نصوص

التشويش السياسي!...

التشويش السياسي!... نصر الدين السويلمي كنّا قد تعلّمنا فيما تعلمناه من أبجديات العمل السياسي أنّ الكيانات الحزبية الجادّة والجماعات المناضلة لا يمكن لفعلها النضالي أن يحيد عن ثلاث جبهات أساسيات توزع عبرها جهدها وتستثمر فيها مخزونها النضالي ترقية وتمحيصا وترشيدا، وتأتي مقارعة الأنظمة الشمولية كجبهة مفصلية متقدمة على غيرها من الجبهات، كما أنّ كل الأفراد الذين تداعوا للانتظام في كيان سياسي وجب عليهم أن يقدموا أنفسهم كدروع للشارع في وجه منظومة الاستبداد وليس لهم أن يتذيلوا الصفوف ممارسين بذلك مهنة ا

0
2 مايو 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 


التشويش السياسي!...

نصر الدين السويلمي


كنّا قد تعلّمنا فيما تعلمناه من أبجديات العمل السياسي أنّ الكيانات الحزبية الجادّة والجماعات المناضلة لا يمكن لفعلها النضالي أن يحيد عن ثلاث جبهات أساسيات توزع عبرها جهدها وتستثمر فيها مخزونها النضالي ترقية وتمحيصا وترشيدا، وتأتي مقارعة الأنظمة الشمولية كجبهة مفصلية متقدمة على غيرها من الجبهات، كما أنّ كل الأفراد الذين تداعوا للانتظام في كيان سياسي وجب عليهم أن يقدموا أنفسهم كدروع للشارع في وجه منظومة الاستبداد وليس لهم أن يتذيلوا الصفوف ممارسين بذلك مهنة النكوص وحرفة التواضع المغشوش مقدمين شعبهم وليمة لحاكم جائر حتى إذا هجمت آلة الإجرام ووقع الالتحام غابوا في الزحام ثم ظهروا فجأة في منصّات التكريم ملوحين بعلامات النصر متجلببين برداء الثورة والثوار.

أمّا الجبهة الثانية فهي محاكاة الشعب والخروج إليه وطرق أبواب تجمعاته ومجمعاته وفضاءاته والبحث عنه أينما كان والجلوس معه حيثما جلس للأخذ والعطاء، للتكلم والتعلم،.. ولن تقلّ الجبهة الثالثة أهمية عن سابقاتها حيث الانكباب على ترتيب البيت الداخلي وتأثيثه وتأهيله والانشغال به عن غيره ذلك لأنّ الذي يحترم شعبه يراكم اجتهاده ويستعد أيّما استعداد لعرض نفسه عليه في أبهى حلته حتى تستشعر الجماهير أنّ نخبها جادّة في طلب ودّها... هذه المسلمات المطلوبة والبارزة في تضاريس المنشود السياسي، حدث وأن تنكّب عنها الكثير بل هناك من تنصّل منها تماما وامتهن التشويش السياسي، ففي الوقت الذي تلتهم فيه عقارب الساعة الزمن الفاصل بيننا وبين 24 جويلية وفي الوقت الذي تشمّر فيه الأحزاب الجادّة والمستشعرة لضرورة تجاوز هذه المنطقة الرمادية والخروج من "البريكولاج" السياسي وطي صفحة الدولة المرقعة وصولا إلى الدولة المؤسسة، في هذا الوقت هناك من شطب نفسه من قاموس الموضوعية وأقالها من وظيفة النضال وجمّد كيانه وتجنّد للتطفّل على الأحزاب والهياكل الأخرى ومشاغبتها، ومنهم من يرفع عقيرته بالصياح ويمعن في التباكي على الفترة التي لا تكفيه لكي يستعد لانتخابات 24 جويلية، لكننا نراه يتفنن في تبديد الوقت فإذا ما سنحت له فرصة في الفضاء المفتوح وعوض أن يلتحم بالشعب ويتواصل معه تراه يلهث خلف الصبيان يزوّدهم ببعض اللافتات المضحكة يتعقب بهم أحزاب حسمت خياراتها وراهنت على شعبها ووضعت كل بيضها في سلته، ثم إذا ما اتيحت له مساحات في بعض الصحف والفضائيات أو القنوات "المفرطة في النزاهة المبذرة لنعمة الحياد" تراه لا يعبأ بشرح برنامجه للشعب وربط الجسور معه إنّما يقسّم وقته بين ذم للإسلاميين وحشد حِزَم من التلفيقات لهم وبين تفريخ الاقتراحات المفضوحة الممجوجة التي تستهين بالشعب وتحاول الالتفاف عليه بدعوة حمايته من نفسه، إنّ هؤلاء وبعد أن تمادوا في تشويه كل الهياكل التي نجحت في مدّ الجسور مع شعبها مروا لإفراز أفكار ليس لها من تفسير إلا أنّها محاولة رخيصة للحجر على شعب استثنائي صنع ثورة فجّرت ثورات وألهمت الساسة والأدباء والعلماء وحرّكت شهية الإبداع من ركودها، إنّه ومن ضروب السخرية والتردي أن تتجنّد منابر إعلامية وشخصيّات سياسية أعتقها الشعب عشية صناعته للحدث فَتَعْمِد لاتهامه بالقصور وتشكك وبشكل استباقي في اختياراته مثلما شكّكت من قبل في ثورته، هؤلاء يتفننون في تسييج العملية السياسية بأسلاك من القوانين الشائكة ويرصون الألغام حول استحقاق 24 جويلية ويتعاملون مع الشعب كقطيع من القُصّر لا ندري من أين جاؤوا بصكوك الوصاية مثلما لا ندري لماذا تبرأوا بالأمس القريب من الجماهير إبان محنتها مع الطاغية ثم كيف ولماذا اليوم يتزاحمون على استخراج بطاقات التبني لشعب بلغ من الرشد ما خول له ممارسة الأبوة على بقيّة الشعوب وهو يصرف لها من رصيد تجربته الرائدة، يريدون الوصاية على شعب يعلّب عزّة الياسمين ويصدّرها إلى الصين لينمي مدّخرات البلاد واحتياطها من الأنفة والكرامة.


فيا أيّها الذين يغيبون في ميادين الملاحم ويحضرون في ولائم اللحوم كفوا عن التسكع السياسي وانتبهوا من العياء الفكري واخرجوا إلى الشارع وتقرّبوا من الناس لعلّها تلفحكم رائحة الحياء وتهب عليكم نسائم الأدب فتتأدبوا مع شعبكم وتنخرطوا في السلوك السياسي القويم وتتخلصوا من ربقة الخوف تجاه الآخر، فالانشغال بالفعل يحجم الخوف والمنافسة النزيهة تجهز عليه

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©