الاستبداد هو قاعدة التمكين للاستعمار و فيه هوان الأمة
عاشت النخبة العربية بمختلف توجهاتها حالات متناقضة من الوعي و الممارسة. فأغلبها عاش أشكالا من المدافعة ضد الاستبداد السياسي بأسماءه و تحت رايات مختلفة. و هذه القوى حاكمة أو محكومة، مستبدة أو ضحية الاستبداد تنشدّ إلى تلك الحقبات و تُعيد انتاج الأفكار و المواقف السياسية نفسها. أتاحت الثورات العربية لحركات الإحياء الاسلامي فرصة لتصدّر المشهد السياسي العربي و تقدّم بعضها ليتسلّم مقا ليد الحكم مشاركة و ليس منفردة. و من خلال مسح زمني و جغرافي فالتيار الاسلامي هو أكثر التيارات الذي تعرّض إلى "الهرسلة" و
- 18 يونيو 2013
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
عاشت النخبة العربية بمختلف توجهاتها حالات متناقضة من الوعي و الممارسة. فأغلبها عاش أشكالا من المدافعة ضد الاستبداد السياسي بأسماءه و تحت رايات مختلفة. و هذه القوى حاكمة أو محكومة، مستبدة أو ضحية الاستبداد تنشدّ إلى تلك الحقبات و تُعيد انتاج الأفكار و المواقف السياسية نفسها.
أتاحت الثورات العربية لحركات الإحياء الاسلامي فرصة لتصدّر المشهد السياسي العربي و تقدّم بعضها ليتسلّم مقا ليد الحكم مشاركة و ليس منفردة. و من خلال مسح زمني و جغرافي فالتيار الاسلامي هو أكثر التيارات الذي تعرّض إلى "الهرسلة" و تفننت آلات "الأمن السياسي" برسم صنوف التعذيب و التنكيل بجسد أعضاءه و محبيه.. و لم يكن هناك فرق بين النخب التي حكمت باسم الاشتراكية أو القومية أو الحداثة في تعاملها مع حركات الاحياء الاسلامي. فقد نهشت آلة الأمن الاشتراكي و القومي و الحداثوي كل ما ينبض في الجسد الاسلامي و استعملوا معه أبشع أنواع التنكيل و التعذيب، و معركتهم معه كانت وجودية!. و لم تُفلح تلك النخب غير بناء الأجهزة الأمنية و زرع الخوف و ثقافة الانحلال و الفساد. فحيث ما تُولّي وجهك إلى تلك "الفرق السياسية" أيام حكمها لا تجد غير الانجازات الأمنية و ثقافة القائد- المعلّم الذي يحكم و يتكلّم و يتصرّف باسم الأمة. فهي التي ورثت عقلية الاستبداد المعاصرة و طورتها و سعت إلى تعميمها بسلسلة من الحركات الانقلابية التي هدّمت روح المقاومة في الأمة. فكما تسعى الشعوب إلى محاكمة النُخب الحاكمة اليوم، يجب أن تُحاكم ثقافيا هذه الأفكار و الايديولوجيات المتخصصة في انتاج الاستبداد و يجب تحرير الأمة و العر وبة و الاسلام من أسر أدعياء الاشتراكية و القومية و الحداثوية.
كانت تلك القوى تتمنى أن تتعامل معها حركات الإحياء الاسلامي المتصدّرة للحكم اليوم، بالطريقة نفسها التي استخدمتها هي مع هذه الحركات. إلا أن حركات الإحياء الاسلامي خيّبت ظنونهم و كانت أكثر تسامحا و ديمقراطية و مُنتجة لعقلية التوافق و غلّبت مصلحة الدولة على مكاسب الحزب و حفظت الحرية و جذّرتها و لم تنجر إلى الاستفزازات التي بلغت مدى بعيدا لا يمكن لأي طرف كبح نفسه عن مواجهتها، إلا أن حركات الإحياء الاسلامي ضربت مثلا في المصابرة لم يشهده التاريخ السياسي العربي الحديث. أما فيما يتعلّق بالقضايا المركزية و المصيرية لل أمة فلا يزال أدعياء و منتجي الاستبداد يكيلون السباب و يشكّكون في التزام حركات الإحياء الاسلامي بخيارات الأمة بل يشيع بعضهم من خلال بيانات حزبية إلى أن هذه الحركات هي جزء من مشروع الشرق الأوسط الجديد، و حجّتهم الوحيدة هي انخراط حركات الاحياء الاسلامي مع قوى المعارضة السورية في معركتها ضد أعتى أنواع الاستبداد السياسي العربي. و هذا الاستبداد هو انتاج الفكر الاشتراكي القومي و بالتالي يستهدف وجودهم المادي في الحكم باعتبار النظام السوري هو آخر ما بقي من عنقود الحكم باسم هذه الايديولوجيات.
