نصوص

الترخيص للأحزاب في تونس أولى ثـمرات الانتـفاضة

أولى ثـمرات الانتـفاضة في تونس صدور التراخيص الرسـمية لبعض الأحزاب السياسية، ومن الأمور التي لا يـخـتلف فيها اثنان أن الأحزاب هي أعظم نصيـر للتقدم والعمران، لذا، ما نرى من بلاد سرى فيها روح التمدن العصري، إلا وانتشرت بين المواطنين الأحزاب على مـختلف عقائدها وتفاوت أهدافها، تتـعاضد وتتـضافر على إعلاء شأن المـجتمع الإنسانـي. وجدت الأحزاب في أوروبا في القرون الوسطى عندما شعر الإنسان بـحاجته للوحدة مع أخيه الإنسان في الوطن الذي يـجمعهما بـهدف التوصل إلى معرفة حقائق العلوم التي بواسطتها يتم إصلاح أوض

0
13 فبراير 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

أولى ثـمرات الانتـفاضة في تونس صدور التراخيص الرسـمية لبعض الأحزاب السياسية، ومن الأمور التي لا يـخـتلف فيها اثنان أن الأحزاب هي أعظم نصيـر للتقدم والعمران، لذا، ما نرى من بلاد سرى فيها روح التمدن العصري، إلا وانتشرت بين المواطنين الأحزاب على مـختلف عقائدها وتفاوت أهدافها، تتـعاضد وتتـضافر على إعلاء شأن المـجتمع الإنسانـي.

وجدت الأحزاب في أوروبا في القرون الوسطى عندما شعر الإنسان بـحاجته للوحدة مع أخيه الإنسان في الوطن الذي يـجمعهما بـهدف التوصل إلى معرفة حقائق العلوم التي بواسطتها يتم إصلاح أوضاع مـجتمعهما.

والأحزاب في أوروبا تضم خليطاً من رجال ونساء يتشاركون بآرائـهم ومشاريعهم المفيدة للبلاد، ويتم ذلك بدعوة الأعضاء القانونيين للاجتماع في مكان مـحدد يتباحثون فيه طويلاً، في جلسات متـعددة، الأفكار والـخطط التنظيمية التي بواسطتها يـميزون بين النافع وبين الضار للبلاد وللعباد، وكان للنساء الممتازات مقاماً رفيعاً بين قادة الأحزاب في تلك الأمم المتمدنة.

كما اشتـهرت الأحزاب في أوروبا بـخططها المتنوعة الاختصاص في معظم الميادين الـحياتية،  واشتـهرت أيضاً بأنظمتـها الـجامعة للقوى المتفرقة، فهي منذ نشأتـها حتى يومنا هذا، تقيم المعسكرات التدريبية للشبيـبة من أجل تقوية مناقبهم الأخلاقية والـجسدية، وتشيّد الـجامعات والأندية باسـمها، وترعى المبدعين في العلوم والفنون، وتنشئ المؤسسات التجارية والإنـمائية، وتبني المدن السكنية الـجديدة، وفي مثل هذه الأنشطة تُـحسن في سياستها فـتزدهر فروعها في المناطق، وتزيد من استنارة العقل وتغيّـر العادات، وتـجـمع الأفكار والقلوب والسواعد حتى أصبحت تباري الدول بـمشاريعها الفكرية، الاقتصادية ، العسكرية والسياسية، ولا عجب إذا رأينا اليوم أن الأحزاب تـحكم أكـثر الدول الأوروبية.

أمّا نشأة الأحزاب في بلادنا العربية قبل القرن التاسع عشر فقلّ ما أنبأنا عنها التاريخ، بيد أنّه ما من أحد تصفح تاريخ العرب ووقف على ما كانت عليه الأحزاب زمن بني أمية، لـحكم على الفور بأنّه كانت هناك أحزاباً مـختلطة من الرجال والنساء تتخذ أهداف الدين الإسلامي غطاءً لمشاريعها الدينية، السياسية والاجتماعية، وتعتمد على الأدب والشعر والفنون كوسيلة لتحقيق أغراض وأهداف الـحزب، وكان للنساء أدواراً عظيمة في تلك التنظيمات الـحزبية.

على سبيل المثال لا الـحصر، كلنا نعلم ما كانت عليه النساء من الاحـترام عند الرجال، والإجلال الذي كان يقارب العبادة لسمو مراكزهن الأدبية، ففضلاً عن أنـهن كن قدوة في العفة، والاهتمام بشؤون بيوتـهن، كن يـمثلن للناظر في هدوهن ووقارهن عقيلات الرومانيات، أو نساء الغرب اليوم.

النساء كن يتقاطرن إلى المساجد ليسمعن خطب الـخلفاء والعلماء، ويتـعلمن الفقه والتفسيـر، ولم يقتصرن فقط على قواعد الشريعة، والأحاديث النبوية، بل رغبن في توسيع معارفهن فدرسن الشعر وفنون الأدب ، وبرعن في ذلك حتى صرن ينظمن الشعر، ويـخطبن الـخطب مثل أعظم الشعراء والـخطباء.

