نصوص

الاستبداد أبو الهزيمة والتخلف..

عبدالباقي خليفة ترددت في استخدام كلمة شمعة وشموع في التعبيرعن الذكرى العاشرة لانطلاق مسيرة " تونس نيوز " الميمونة ، بسبب كراهية ومقتي الشديد للانطفاء والمنطفئون ، وحبي لما يكبر ولا يصغر ، ويتقد ولا ينطفئ ، ويقوى ولا يضعف . ومن ذلك شجر البلوط الذي إذا رمى جذوره في الأرض ، وصعد قليلا لا يعود القهقرى ، وكذلك الزيتونة المباركة " زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار ، نور على نور ..." وكذلك النخلة " أصلها ثابت وفرعها في السماء " . إذن مثال الشموع لا يضرب بشكل صحيح إلا في ميدان ال

0
17 مايو 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

عبدالباقي خليفة

ترددت في استخدام كلمة شمعة وشموع في التعبيرعن الذكرى العاشرة لانطلاق مسيرة " تونس نيوز " الميمونة ، بسبب كراهية ومقتي الشديد للانطفاء والمنطفئون ، وحبي لما يكبر ولا يصغر ، ويتقد ولا ينطفئ ، ويقوى ولا يضعف . ومن ذلك شجر البلوط الذي إذا رمى جذوره في الأرض ، وصعد قليلا لا يعود القهقرى ، وكذلك الزيتونة المباركة " زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار ، نور على نور ..." وكذلك النخلة " أصلها ثابت وفرعها في السماء " .

إذن مثال الشموع لا يضرب بشكل صحيح إلا في ميدان التضحية والفداء ، فيقال " تحترق لتنير ظلام الآخرين " أو " من أجل الآخرين " ولكن الانسان الذي يحاكي الشمعة في احتراقها ، لا يحترق ، فالشهداء مثلا " أحياء عند ربهم يرزقون " . بل الانسان الذي يحاكي الشمعة في احتراقها يزداد قوة وتألقا ، ويكبر ويستنير وينير للآخرين دروبهم ، لعصور وعصور،  ولا يحترق،  بل يشع أكثر ، وينير أكثر كلما تباعدت الأزمنة واختلفت الأمكنة .

مرت به هذه الخاطرة سريعا ، بعد أن مسحت عبارة " أطفأت تونس نيوز ، شمعتها العاشرة " فالشموع المنطفئة تذهب للعدم ، أما ما أوقدته " تونس نيوز " وغيرها من المواقع الالكترونية ، إنما هو سجل وتراكمات للديمقراطية وحرية التعبير في بلدنا السجين تونس . هو ممارسة حقيقية لهذه القيمة ، وهذا المبدأ الذي يتعرض للتدنيس بأشكال مختلفة في بلدنا الحبيب .

في دول غير اسلامية مثل أمريكا اللاتينية ، بوليفيا ، كوبا ، فنزويلا ، وغيرها ، وفي دول بجنوب شرق آسيا ، ولا سيما في فيتنام ، قدم الناس أرواحهم ، وتعرضوا للسجون ، ومصادرة ممتلكاتهم ، وتعرضوا لكل أصناف القمع والتنكيل " إنهم يألمون كما تألمون ، وترجون من الله ما لا يرجون " .. قدموا أرواحهم دون ضمانات ، ودون مقابل كالذي يرجوه المسلم المؤمن في الدنيا والآخرة ، شهادة على الناس ، وعمل للتمكين لمبادئه ، أداء للأمانة ورجاء ما عند الله . ولكننا نجد من يجبن على قول كلمة الحق ، ( إذا لم يتواطئ بهذا الشكل أو ذاك ) تحت أي لافتة ، اسلامية ، كما نؤمن ، أو قومية كما فعل آخرون جادوا حتى بأرواحهم من أجل بلدانهم وأممهم ، كغاريبالدي ، الذي صاح في شعبه " لا أعدكم بالسمن والعسل ، ولا بالمال والعمل ، ( ... ) ولكن من يحب بلاده فليتبعني " أو نضال تحت العناوين المعروفة كما سبق الحديث عن أمريكا اللاتينية وغيرها ، أو وطنية والأمثلة على ذلك كثيرة ، كديغول ، ومصدق ، ومانديلا ، وقد جمع شهيدنا فرحات حشاد ، بين جميع أصناف النضال وعناوينها الملونة ، لكنه مات اسلاميا رغم أنف من ينكر ذلك . ولذلك قتلته فرنسا ، بينما كانت تهئ المتغرب ، بورقيبة ، للسلطة بدون معارضة ، وأكمل بنفسه تهيئة الأرض التي بدأت بشق صفوف الحزب الدستوري ، وابعاد الشيخ عبدالعزيزالثعالبي ، وانتهت باغتيال بن صالح يوسف ، وتواصلت بقمع الأحرار وتدميرهم حتى اليوم .