و تظن هذه الأطراف أنها هي وحدها الوصية على الأمة و هي وحدها التي تدرك المخاطر الوجودية التي تهدّد العرب و هي وحدها التي تملك الرؤية القويمة لمخاطر الاستعمار.. و باسم ذلك حكمت و باسم ذلك زرعت الخوف و باسم ذلك أنتجت الاستبداد و أهدرت الثروة العربية .. لا ينتابني شك في صدقية التيار القومي تجاه قضية الوحدة و فلسطين و لكن الصدقية غير الرؤية و الفعل. ففي جانب الرؤية بقي هذا التيار أسير الايديولوجية اليسارية منذ نشأته رغم سعي بعض أجزاءه للتحرر من هذه الايديولوجية إلا أن هذه المحاولات بقيت أحلام فردية. و نظن أن الخطوة الأولى لعملية التحرر هي التحرر من عقلية القائد- المعلم و عدم السماح للمتاجرة بقضايا الأمة المصيرية بالتغاظي عن الاستبداد. فالاستبداد هو قاعدة التمكين للاستعمار و فيه هوان الأمة و ضياع قضاياها المصيرية و هو ما يصدّقه التاريخ .. و دونه فلا حرية و لا حدة و لا عدالة و لا أمة ..
أما تصوير ما يحدث في سورية بأنه معركة بين مشروعين : مشروع المقاومة و الممانعة في مقابل مشروع الشرق الأوسط الجديد، ففيه من " البلَه السياسي" ما فيه. فحقيقة الأمر هناك ثلاثة مشاريع:
1. المشروع الصفوي – الطائفي : يصوّر نفسه على أنه استمرار لخيار المقاومة و الممانعة. و أن الذي يتهدّد المنطقة و الأمة، يُمهّد له الطريق بسقوط " النظام السوري"، لذا يجب منع هذه الخطوة. و أن من يدعو إلى سقوط النطام هو عميل و وكيل للاستعمار.. و أنهم يتمترسون في صف مشروع الشرق الأوسط الجديد !. و لكن يتغاضى دعاة هذا المشروع عن كل مظاهر الظلم و الفساد المتفشية في النظام السوري في صورة متناقضة: فمع الدعوة إلى دساتير معبّرة عن ارادة الشعوب، شهدنا مع النظام السوري تلاعب بالدستور حتى كان أسرع تغيير دستوري شهده العالم مع هذا النظام و تمخضت عن ممانعته توريثا! و متى تكون حماية ظهر المقاومة بأنظمة كانت وفية لالتزاماتها الدولية تجا ه الكيان الصهيوني ببسط الأمن و صدء أسلحته أكثر ما كانت وفية لشعوبها و كرامتها و التي وجدت في ثورة شعوبها تجاهها فرصة لتنظيف أسلحتها و ملامستها لعلها تستعد للمعركة الكبرى !
2. مشروع الشرق الأوسط الجديد : الذي يعتبر أن أمن الكيان الصهيوني و تفوقه العسكري و اندماجه في اقتصاديات المنطقة هو المطلب و المعيار. و حقيقة الأمر أن " أرباب" هذا المشروع ليسوا معنيين لا بسقوط النظام و لا بسيادته. هدفهم هو تدمير قدرات سورية و المنطقة لتكون في أضعف حال حتى تُملى عليها شروط أمن الكيان الصهيوني. لذلك لم تتحرك هذه القِوى و لم تمنع امداد النظام السوري باالسلاح و الدعم البشري من طرف روسيا و ايران. و سمحت لتدخل عسكري مباشر لقوى خارجية في شؤون بلد آخر و اكتفت بالتنديد القولي، و هي من هي في مواقف مشابهة لتدخلات أخرى.. فهل يُعتبر هذا حيادا أم تواطئا؟. فكيف يُقال أن في بقاء النظام ممانعة؟ بل يعتبر هذا المشروع التدخل الصفوي فرصته الكبيرة للتحقق. لأن التدخل الصفوي سيدفع بالشحن الطائفي إلى أشده مما يهد ّد استقرار المنطقة، و يُفشل ما تسعى إليه الشعوب العربية اليوم من خلال ثوراتها إلى إعادة بناء الانسان العربي من جديد على أسس مخالفة لما أنتجته المراحل السابقة. فمن خلال العراقيل الداخلية المدعومة دوليا و اقليميا لإعاقة دول الربيع العربي عن تحقيق إرادتها في التغيير ، ينضاف إليها الفِخاخ الخارجية بصور متعددة لا تُحصى و لا تُعد، يُسعى إلى وأد إرادة التغيير في نفوس العرب و المسلمين.
3. مشروع التحرر من الاستبداد كمقدمة للتحرر من الاستعمار: ان ما شهدته المنطقة العربية من حركات شعبية للتحرر من الاستبداد هو بداية التغيير. فالمشكلة الرئيسية التي تُعيق تقدم و تنمية المنطقة هو الاستبداد و الفساد. و هذا المنطق يدفع إلى تمكين أوسع نطاق ممكن من العرب لتسود الحرية و تُزال ثقافة الخوف و يُمكّن الانسان العربي من إعادة بناء نفسه من جديد. صحيح إن المشروعين السابقين يحضيان بدعم خارجي و لكن يفتقدان إلى السند الداخلي و هو الأهم. و ما يُميّز المشروع الثالث أنه بناء ذاتيا مسنودا داخليا بإرادة قوية و إن مُنع من الدعم الخارجي. هذا هو الخيار الذي اتجه إليه الشعب السوري و تتجه إليه الشعوب العربية اليوم. فما لم نتحرر من عقدة الاستبداد فلن نتحرر من الاستعمار. و من ينخرط في دعم الاستبداد فهو جزء من المشروع الصفوي و مشروع الشرق الأوسط الجديد..
ابراهيم بالكيلاني ( النرويج)