نصوص

الاقتصاد الإسلامي بين الحقيقة والخيال

الاقتصاد الإسلامي بين الحقيقة والخيال د.خــالد الطراولي لعل من أكبر مستجدات القرن الماضي في مستوى التنظير الاقتصادي بروز فكر جديد على الساحة لم يحمل مرجعية الموجود وفاجأ الجميع بمكوناته ومصطلحاته. لقد مثل الإقتصاد الاسلامي ولا يزال هذا المجهول الذي طرق الباب دون استئذان حاملا معه أسراره وآلياته وحلوله وأهدافه، ووجمع حوله كثيرا من الاستفهامات والتساؤلات، وحيث تشابكت السياسة والاقتصاد على وقع خطوات، بعضها يحمل عناوين الريبة والتوجس، والبعض الآخر يحمل لافتات الأمل والطموح... فكان الاقتصاد الإسلامي

0
16 يناير 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

الاقتصاد الإسلامي بين الحقيقة والخيال
 
د.خــالد الطراولي
 
لعل من أكبر مستجدات القرن الماضي في مستوى التنظير الاقتصادي بروز فكر جديد على الساحة لم يحمل مرجعية الموجود وفاجأ الجميع بمكوناته ومصطلحاته. لقد مثل الإقتصاد الاسلامي ولا يزال هذا المجهول الذي طرق الباب دون استئذان حاملا معه أسراره وآلياته وحلوله وأهدافه، ووجمع حوله كثيرا من الاستفهامات والتساؤلات، وحيث تشابكت السياسة والاقتصاد على وقع خطوات، بعضها يحمل عناوين الريبة والتوجس، والبعض الآخر يحمل لافتات الأمل والطموح...
 
فكان الاقتصاد الإسلامي واقعا حيا تنقل بين دفوف الكتب والمجلات وبين أروقة المراكز والجامعات وحملته بعض التجارب والتحديات، لم يكن تعديلا أو ترقيعا للاقتصاد الرأسمالي فيكون مدرسة من مدارسه، ولا تلفيقا أو توفيقا له حتى يكون حلا صوريا لأزماته المتفاقمة، ولا هو تعويضا للاقتصاد الماركسي بضفتيه الشيوعية والاشتراكية فيكون بديلا لفشله ,وإنما هو تركيبة أصيلة تستقي آلياتها ومصطلحاتها وأهدافها من مرجعية مقدسة مغروسة في التاريخ والجغرافيا ومن اجتهادات نوعية امتلأت بها خزائن تراثها فعلا ونظرا. فلم يكن الاقتصاد الإسلامي منبتا عن واقعه التاريخي ومسقطا على أرض غير أرضه، و لكن يعيش حياة الأجداد والأحفاد وينظر نظرة التعارف والتناظر السليم مع إنجازات الجيران وما طورته الإنسانية ولا تزال من جديد مستقيم لخدمة الصالح العام، شعاره في هذا الباب الحكمة ضالة المؤمن متى وجدها فهو أحق بها، "ويا أيها الناس إنما خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا".
 
والاقتصاد الإسلامي باستناده إلى مجموعة من القيم والفضائل التي تشكل أسسه تجعله يتميز عن المهيمن طرحا، ويقدم حلا إنسانيا وأخلاقيا شاملا لأزمات العالم المعاصر، بما يحمله مشروعه من مزايا وإيجابيات وقدرات، تستطيع التصدي للمآزق وبناء الحلول الجادة والفعالة. ولعل منجزاته الأخيرة عبر طرحه المصرفي المثالي للخروج من الأزمة الكبرى التي هزت العالم في بداية هذه الألفية والتي شهد على أهميته في مجال الصيرفة والمعاملات البنكية أناس من غير أهله، خير دليل لما يحمله مشروع الاقتصاد الإسلامي من خير وبركة وحلول لأزمات العالم الحديث.
 
الاقتصاد الإسلامي حقيقة ولا شك، ولكن الطريق لا يزال طويلا لإثبات وجوده والمساهمة بأكثر فعالية وحضور، وهذا يتطلب مزيدا من الثقة في النفس التي تستلزم العمل والمثابرة وصناعة الحدث فكرا وعملا، كما تدعو بكل إلحاح إلى تجاوز الكتابات العامة في هذا المجال التي أخذت الكثير من الوقت، والغوص أكثر في التفاصيل وخاصة في باب الاقتصاد الكلي والحدي.
 
ويبقى عامل التميز والإضافة المرجوة منه هي السبيل للبقاء والتواجد الفعلي، ولا نخال هذه الإضافة النوعية ممكنة من غير استجابة الفاعلين من رموز ورواد وعاملين إلى سلوكيات أخلاقية رفيعة، ومن تكوّن المشروع حول حقيقة ملزمة وأساسية وهي منظومة القيم الحازمة، والتي تنحو بالجميع نحو اعتبار الاقتصاد الإسلامي أداة ووسيلة لارتقاء الإنسان نحو الأفضل، نحو المطلق وهو عبادة الله، حيث بتجلى الفضاء الإنساني إجمالا  كفضاء عبودي بامتياز، و أنه يحوي كل الفضاءات الأخرى، من اقتصادي واجتماعي و سياسي و ثقافي. وأن هذه الفضاءات يجب أن تُهيأ و تُحدد و تُبنى من أجل تيسير و إعانة الإنسان على تحقيق عبوديته الكاملة لله.
 
إن جاهزية الاقتصاد الإسلامي غير متوفرة اليوم  وهي ولا شك تعبيرة غير محببة وغير مقبولة، ولكنها اعتراف بعظم المسؤولية وثقل الحمل وحاجة الثغور ومطلب الناس، إلا أن تقدم الاقتصاد الإسلامي ودخوله موطن الكبار واستجابته الفعلية للتحديات، يبقى رهين العامل السياسي الضاغط على أكثر من باب، فحضوره مرتبط بتبنيه بكل وضوح من أكثر من حكومة ودولة، ونجاحه مرتهن بحسن التفعيل والتدبير والتنزيل بين نظر مستقيم وواع وبين واقع يحمل تحديات متسارعة ومستحدثة.
 
ملاحظة : هذا جزء من مقدمة كتابي الصادر حديثا "رؤى في الاقتصاد الإسلامي"

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©