البلاد العربية : زمن الثورة ، نداء الى الحياة : محمد علي الشحيمي
انطلقت شرارة الثورة في تونس كما هو معلوم لدى التونسيين من مجاوزة للسلطات العمومية في حق مواطن من المواطنين . ثم اخذت تلك الشرارة في الاتساع شيئا فشيئا الى ان اصبحت حريقا هائلا مسح جميع ارجاء البلاد ... وهذا معناه ان لا احد كان يدعمها من الاحزاب او الجمعيات ، او المنضمات الاقليمية ، او الدولية ، او الدول الاجنبية ... بل كلها تقريبا كانت تنضر اى ما سيؤول اليه الوضع ، وحتى وقت قريب من سقوط نظام الرئيس المخلوع لم يكن هناك من يجرأ على التفكير او حتى الضن بان المسالة ستنتهي الى تلك النتيجة . وانتهت عل
- 12 أبريل 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
انطلقت شرارة الثورة في تونس كما هو معلوم لدى التونسيين من مجاوزة للسلطات العمومية في حق مواطن من المواطنين . ثم اخذت تلك الشرارة في الاتساع شيئا فشيئا الى ان اصبحت حريقا هائلا مسح جميع ارجاء البلاد ... وهذا معناه ان لا احد كان يدعمها من الاحزاب او الجمعيات ، او المنضمات الاقليمية ، او الدولية ، او الدول الاجنبية ... بل كلها تقريبا كانت تنضر اى ما سيؤول اليه الوضع ، وحتى وقت قريب من سقوط نظام الرئيس المخلوع لم يكن هناك من يجرأ على التفكير او حتى الضن بان المسالة ستنتهي الى تلك النتيجة . وانتهت على اية حال ، انتهت بمفاجأة سرت التونسيين حتى سالت دموع الفرحة مدرارا من جميع عيون الاحرار ... انتهت وتفاجأ التونسيون ان لا احد كان يقود ثورتهم ، ولا احد كان يوجه مسارها ولا احد يملي شروطها انما كل ما في الامر ان ما ينطق به النظام حينها كان اقل ، بل اجهل مما يجب ان يتخذه من قرارات حكيمة بداية من عدم سؤال الرئيس عن المواطن الذي اشعل في نفسه النار مرورا بلجوئه الى الصمت لايام متتالية ، وخروجه لاستقبال احد السباحين في المطار ، والبلاد تحترق ، ثم ارسال عصابات التخريب في الجهات المنكوبة ، وخروجه علينا بالوعيد والحزم الشديد ، وفي النهاية ... يصارح المواطنين بانه لم يكن على علم ، وبانهم "غلطوه" ، اي زيفوا له الحقائق ... اذا هذه الاجراءات الخاطئة ما كانت لتنقذ النظام ، بل كانت تزيد في تعرية فضائحه وكشف صورته البشعة لدى من كان يتسامح الى حد ما حتى لا يصيبه الاذى ، وحتى لا تسود الفوضى ، وحتى لا تزيد الغطرسة ويتحول المجهود الوطني الذي بذل طيلة عدة عقود الى رماد ... هذه الفضائح وردود فعل السلطة الرعناء هو ما عجل في نهايتها ، واجتثاثها من الاعماق ... ليتشمم التونسيون الحرية بعد خمسين سنة من الصبر ، والتحمل ، والجلد ، والتسامح المفرط احيانا ، وليفكروا جميعا في شكل النظام المناسب لهم ، فيما يمكن ان يضمن لهم حقوقهم كمواطنين فعليين ، لا كمكلفين ومجبرين على السمع والطاعة داخل حدود البلاد وخارجها ...
ان هذه التجربة في واقع الامر قد جعلت البلدان المعنية في المنطقة العربية ، والبحر المتوسط تضع يدها على صدرها خشية ان يصيبها من العدوى ما اصاب النظام التونسي السابق ، من مصر الى الجزائر والمغرب ،ومورطانيا ، وسوريا والاردن ، واليمن والسعودية ، وليبيا والعراق والسودان ، والبانيا ، وايطاليا واليونان ... وتراوحت ردود الافعال بين ان يسرع احدهم الى تقديم نموذجه الاخضر ويعطي رايه في زين العابدين بانه القائد الافضل لتونس في تاريخها الماضي والمستقبل ، وبين فتح مخزن السلاح المتوفر لديهم كي يستعمل لقمعنا ، وبين الجري وراء الاعلان عن تجميد الارصدة ، والممتلكات ، والاعتراف بمن حل محل الراحل ، والاعلان عن تقديم المساعدات المالية ، هبات وديون ، ثم اسراع الوزراء للحج الينا قصد الاطمئنان عن الوضع في البلاد وهم يتصورون ان هؤلاء الناس ليسوا اكثر من قبائل وندالية همجية لا تفرق بين الماء والدم ...
