نصوص

الانتصار للهوية في انتظار الفصول التطبيقية

كلما توفرت الفرصة للشعب العربي المسلم ليختار بحرية إلا واختار الهوية العربية الإسلامية. ورغم المحاولات العديدة والمتتالية لسلخ هذا الشعب عن تاريخه وفصل روحه عن جسده وتخديره وإدخاله في نوم عميق، إلا أنه وفي كل مرة وبمجرد أن تمتد يد الأحرار إليه بكل رفق لتوقظه إلا وعادت إليه روحه بسرعة واستيقظ مع الفجر لاستقبال فجر جديد. في سنة 1990 انتصرت الهوية العربية الإسلامية في الانتخابات الجزائرية وانتصرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بـ 55 % في الدورة الأولى وكان ينتظر أن تحصل على نسبة 85 % في الدورة الثانية ول

0
3 نوفمبر 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

كلما توفرت الفرصة للشعب العربي المسلم ليختار بحرية إلا واختار الهوية العربية الإسلامية. ورغم المحاولات العديدة والمتتالية لسلخ هذا الشعب عن تاريخه وفصل روحه عن جسده وتخديره وإدخاله في نوم عميق، إلا أنه وفي كل مرة وبمجرد أن تمتد يد الأحرار إليه بكل رفق لتوقظه إلا وعادت إليه روحه بسرعة واستيقظ مع الفجر لاستقبال فجر جديد.

في سنة 1990 انتصرت الهوية العربية الإسلامية في الانتخابات الجزائرية وانتصرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بـ 55 % في الدورة الأولى وكان ينتظر أن تحصل على نسبة 85 % في الدورة الثانية ولكن قوى الردة انقلبت على الشرعية. وبقية القصة معروفة للجميع.

في فلسطين وبعد أن أيقنت قوى الاستكبار العالمي أنه لا يمكن القضاء على المقاومة بالطرق التقليدية التجأت إلى الطريقة القديمة المتجددة المتمثلة في البحث عن قيادات متسامحة تعهد إليها مهمة الاحتلال بالوكالة مثل الذي حصل في تونس وتركيا وعديد البلاد العربية. فرمت للشعب الفلسطيني ببعض المساعدات المالية وأرجأت النظر في القضايا الكبرى مثل القدس واللاجئين والأسرى إلى المفاوضات ثم المفاوضات ولا شيء غير المفاوضات. ولما لم تفلح محاولات الترويض مع الزعيم الرمز ياسر عرفات تخلصت منه ودعمت الجناح المهزوم من حركات النضال الفلسطيني وفرضته في المشهد السياسي بكل الوسائل. ثم دفعت بالجميع لإجراء انتخابات تشريعية بعد ما أكدت لها أجهزة مخابراتها بأن هذا الجناح سيفوز في الانتخابات وبالتالي ستنتزع اعترافا من المجلس التشريعي الفلسطيني بشرعية إسرائيل. ولكن الشعب الفلسطيني العظيم تفطن للفخ المنصوب له وكان في المستوى المعلقة عليه دائما واختار الهوية العربية الإسلامية. ونجحت حماس بنسبة 60 %. ثم حوصرت من الخارج ومن قوى الردة في الداخل. وفي كل مرة تنتصر الهوية العربية الإسلامية إلا وتحاصر من الداخل ومن الخارج.

وفي تونس أظهر الشعب التونسي للعالم أنه مع الهوية العربية الإسلامية. ولو لم تشارك النهضة في هذه الانتخابات لبحث عن حركة أخرى تستطيع أن تحقق آماله في التمسك بالهوية العربية الإسلامية. ولقد أثبت هذا الشعب للعالم أن ثورته التي مثلت مهد الربيع العربي لم تكن صدفة ولم تكن من أجل رفع مستوى المعيشة فقط وإنما بدرجة أساسية من أجل الحرية والكرامة والهوية العربية الإسلامية.

على ضوء ما حدث يمكن استخلاص المعاني التالية:

1) يمكن تفسير تمسك الفلسطينيين بالهوية بأنه لم يتعرض لعملية تخدير ولحملة تغريب واسعة لأنه ببساطة يعيش تحت ظل الاحتلال منذ أكثر من قرن وبالتالي فهو يعيش على وقع الجهاد ومقاومة الظلم منذ ذلك الحين. فالجهاد والمقاومة يلقحانه ضد كل الأمراض المنتمية لفصيلة التغريب والضياع. ولكن الشعب التونسي، الذي تعرض لأكبر عملية تغريب وتخدير وتفسخ وانحلال خلال خمس عقود قل ما تعرض لها شعب آخر، يأكد لنا أن الهوية إذا تمكنت من النفوس فإنها تغدو مثل الجينات الوراثية التي لا يمكن تغييرها مهما تعددت محاولات طمسها. فشجرة الزيتون لا تثمر إلا الزيتون مهما تلوثت البيئة من حولها.

