الانتقال الدّيمقراطي في مصر: المدّ والجزر
بعد أن أُسدل السّتار على الانتخابات في السودان والعراق دون أن ينتهي الجدل حول ظروفها وانعكاساتها ستعيش المنطقة العربية على وقع التّرتيبات الصّعبة والمعقّدة للمرحلة القادمة في مصر، فالانتخابات الرّئاسية المصريّة تشغل أكثر من طرف داخل مصر وخارجها، وأيّا كان الرئيس القادم فسيكون لتسليم السّلطة أو نقلها أو انتزاعها أو الاحتفاظ بها تداعيات على عمليّات الإصلاح في المنطقة وعلى الحراك القائم مشرقا ومغربا يخفت أحيانا، يتعثّر ويشتدّ أحيانا أخرى بحثا عن أفق للتغيير الذي تعمل أطراف على التّعجيل به وأطراف أخ
- 5 مايو 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
بعد أن أُسدل السّتار على الانتخابات في السودان والعراق دون أن ينتهي الجدل حول ظروفها وانعكاساتها ستعيش المنطقة العربية على وقع التّرتيبات الصّعبة والمعقّدة للمرحلة القادمة في مصر، فالانتخابات الرّئاسية المصريّة تشغل أكثر من طرف داخل مصر وخارجها، وأيّا كان الرئيس القادم فسيكون لتسليم السّلطة أو نقلها أو انتزاعها أو الاحتفاظ بها تداعيات على عمليّات الإصلاح في المنطقة وعلى الحراك القائم مشرقا ومغربا يخفت أحيانا، يتعثّر ويشتدّ أحيانا أخرى بحثا عن أفق للتغيير الذي تعمل أطراف على التّعجيل به وأطراف أخرى على تأخير موعده. فساعة الحقيقة قد اقتربت في مصر، ويأمل الشارع العربي أن تكون مُنصفة بعد إجحاف وأن تتردّد أصداؤها الإيجابية في كلّ العواصم والمدن والأنحاء العربية. فالرّئيس القادم مكتوب عليه أن يحمل صفة المنقذ إذا نجحت المعارضة وقوى المجتمع المدني في اختيار مرشّح لا يكون مجرّد كومبارس بل مرشّحاً ينافس لينتصر وينافس من أجل مشروع لا من أجل الكرسي، ومكتوب على الرّئيس القادم، إن لم يُجدّد مبارك الأب لنفسه، أن يرث تركة ثقيلة هي مشكلات مصر المتراكمة منذ عقود. ويرى البعض وحرب الخلافة على أشدّها أنّ خليفة مبارك بقطع النّظر عن صفته المدنيّة أو العسكريّة وانتسابه إلى المعارضة أو إلى الحزب الوطني الحاكم أو إلى عائلة الرئيس ينبغي أن يحظى بموافقة أميركا وعدم اعتراض إسرائيل. وهو موقف يبيّن إلى أيّ حدّ تتهيّب النّخبة السياسيّة المصريّة من عمليّة أخذ زمام مصيرها بيدها وإلى أيّ حدّ تعلّق مستقبل شعوبها على إرضاء الأسياد الذين ما كان لهم أن يشترطوا علينا أيّ شرط أو يملوا علينا إرادتهم لولا اتّساع الشقّة بين الشّعوب وحاكميها.
في إجابة عن سؤال للقناة التركية الناطقة بالعربيّة حول أزمة المجتمعات العربيّة هل هي أزمة عقل أم فكر أم حريّة أجاب الكاتب المصري فهمي هويدي أنّها بالتأكيد أزمة حرّية لافتا النّظر إلى ثلاثة مستويات لممارسة الحريّة هي ضمان الحقّ في التعبير والحقّ في المساءلة والحقّ في التّداول على السلطة. ولئن تحقّقت بعض الخطوات في مجال حريّة التعبير في بعض البلدان العربيّة فإنّ حقَّيْ المساءلة والتّداول ما يزالان مُصادَرين أو معلّقَين، بل إن السّماح بمقادير من النّقد هو من مستلزمات استمرار السيطرة على الفضاء العمومي واحتكار السلطة والقرار. وللتّعبير عن غرابة المشهد أطلق فهمي هويدي على حريّة التعبير في غياب التداول والمساءلة «حقّ النّباح».
وما قاله فهمي هويدي ينطبق على الوضع المصري، إذ إنّ مصر بلغت مستوى من التعدّديّة الإعلاميّة ومن حريّة التعبير لم تبلغه غالب الأقطار العربيّة إذا استثنينا المغرب وقطر والكويت ولبنان ولكنّها تعدّديّة شكليّة ومظهريّة وزينة خارجيّة، وهي ليست منّة أو هديّة من أحد ولا ينبغي أن نقيس التعدّديّة بعدد الواجهات والحريّة بدرجة التّصعيد اللّفظي وإنّما بسيادة لغة الحوار والشّفافيّة والوصول إلى مصادر الخبر وعدم الاستهانة بالنقد الموضوعي وبوجاهة الرّأي المخالف واعتبار الصّحافة بشتّى صورها سلطة رابعة وركيزة من ركائز النّظام السياسي الديمقراطي القائم على الفصل والتّوازن بين السّلط.