تونس نيوز ، تميزت خلال مسيرتها بالعديد من الايجابيات ، وهي فتح فضائها لكل الأقلام ، على تعدد مشاربها وتوجهاتها . وهي تختلف عن الكثير من التجارب الاعلامية السابقة ، التي كانت موجودة في ظل هامش الحرية الذي قضى عليه نظام بن علي نهائيا منذ وصوله إلى السلطة في انقلاب 7 نوفمبر المشؤوم . فجريدة " الرأي " على سبيل المثال ، لم تكن محايدة ليس في المساحة المخصصة للآراء المختلفة فحسب ، بل حتى في الألوان ، وكنت وأنا صغير أستغرب من ذلك ، مقال  يخرج في أحسن حال لأنه ليبرالي أو يساري ، ومقال لاسلامي يكون  بالأسود فقط !

وهذا الماضي الذي نوجه له هذا النقد العابر ، فقد تماما ، حيث حول " بن علي " تونس إلى أبيض وأسود ، رغم كل المساحيق والأصباغ الكاذبة والمزيفة من الرأس إلى أخمص القدمين .

لقد أفسحت ، تونس نيوز ، في مسيرتها المظفرة الناجحة المجال لكل الآراء . ودارت نقاشات مستفيضة وأحيانا كانت متوترة ، وخارجة عن نطاق اللياقة ، وهذا شئ مفهوم من أناس قادمين من بلد تحكمه الدكتاتورية منذ أكثر من نصف قرن ، خلفت ديكتاتورية استعمارية مقيتة ، تصرفت بعنصرية كريهة حيال الشعب التونسي بل شعب المغرب الاسلامي قاطبة ، عندما منحت شعبها الديمقراطية والحرية ، ونصبت على بلداننا ديكتاتورية بغيضة تعبر عن أسوأ الفترات التاريخية حلكة في تاريخ الانسانية .

وإذا كانت تونس نيوز لم تقدم غير ذلك ، فهو عمل كبير وجليل وتاريخي . فهذا الفضاء الاعلامي ، الذي لا يخضع للحسابات الحزبية ، والأطر الضيقة ، التي حببت لي الحرية والانطلاق ، إذ أنها ( الأطر الضيقة ) ليست هي المحضن الحقيقي للتعبير عن الرأي . ولذلك لم أعد أستغرب كما هو الحال في السابق ، عدم وجود جرائد ناطقة باسم الكثير من الأحزاب السياسية في الدول الديمقراطية ( داخليا ) ، والتي هي

ديكتاتورية في تعاملها مع شعوب الامة الاسلامية ، وغيرها من الامم المغلوبة على أمرها .

