الإنتصار للهوية
علي بن عرفه لا ينفصل المشهد الثقافي والفكري في تونس عن المشهد السياسي، الذي يشهد تجاذبا بين التيار اليساري الإستئصالي ممثلا أساسا في حزب التجديد، و التيار الإسلامي ممثلا خاصة في حركة النهضة، التي انسحبت من الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، احتجاجا على هيمنة اليسار الإنتهازي عليها، مستبقا إنتخابات المجلس التأسيسي، بما حوّل الهيئة العليا الى برلمان يشرع القوانين، ويفصّل حدود صلاحيات المجلس التأسيسي المنتظر، بعد ان فصّل قانون الإنتخابات على مقاس حزب التجديد والأحزاب التي على شاكلته. وفي سياق هذا ا
- 8 يوليو 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
علي بن عرفه
لا ينفصل المشهد الثقافي والفكري في تونس عن المشهد السياسي، الذي يشهد تجاذبا بين التيار اليساري الإستئصالي ممثلا أساسا في حزب التجديد، و التيار الإسلامي ممثلا خاصة في حركة النهضة، التي انسحبت من الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، احتجاجا على هيمنة اليسار الإنتهازي عليها، مستبقا إنتخابات المجلس التأسيسي، بما حوّل الهيئة العليا الى برلمان يشرع القوانين، ويفصّل حدود صلاحيات المجلس التأسيسي المنتظر، بعد ان فصّل قانون الإنتخابات على مقاس حزب التجديد والأحزاب التي على شاكلته.
وفي سياق هذا التجاذب السياسي بين التيارين شهدت الساحة الفكرية والثقافية حملة استهداف لهوية البلاد باسم حرية التعبير و الإبداع، فبدأ على المستوى الفني عرض فيلم " لا الله، لا سيدي" للمخرجة التونسية نادية الفاني، التي استبقت العرض بتصريح لإحدى القنوات التلفزية الخاصة تعلن فيه عدم ايمانها بوجود الله، مما مثل صدمة للرأي العام الوطني الذي اقتحم عليه الإلحاد بيته دون استئذان، ودون احترام لهوية البلاد التي هي محلّ اجماع وطني.
اما على المستوى الفكري فقد بدأ الدكتور محمد الطالبي حملة ضد ما يسميه بالتيار السلفي، فأعلن أنه "رجل قرآني" يعترف بالقرآن ويرفض السنة، متهما صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرب الخمر، زاعما أن شرب الخمر ليس حرام، و أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يطبق حكم الله في الصدقات، بمنحه المال لأهل بدر "الأثرياء" بدلا من فقراء المسلمين كما تنص على ذلك نصوص الوحي، و مثلما صدمت المخرجة نادية الفاني الرأي العام الوطني بإعلان إلحادها على شاشة التلفاز، صدم الدكتور الطالبي الرأي العام الوطني باستعمال لفظ سوقي قبيح، يقدح في شرف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على امواج اذاعة خاصة وعلى المباشر.
استهداف الهوية
تعرضت الهوية بعد الثورة الى استهداف سياسي تعلق في البداية بمطلب تعديل الدستور الذي ينص فصله الأوّل على أن " تونس دولة حرّة مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لغتها"، و ما ان خفتت هذه الدعوة بما يشبه الاجماع لدى الأطراف السياسية والفكرية حول الهوية العربية الاسلامية لتونس، حتى ظهر فيلم " لا الله لا سيدي" للمخرجة نادية الفاني، مستهدفا بالأساس عقيدة الشعب الإسلامية، لأن الصيغة الفرنسية للعنوان كانت تستوجب استعمال المفردة الفرنسية
(DIEU) بدلا من (ALLAH) للإشارة الى الإله، ولكنها اختارت اسم الله جلّ جلاله الخاص بالمسلمين، وهو ما يكشف " نفاق النخبة الملحدة" التي تتاجر بالدين، فلا تتجرأ على نفي وجود الاله مخافة انصار بقية الديانات وخاصة منها اليهودية، فيما تتبجح بالتطاول على عقيدة المسلمين، استجداء لرضى اتباع بقية الديانات، وطمعا في الشهادة لها بالثقافة والحداثة والإبداع من قبل سادتها في باريس والغرب عموما.
