الاغتيال الفرعوني
كتبه عبدالحميد العدّاسي لمّا فكّر الفراعنة (*) في اغتيال إخوانهم القاطنين في غزّة المحاصرة بسور اسمنتي، عنصري المبدأ يهودي التخطيط صهيوني الحاجة أمريكي الصنع، نظرت إلى غزّة فوجدتها قد فُقِدت واستولي عليها خلال حرب 1967، تلك الحرب التقييمية لما يسمّى بـ"العرب" (والعرب منهم براء) حيث أظهرتهم جبناء فاشلين كاذبين منافقين ولكنّهم متمسّكين بـ"السيادة"... تلك "السيادة" التي أنستهم الكثير من المصطلحات لعلّ منها على وجه الخصوص: الرّجولة والغيرة على العرض وعلى الأرض وعدم التسليم بالهزيمة وعدم الخضوع والخن
- 26 ديسمبر 2009
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
كتبه عبدالحميد العدّاسي
لمّا فكّر الفراعنة (*) في اغتيال إخوانهم القاطنين في غزّة المحاصرة بسور اسمنتي، عنصري المبدأ يهودي التخطيط صهيوني الحاجة أمريكي الصنع، نظرت إلى غزّة فوجدتها قد فُقِدت واستولي عليها خلال حرب 1967، تلك الحرب التقييمية لما يسمّى بـ"العرب" (والعرب منهم براء) حيث أظهرتهم جبناء فاشلين كاذبين منافقين ولكنّهم متمسّكين بـ"السيادة"... تلك "السيادة" التي أنستهم الكثير من المصطلحات لعلّ منها على وجه الخصوص: الرّجولة والغيرة على العرض وعلى الأرض وعدم التسليم بالهزيمة وعدم الخضوع والخنوع للعدوّ وعدم مصالحته قبل دحره ناهيك بالجلوس معه وتقبيله والرقص معه والسباحة معه والتخطيط معه ضدّ الولد والأخ والأخت والعشيرة... وقد عانت غزّة وأهلها منذ ذلك التاريخ الأمرّين كما عاني إخوانهم في القدس والضفّة والجولان وسيناء – المضحّى بهم في ذات المناسبة – وقد تعرّضوا كلّهم إلى الكثير من الذلّ أو محاولات الإذلال والعنت... حتّى كانت رجعة منهم إلى ربّهم وإلى دينهم أكّدت عندهم ووثّقت أنّ الخالق والرّازق والنّافع والضّار هو الله سبحانه وتعالى ولا أحد غيره، فانطلقوا يباشرون بوسائلهم المحدودة هذا اليهودي الذي أخبرهم قرآنهم عن جبنه وعن الشقاق بينه وبين أخيه وحتّى بينه وبين نفسه، فاستكثروا - وهم يكتشفون تلكم الحقائق (جبن اليهود وتفرّقهم) - تخاذُلَ جيوشِ أمّتهم الذين أسلموهم سنة 1967 وحمق قادتهم الذين طوّعوهم للعدوّ وتركوهم لهم سنة 1967 أكلة سائغة، ثمّ ما لبثوا أن استنكروا هوانهم الذي تجاوز كلّ الحدود...
نظر أهل غزّة إلى ماضيهم فوجدوا شموخا تدانيه منارات تحاذيها شموع مضيئة: وجدوا محمّدا بن عبدالله صلّى الله عليه وسلّم بجوارهم هناك في بيت المقدس يصلّي بالأنبياء عليهم السلام ذات ليلة من ليالي الله، ورأوه يُعرَج به إلى السماء في إكرام استثنائي خاصّ به من ربّ العزّة وألفَوْه يأتيهم منها بعماد الدين الصلاة، ففهموا من المشهد ذلك، قيمة المقدس وبيت المقدس ومدينة القدس، وفقهوا مسؤوليتهم والمسلمين جميعا في الحفاظ عليها وعلى الأرض المباركة حولها محافظتهم على الصلاة.. ووجدوا عمر بن الخطّاب – الفاروق – يمشي بثيابه المرقّعة وهو يسحب الجمل الذي كان خادمه يركبه وعنده المرحِّب به الصحابي الفاتح أبو عبيدة بن الجرّاح، فسمعوه يقول قولته الشهيرة - وهو يهمّ باستلام مفاتيح بيت المقدس من البطارقة والمطارنة النصارى – في ردّ فعل على همسة أخيه أبي عبيدة لأجل ثوبه المرقّع: "لو أنّ غيرك قالها كنا في جاهليةجهلاء وضلالة عمياء وإنما أعزنا الله بالإسلام, ومهما نبتغي العزة بغيره أذلناالله." ففهموا أنّ النكسة كلّ النكسة والذلّ كلّ الذلّ إنّما كانا بسبب ابتغاء العزّة بغير الله، وفقهوا أنّ لبس الفاخر من الثياب والمعصفر منه كثيرا ما أخفى أبدانا