم دراسات وأبحاث علمية تعالج التراث الحضاري العربي والإسلامي، وهذه الدراسات أسهمت في إيقاظ الأمة والتنبه لقضاياها الهامة، وتوصف هذه الدراسات بأنها ضعيفة رغم ما فيها من إبداع، لان دراسة تراث وحضارة العرب والإسلام يجب إخضاعها لمعطيات وإرادة داخلية وجهود وخبرات أبنائها.

إذاً هناك أوجه شبه كبيرة بين البحث عن ماضي الأمم والبحث عن الذات لدى الإنسان واستبعادها وفق عملية تعقل يقاوم من خلالها الإنسان المعيقات الداخلية والخارجية في سبيل السمو بروحه، حيث لا يعقل أن يمارس هذا الجهد من لا يعيش نفس المعيقات والانفعالات ولا يمكن أن تتشابه تصورات ومدارك الأمم، وهذا حال الأمة العربية حيث لا يعقل أن يعيد تدوين ودراسة تاريخها من لا ينتمي إلى حضارتها. وعملية التعقل للوصول إلى سمو الروح هي عملية منظمة وفي غاية الإتقان، لذلك يجب أن تجتمع طاقات الأمة العربية لخوض غمار رحلة البحث عن فكر وفلسفة حضارة العرب والإسلام بتعقل وحذر يأخذ بالحسبان خصوصية هذه الحضارة.

في خضم هذا الواقع المزري احتل الطغيان في المشرق العربي حيزاً أثناء تبلور الثقافة العامة لدى هذه الشعوب وله قدر كبير من الأهمية في صياغة العقل العربي طوال عقود مضت، حيث لم يختزل الطغيان في شخص الطاغية فقط بل تجاوزه إلى بناء منظومة الطغيان التي شملت الدين والسياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة.

قطعاً هناك عوامل عدة أسهمت في صياغة الثقافة العامة لدى الإنسان العربي عموما إلى جانب الطغيان، ومنها نمط العيش على ضفاف الأنهار وفي البوادي والواحات المقفرة، والحروب والصراعات مع الأمم والشعوب المجاورة، وأيضاً الأديان السماوية والوضعية كان لها دور في ذلك، إلا أن الطغيان كان له الأثر الأكبر في صياغة المفاهيم العامة والأطروحات والأفكار المشتركة لدى الإنسان العربي، مما أعاق تطور التاريخ الاجتماعي لشعوب المشرق العربي، وحدَ من سرعة تبلور أفكار ومفاهيم الحركة الإنسانية في المشرق العربي.

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©