ان هذه التخوفات ، من الثورة التونسية ما كان يمكن لها ان تحصل لو كانت الانظمة السائدة في المنطقة شريفة ، لو كانت حازمة في آداء الحق الى اصحابه دون تمييز طبقي او فكري او علمي او جنسي ، او ديني ، او عمري ... لو كان المخالف يوقف عند حده في الابان ، والمتجاوز يردع عند المجاوزة ، والمجرم ينال جزاءه كائنا من كان ، وفق القانون والعرف ، والشرع ... لو كان القائم على شؤون الدولة يرعى حق الناس وحق نفسه وينضر في المدعي والمدعى عليه سواء بسواء ما كانت لتسري الى نفوسهم ذرة خوف ، بل كانت شعوبهم التي يقومون على شأنها ستزيد في الالتفاف حولهم لا رياءا ، ولا تملقا كما يحصل الان ...
لا نقول ان على الحكام ان يكونوا عزيزين (اشتقاقا من عمر ابن عبد العزيز ض) ولكن ليسالوا انفسهم وحواشيهم ، والمسؤولين السامين في الادارات ، من اين لهم كل تلك الاموال والارصدة ، هل كانت اجورهم الشهرية لمائة او مائتي سنة تكفي لمراكمة تلك الحزم الضخمة ؟ ليتساءلوا لماذا لا تتحسن حياة الناس في معيشتهم ، وفي شعورهم بكرامتهم رغم مرور السنوات الطوال من العمل وبرامج التنمية ، والمساعدات ، والديون الخارجية ... لماذا ان كانت هناك معارضة في البلاد لاتزال تردد نفس المطالب ، ولماذا لاتزال في اماكنها لا تنمو بل قد تنحدر في كثير من الاحيان ، وبكلمة واحدة ما الداعي لان يبقى البلد فقيرا مع ان عقودا قد مرت منذ الاستقلال ؟؟
السادة الرؤساء والمسؤولين يقدمون انفسهم عن جهل بانهم الوطنيين الوحيدين الغيورين على بلدانهم ، وبانهم الوحيدين القادرين على تصريف شؤون الحكم وجلب المصلحة للشعوب وان تنحيهم ليس اكثر من خيانة لمن ائتمنهم عليها ... من قال انها خيانة غيرهم من زين العبدين الى مبارك ، الى عبد الله صالح ، الى القذافي ... هل قال شعب واحد من شعوبهم انها خيانة ؟ بل كل شعب رأى انه واجب وطني ... كما الصعود الى الرئاسة في مرحلة ما واجب ، كذلك التخلي عنها واجب ، بل قد يكون اكثر تقديسا في بعض الاحيان ... اما القتل ، والتشريد ، وتبديد الثروات الوطنية سواء بتدمير المنشآت الاقتصادية ، او المنشآت الامنية ، او الاموال العامة في شراء الاسلحة ، والذخائر فليست الا خيانة للوطن ، وللشعب ، وللقيم البشرية . لا تزيد الا في مراكمة ملفات الجرائم ، وتضييق الخناق على المتمسكين بكراسييهم ... وفي فتح ابواب الجحيم على البلد ، والبسطاء من الناس بعد ان حملوهم اجيالا على الاعناق ، وهتفوا لهم بالحياة والعزة ، عن صدق ، او عن جهل ...
قد يتساءل بعض الرؤساء ، وكثير من المواطنين ، هل لدى هؤلاء القادة ما يخسروه ان تمسكوا اكثر بالكراسي ،،، وهل لديهم ما يربحونه ان ربحوا جولة او جولات الصراع مع شعوبهم ؟ لا شك ان ميزان الربح والخسارة قائم ، ولاشك ان الربح في احدى الحالتين يتجاوز الخسارة بمقادير .... فمن ذلك ان المتنحي طوعا لا يخسر وطنيته (جنسيته الوطنية ) سيجد نفسه مرفوع الرأس كما اي مواطن آخر في البلاد ... سيجد نفسه يتمتع ببعض المال الذي لديه ... سيجد هناك من تحمل عنه المسؤولية الثقيلة ... سيجد من يحميه كمواطن ، او مسؤول سابق في بلده وفي الخارج ... سيجد من يحمي عائلته من التشريد في مناطق العالم ... سيجد من يتحدث اليه حتى في مطبخ منزله ... سيجد من يقول له سيادة الرئيس ولا يستكثرها في شخصه ... سيحافظ على حياته ولا يلقي بها الى التهلكة وهي امانة لديه ... ويكون جدول حسابه امام ربه اقل ذنوبا ،،، واقل مساءلة .
هل يمكن ان يتعض القادة في المنطقة من التجربة التونسية ، والمصرية ، والليبية ؟ هل يمكن ان تكون الافادة اكبر من الخسران ... لعل الوقت ما يزال سانحا في عدد من البلدان ، كي يحاكم القادة انفسهم قبل ان تحاكمهم شعوبهم ، ويختاروا من الحلول ما يضمن كرامتهم وكرامة المواطنين ... وان لا يلقوا على التونسيين ما هم آيلون اليه ، ذلك ان هذا الشعب المتسامح ، لم يسع باي حال من الاحوال الى تصدير ثورته كما شعوب العالم الاخرى ... وان ما يحصل بين ايديهم ليس الا نتاجا لاعمالهم هم .
محمد علي الشحيمي
تونس