قد يكون الحكم فيها عدم الستر، وقد علموا أنّ أبدان الأنعام لا تُستَر!... ووجدوا قوما من الصحابة الأجلاّء وأخر من التابعين... ووجدوا السلطان العثماني سليم وانتبهوا إلى السلطان عبدالحميد متمسّكا بكلّ ذرّة من ذرّات فلسطين يمنعها ويمنع عنها الأطماع التي جاءت رديف القومية المتمسّكة بـ"السيادة"... ووجدوا صلاح الدين وعزّالدين القسّام ومصطفى السباعي والشافعي والطبراني والمقدسي وابن قدامة وابن مفلح والعسقلاني والسفاريني والحسيني وغيرهم من الأفذاذ من أهل فلسطين، رحمهم الله أجمعين، ففهموا أنّ العدوّ إنّما يخنس ويتقهقر بوجود أمثالهم... فلمّا عزموا على تقليد ساداتهم من النّبيئين والصحابة والتابعين والعلماء والصالحين... ولمّا بان منهم سلوك يذكّر بسلوكهم ومواقف تصبو إلى مواقفهم..، حاربهم من دونهم من الفلسطينيين إذ رأوهم قد أفسدوا عليهم جلساتهم وحواراتهم مع عدوّهم الذي كاد أن يرتضي لهم دولة تقام على بعضٍ من بعضِ أرضهم التي اغتصبها منهم.. وحاربهم من أسفل منهم من الفراعنة إذ رأوهم قد أفسدوا عليهم صلحهم ودَعَتَهم التي اشتروها بنسيان هويّتهم والمشي على كرامتهم.. وحاربهم اليهود إذ رأوهم يذكّرونهم بترحالهم وعدم أهليتهم للتواجد بين المسلمين لكثرة غدرهم واعتدائهم على المواثيق والعهود...
وقف الجميع ضدّ غزّة كلّ بما يستطيع ينفق ممّا يملك بلا حدود... حتّى إذا أحاط بهم اليهود واليهود الأُخر من البرّ والبحر ومن السماء لم يرض الفراعنة بالقعود فجاؤوهم من تحت أرجلهم يفرغون اسمنتا مسلّحا فاض عن حاجتهم، ليمنعوا عن الغزّاويين تنفّسهم ويحقّقوا هم "سيادتهم"، وذات يوم كما قلت تنازلوا عن أرضهم ووسائلهم وناسهم لحفظ "سيادتهم" (**)...
إذا كان الفراعنة قد سفلوا حتّى ساخت بهم أنفسهم في باطن الأرض لأنّهم قد فقدوا حياءهم، فما الذي يجب علينا نحن فعله كي لا نفقد حياءنا كما فقدوا هم حياءهم!... إخواننا المصريون مطالبون قبل غيرهم بإيجاد الإجابة المقنعة لهذا السؤال إذ أنّهم هم أكثر النّاس تجربة للتعامل مع فراعنة قد فقدوا استعلاءهم... ولقد وقع في نفسي أن لو أراد المصريون العرب النصارى المسلمون الوقوف في وجه الفراعنة لما استطاع الفراعنة إلهاءهم بما يجمعون من حطام أجدادهم (القطع الأثرية زعموا) كي يذلّوا إخوانهم وأبناءهم وأحفادهم، ولهبّوا إلى رفح يبعدون المعدّات المفسدة ومستعمليها، ولما كان ذلك ليعجزهم!...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*): اسم اختاروه لأنفسهم وقد صدقوا مع النّاس ومع أنفسهم في اختياره، إذ ما عاد اليوم شيء يربط حكّام مصر ومنافقوهم بحقبة ما بعد الفراعنة!... وأمّا أهل مصر فهم أهلنا وأحبّاؤنا...
(**): نقل أمين هويدي (تولى رئاسة المخابرات العامة المصرية ووزارة الحربية في عهد جمال عبد الناصر) عن كتاب الفريق أول محمد فوزي (كان رئيسًا للأركان في الجيش المصري أثناء حرب حزيران 1967م.) أنّ الخسائر بأعداد قوة الطيارين كانت 4% و17% من القوات البرية، وكانت الخسائر فى المعدات 85% فى القوات البرية، وكانت خسائر القوات الجوية من القاذفات الثقيلة أو الخفيفة 100%، و87% من المقاتلات القاذفة والمقاتلات، وكان عدد الشهداء والمفقودين والأسرى هو 13600 عاد منهم 3799 أسيرا من بينهم 481 ضابطا و38 مدنيا والباقى جنود وصف ضابط واتضح بعد المعركة أنّ عدد الدبابات مائتا دبابة تقريبا دمر منها 12 دبابة واستشهد منها 60 فردا وتركت 188 دبابة للعدو... قلت: إلى جانب غزّة والقدس والضفّة وسيناء والجولان!... إنّه ثمن "السيادة"!...