يبدأ التغيير من القمّة أو من القاعدة أو يكون محصول حراكَين أحدهما من الأعلى إلى الأسفل والآخر من الأسفل إلى الأعلى وتكون أداته إرادة الحاكم أو مطلب الجماهير ويسمّى الأول التغيير عبر العرض والثاني التغيير حسب الطّلب، وفي السنوات الأخيرة اشتدّ الطلب على التغيير في مصر وانخرطت فيه أحزاب المعارضة ومنظّمات المجتمع المدني وقد دخلت أطراف خارجيّة -خاصّة أميركيّة- على خطّ التّوتّر بين النّظام ومعارضيه ظنّا منها أنّ الحاجة إلى التغيير هي حاجة إلى الدّعم والاحتضان والتّمويل واعتقادا منها بأنّ الأوضاع العربيّة يناسبها الحلّ الذي جُرّب في أوروبا الشرقيّة وأميركا اللاّتينيّة وأعطى ثماره وهو توسيع شبكة جمعيّات ومنظّمات المجتمع المدني وتفعيل دورها لضمان انتقال سلس من الحكم الشمولي إلى الحكم الديمقراطي. وقد ردّ النّظام المصري على هذا السيناريو بمقاربة التغيير عبر العرض، أي عن طريق الإصلاحات الدستوريّة والسياسيّة المتدرّجة والتحكّم في التدفّقات والتأثير من داخل المجتمع المدني نفسه عبر دعم أطراف والتّمكين لها وعرقلة أطراف أخرى. ولكن بقيت أمام المعارضة معادلة صعبة وهي كيفيّة تعزيز الطّلب على الديمقراطيّة مع إبعاد شبهة الاستقواء بالأجنبي والحفاظ على استقلاليّة القرار مع درء تُهمة عقد صفقات مع أجنحة معيّنة في السلطة.
ويزداد الحديث عن الصفقات والولاءات مع اقتراب مرحلة وضع اللمسات الأخيرة لسيناريو المرحلة القادمة (التجديد– التوريث– التداول) ولا يخفى أن لدى بعض الأطراف ارتباطات وثيقة بجماعات ضغط ومراكز قرار وتأثير خارج مصر، وهي لا تتردّد في الاستنجاد بها لدعم مطالب فئويّة وطائفيّة أو ثقافيّة أو للتأثير على سياسات قد يستفيد منها التيّار السّائد. كما أنّ القوى الفاعلة في الدّاخل بينها من التّناقضات ما يكفي لإغراء بعضها وخاصّة ضعيفها بالقبول بحلول بقياس المصالح العاجلة لا المبادئ والثّوابت.
يدخل النّظام المرحلة القادمة بقوانين تمنحه امتياز الاختيار والقرار وتُضيّق على خصومه هامش المناورة والاختيار وتضع في طريقهم حزمة من الشروط التّعجيزيّة التي تجعل كامل الأوراق والخيوط بيد الحاكم الفعلي لكنّ أمام الإحراج الدولي ومشروعيّة المطالب وخطورة الانزلاق في المحظور مثل دعوة إطلاق النّار على المتظاهرين ومحاولة تفادي الأخطاء القاتلة من شأنها أن تجعل القبضة الأمنيّة ترتخي نسبيّاً، وإذا كانت الأولوية هي الحفاظ على السلطة فستكون كل الوسائل جائزة بما في ذلك المناورة والقمع والتدليس أمّا إذا كانت الأولوية إحداث نقلة ديمقراطية وتحسين صورة مصر وإحياء دورها الرّيادي في المنطقة فإن التنازلات المؤلمة ستكون ضرورية ويبقى السؤال مطروحاً: هل تحقق الصفقات ما لا يمكن أن تأتي به الانتخابات؟ وماذا سيكون ثمن تجاهل الطلب المتزايد على الإصلاح الديمقراطي خاصة بعد أن أثبتت سياسة العرض حدودها؟
تأتي مشروعية السؤال مما لاحظناه من دخول البرادعي السباق على الرئاسة في فترة تزايد فيها القلق والتخمينات حول صحة الرئيس حسني مبارك، فقد بعث البرادعي الأمل في إمكان تغيير المعادلة وتحريك الأوضاع باتجاه إصلاحات جوهرية تسبق الانتخابات القادمة وتعقبها، ولكن دخول البرادعي بقدر ما كشف عورات الحالة الراهنة في مصر غطّى على تعقيداتها ومصاعبها ويُخشى أن يساهم في تفويت وقت ثمين على المعارضة للَمْلَمَة صفوفها وتوضيح إستراتيجياتها فلا يكون دخوله المعترك سوى نفحة أكسجين تنعش الجسم المريض وقتيّاً قبل أن يدخل في غيبوبة.
إن ازدياد الطلب على الديمقراطية في هذا الطور الحاسم من تاريخ مصر ينبغي أن يصحبه إصرار على النّضال يحسّن العرض ويكسر آلة القمع ولم لا يلوي ذراع القوى الرّافضة للتّغيير ويحسّن شروط المنافسة النّزيهة. فالدّيمقراطية هي أمل مصر وطريقها للتّصالح مع ذاتها ومع محيطها.