وقد جـعلت الممتازات منهن بـمعارفهن كسكينة بيوتـهن مراكز للأحزاب، حيث يـجتمع فيها الشعراء والعلماء، رجالاً ونساءً، ويـحيين مـجالسهن بـمناشدة الأشـعار والمباحثات العلمية والسياسية.

 مـما تقدم نستدل على أن المراكز الـحزبية المـختلطة ، كان الرجال والنساء ينتابونـها غيـر أنـها كانت تدعى بأسـماء النساء لأنـهن  قد أنشأنـها في بيوتـهن ودعين أهل الفضل للاشتراك معهن في المـجالس التي كان يتساوى فيها الرجل والمرأة، الرفيع والوضيع.

وكانت الغاية من تلك الاجتماعات بالإضافة إلى نشر راية العلم وتعزيز لغة الأعراب، استـعادة أدواراً سياسية انـتزعت منهم بالقتل والدسائس والفتن والـحروب.

وقد انـحطت منـزلة الأحزاب من ذلك الـحين، وأصبحت لا أثر لـها تذكر حتى أواخر القرن التاسع عشر حيث وافانا الاستـعمار الغربي بأحزاب تابعة له لبث مبادئه في ديارنا العربية.

         في أوائل القرن العشرين ذهب بعض مفكري الغرب وساستـهم إلى أن الأحزاب المنظمة بين شعوب العالم العربي مستـصعبة ، لا بل مستـحيلة نظراً للتناقض السائد بين بقايا الأقوام التي سكنـته، والاختلاف المنتشر بين أديانـهم وعقائدهم الثقافية والاجتماعية.

         وقد تبع أولئك المفكرين والسياسيين نفرٌ من أولياء الأمر في داخل عالمنا العربي، وخارجه، وأيدوا مذهبهم توصلاً إلى بعض مآرب لا تتم لـهم إلا بتأييد الـخلاف، وبقاء الشعوب على ما هي عليه من الفوضى الفكرية، والبلبلة السياسية والاجتماعية، وقد أرادوا بذلك أن ينكروا على عالمنا كل قابلية للنظام، وكل استـعداد للوحدة والتقدم والإصلاح، ناسين ما للشعوب الـحيّة من التأثيـر، وفعلها في تنظيم القوى المتفرقة لإزالة كل خلاف وشقاق متى أرادت أن تـتـحرر.

         كلنا نعترف بتأخر أحزابنا التونسية بالنسبة لباقي الأحزاب في الدول المتمدنة،  خاصة تلك التي تنفرد بـحصر نشاطها ضمن الاتـجاه الديني الواحد، أو القومي العربي، أو الأمـمي، وتلك التي جلّ غايتها إقامة المهرجانات الـخطابية وحشد الـجماهيـر لتقوم بـما عليها من واجبات الطاعة نـحو السلطة الـحاكمة طمعاً باكتساب النفوذ.

 وكلنا نتنصل من تبعة الأحزاب الـحاكمة التي تتـعدى على الناس، وتسلب حقوقهم ، وتستولي على الثروات الطبيعية معتقدة أنـها بـهذا العمل لا تؤثر شيئاً في عمران البلاد.

إنـما نعلم تـمام العلم أن تونس بـحاجة ماسة إلى أحزاب نـهضوية متـعددة تسعى في رفع الـحواجز الدينية، الاجتماعية، الاقتصادية والفكرية من بين جـميع فئات الشعب وتقنعهم أن نـهضة بلادهم لا تقوم إلا بالاتـحاد في جبهة عربية واحدة تعمل على أن مصلحة تونس فوق كل المصالـح. كما عليها أن تـحدث انقلابات في العقول والقلوب والسواعد من أجل تـجديد شباب بلادنا، وإحياء معالم تاريـخنا المضيئة.

وأجيال تونس الناهضة تفهم أن ناموس الأشياء في التنظيمات الـحزبية تبتدئ صغيـرة وتنتهي عظيمة خطيـرة إذا بذلت في تقدمها وإنـمائـها ما تـحتاج إليه من الـجهد المتواصل، ومن ضبط حال قوانينها بدقة واهتمام من مدبري شؤونـها.

         هنا، أريد أن لا أبـخس بعض الأحزاب المعاصرة في تونس حقها في التنـظيم والإصلاح والتقدم، إنـما هذه الأحزاب نادرة، والنادر لا يقاس عليه، ولكن لا بأس أن نذكر أن أفضل برهان على أن الروح التي بثتـها تلك الأحزاب النادرة قد أصابت مرتعاً في جسم بلادنا، وأحيته حياة جديدة أمنت معه خطر الموت الذي كان يـهدد البلاد .

         وقد جاء اليوم الذي سيـعلم به شعبنا الأبي أن الأحزاب المنـظمة هي حاجته الأولى، وبـها سعادتـه ومـجد مستـقبله، وسيفقه معنى الغاية التي وجدت لأجلها الأحزاب، وسوف يسرع بالانتماء إليها اغتناماً للراحة والسلام اللذين فقدهما زمناً طويلاً في فوضى وتـخلف " المـجاهد الأكبـر"  واستبداد الطاغية بن علي " زين الـهاربين".

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©