أمر آخر في غاية الأهمية ، أريد التركيز عليه في هذه المشاركة المتواضعة ، وهو دور الديكتاتورية في تدمير الامم وتفتيتها ، وإلحاق المصائب الدائمة بها . ولا أتردد أبدا في تحميل الديكتاتورية المسؤولية عن انهيار الاتحاد السوفياتي ، ويوغسلافيا ، والعراق ، على سبيل المثال . فعندما ألتقي بأي من أنصار الاتحاد السوفياتي ، أوالرئيس اليوغسلافي الأسبق جوزيف بروز تيتو ، أو جمال عبدالناصر ، أو الرئيس العراقي السابق صدام حسين ، أحمل الديكتاتوريين ما حصل لاممهم وشعوبهم من هزائم ، وتفتت ، وانقسام ، وانهيار . كان بامكان الاتحاد السوفياتي أن يظل متماسكا لولا الديكتاتورية السياسية المتمثلة في قمع الحريات ، ولولا سيطرة الروس على جميع الشعوب الأخرى . وكانت يوغسلافيا بامكانها أن تظل موحدة أو تنفصل في هدوء كما حصل بين تشيكيا وسلوفاكيا ، ولكن الإرث الديكتاتوري هو الذي ألجأ الشعوب وتحديدا الصرب لاستخدام السلاح للحفاظ على مصالحهم الخاصة ، وامتيازاتهم التي كانت قائمة إبان حكم تيتو ، وليس من أجل بقاء يوغسلافيا ، وسعيهم لإقامة صربيا الكبرى أكبر دليل على البعد العنصري للنظام الديكتاتوري ( وذلك دون التهوين في حجم الجرائم التي ارتكبوها وحملات الابادة التي مارسوها في البوسنة وكوسوفا )  ولو تدرب العراقيون على حسم خلافاتهم بالطرق السلمية ، والتعبير عن آرائهم عن طريق البرلمان والاعلام الحر لما لجأوا للتصفيات الجسدية للوصول لمبتغاهم على جثث خصومهم بعد انهيار نظا صدام حسين . ولأنهم لم يتدربوا على ذلك نجدهم لا يحسنون استخدام الآليات الديمقراطية حتى الآن . ولو أن جمال عبدالناصر كان يحب مصر ، ويحب العرب ، ويريد تحرير فلسطين حقا ، لما قرب إليه من تنكر ل ( لمنهجه ) ولأشرك الشعب في القرارات التي تسببت في هزيمة 67 الكارثية ، والتي لا يزال المصريون والفلسطينيون والعرب والمسلمون يعانون بسببها .

الدكتاتورية ، جريمة بحق الوطن والجماعة والفرد ، بقطع النظر عن ( حسن النية ) . وهي المسؤولة عن التخلف الذي تشكو منه الأمة ، وهي اليوم حارسة له . ولذلك فإن النضال ضد الديكتاتورية هو الجهاد الأكبر في عصرنا .

لقد ساهمت تونس نيوز من الناحية الاعلامية بجزء من هذا الجهاد الاعلامي الذي يعد جهاد العصر بحق .

ليس مهما من يقرأ ، وعدد من يقرأون ، ولكن المهم شعور من يكتب أنه لم يقف مكتوف اليدين . ولم ينطفئ ، ولم يخرج من الوجود ، فالكتابة هي الحياة ، والقراءة هي الحياة ، والموت هو أن لا تكتب ولا تقرأ . ولكن الأهم بالتأكيد ماذا تكتب وماذا تقرأ ، كما ماذا تسمع وماذا تشاهد ؟

أخيرا هنيئا لتونس نيوز ، وهنيئا لنا ولتونس ، فهذا الارشيف سيكون أحد مصادر الأجيال القادمة . وقد منحتنا ، الانترنت ، فرصة تاريخية لايصال صوتنا للاجيال القادمة ، بأننا لم نسكت ، حتى وإن خنس البعض ، وباع البعض ، وانسحب البعض ، وحايد البعض ، وانقلب البعض ، وأصبح يزحف على بطنه " أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم " .

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©