2) بعد تسعة أشهر من الثورة ولأول مرة نجحت الانتخابات في تونس إلى العبور بالشعب التونسي إلى بر الأمان. فحدوث الانتخابات في جو الربيع العربي أسهم في نجاحها وهذا يجعلنا نستنتج أن نسبة النجاح ضمن المجموعة هي أعلى منها ضمن الإطار الفردي. قال الرسول صلى الله عليه وسلم "عليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية".

3) التدرج من أعظم سنن النجاح وتحقيق الأماني. فهذه السنة تجري على الأفراد والجماعات والدول. والجماعات والدول تتكون من بشر والبشر جبلوا على قبول الأشياء بالتدرج. فالقرآن نزل منجما والخمر حرم بالتدرج وأحكام الإسلام فرضت بالتدرج ولولا التدرج لما استوعب الإسلام الكثير من الناس. وأذكر منذ ما يزيد عن العشر سنوات أن الشيخ راشد الغنوشي قال بما يعني : "إن هذا الأمر بمثل خيط طرفه عندنا والطرف الآخر في مكان آخر فإن أبينا إلا سحب كل الخيط مرة واحدة سحب منا ولكن يكفي الحصول في البداية على نسبة 30 %. فبمجرد الإعلان بأن النهضة تحصلت على 41 % نزلت أسعار البورصة ب 1.5 % فماذا لو حصلت على 90 % ؟؟ ربما لحصل لنا ما حصل لأمريكا بسبب أزمة العقارات.

لقد اختار الشعب التونسي الهوية العربية الإسلامية واختار التدرج للرجوع للهوية عندما اختار النهضة لأنها تنادي بذلك. قال الله تعالى : "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون". فالحكم بما أنزل الله يقتضي توفر عنصرين اثنين:

1) القدرة المادية أو العلمية والمعرفية. فاستعمال الحكمة لتطبيقة الشريعة هو عين القدرة. فالطبيب بإمكانه إجراء عملية جراحية لاستئصال ورم. وبإمكانه استئصال هذا الورم عن طريق وصفة دواء يومية لمدة سنة إذا تعذر عليه إجراء العملية لسبب ما. فالعبرة ببرء المريض سواء كان ذلك خلال يوم أو سنة.

2) استعداد الشعب لتقبل أحكام الشريعة. فعمر ابن الخطاب رضي الله عنه أوقف تطبيق حد السرقة زمن حدوث المجاعة لأن الشريعة لا يمكن تطبيقها على شعب خاوي البطن وعطشان ومريض. وكما نعلم يسقط فرض الصوم على المريض حتى يشفى. فالاستعداد البدني والروحي والنفسي شرط أساسي لتطبيق الشريعة. وعليه فلا بد للحاكم أن يسعى لتوفير هذا المناخ وذلك بــ :

أ) العمل على توسيع دائرة الخير: وذلك بالعمل على نشر تعاليم الإسلام وقيمه. قيم العدل والمساواة والتحابب والتآخي والتكافل والفضيلة والحياء، في كل الفضاءات الدينية والثقافية والتعليمية والعامة...

ب) العمل على تضييق دائرة الشر : وذلك بالتشهير بالفساد وبيان مضاره. فالإسلام لم يحرم الرق ولكن حاصره بنشر قيم المساواة والتآخي وبعتق الرقاب عند ارتكاب المعاصي. وكخطوة أولى على درب حصار الفساد توفير حلول متنوعة لعديد المسائل كما قال الشيخ راشد الغنوشي : "لماذا يفرض على الناس نمط واحد من الحياة ؟". فلماذا يعرض ويفرض على الشعب المسلم كل الخيارات المحرمة ؟

كما لابد من الإشارة إلى أن تبني نمط معين مخالف لتعاليم الإسلام لا يعني إشاعته بين الناس. فليس من حق زيد من الناس مثلا أن يخرج على الناس في الطريق العام أو في التلفزة الوطنية في هيئة تخدش الحياء بدعوى حرية التعبير. فالتلفزة الوطنية والفضاءات العامة هي ملك للجميع ولا يجب السماح لأحد أن يلوثها. فالذي يريد أن يسكر أو أن يتعرى فما عليه إلا أن يغلق بابه ويفعل ما يريد فربه أعلم به.

عشرون سنة من السجون والمعاناة والحصار والمنافي والغربة والاحتكاك بالغرب كانت كافية لكي تعيد الحركة الإسلامية ترتيب الأولويات وطرح المسائل بطريقة جديدة بما يسمح لها من أسلمة المجتمع بالحسنى وبالتدرج المريح ودون التعرض للمضايقات. فكم يكفي من الوقت لأسلمة المجتمع لكي يخرج الشعب وينادي "الشعب يريد تطبيق الشريعة" ؟

منجي المازني

تونس

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©