ان الوجود العيني لمخرجة الفيلم ذاته دليل على وجود الخالق الذي خلقها "وفي أنفسكم أفلا تبصرون"، و ان مظهرها الخارجي الذي تفردت به دون التونسيات ( امرأة بدون شعر الرأس) دليل عجائب قدرته تعالى في الخلق " وربّك يخلق ما يشاء ويختار"، وأما إلحادها فهو تصديق لكتاب الله تعالى " ولوشاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن يضلّ من يشاء، ويهدي من يشاء، ولتسألن عمّا كنتم تعملون".
لقد اجتهدت المخرجة في صياغة عنوان للفيلم على وزن يقارب شعارات الثورة، بما يوحي أنه احدها، وفي ذلك تلبيس على الثورة ودماء الشهداء الطاهرة الزكية، لأن الثورة التونسية منذ انطلاقتها، رفعت شعارات العدالة والحرية، بعيدا عن مباحث العقيدة والهوية والمجادلات الفكرية، فأولويات التونسيين اليوم هي مواجهة تحديات التنمية، وكفر الفقر والبطالة والظلم والاستبداد.
أما الدكتور الطالبي الذي تجاوز عمره العقد التاسع، فتعود "شطحاته" بحسب الفيلسوف الدكتور أبو يعرب المرزوقي الى هذيان الخرف في أرذل العمر، فالقول بحرمة الخمر هو إجماع علماء الأمّة، وشرب الصحابة له لا يتسنّى للطالبي زعمه وقد رفض الأخذ بالسنة لشبهة التحريف، رغم ما حظيت به من تحقيق وتدقيق من علماء الأمة لتعلقها بشخص الرّسول صلى الله عليه وسلم، و هي المصدر الثاني للتشريع، فكيف يعتمد الدكتورعلى ما هو دونها؟ ان كان له ما يعتمده في ذلك غير الوهم. ولكن لا عجب، فقد أريد للطالبي ان يكون مفكر زمانه " باسم سطحيات يسميها فكرا هي مما يضحك منه أدنى دارس للعلوم التي يتكلم فيها الرجل على جهل، مثله مثل كل الذين صاروا فلاسفة دين وعقائد ببضاعة يستحي المرء ان ينسبها الى نخبة تقبل الوصف بالأكاديمية" كما قال الفيلسوف ابو يعرب المرزوقي.
و ما يعاب على الطالبي في تطاوله على عمر الفاروق رضي الله عنه، زاعما مخالفته لصريح النص القرآني بمنحه مال الصدقات لأهل بدر" الأثرياء" ومنعه عن الفقراء، عدم تمييزه بين مال الصدقة الذي تحددت وجوه صرفه بصريح النص، وبين بيت المال الذي يخضع لإجتهاد السلطة الحاكمة في ادارة شؤون الدولة، ثم من اين للدكتور الطالبي الزعم ان أهل بدر أثرياء؟ و الرسول صلى الله عليه وسلم يقول عنهم يوم بدر " اللّهم إنّهم جياع فاشبعهم، اللّهم إنّهم عراة فاكسهم، اللّهم إنّهم عالة فاحملهم، اللّهم انّهم فقراء فاغنهم". ثم ألا يعني اتهام الطالبي للخليفة عمر رضي الله عنه بمخالفة صريح النص، أن أهل بدر عليهم رضوان الله جميعا كلهم "متواطؤون" مع عمر رضي الله عنه في ذلك؟ فهل يقول بذلك عاقل؟
لقد شهد بعدل أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه خصومه من أهل زمانه، فصكّ له رسول كسرى إليه شعار " عدلت، فأمنت، فنمت يا عمر" وظلّ هذا الشعار يتردد على ألسنة الناس نباهي به الأمم، وقد استمر عبر الزمان منارة تهدي البشرية في سعيها الدائم لتجسيد العدل واقعا على الأرض، وليس مجرد احلام او ايديولوجيا طوباوية.
اما حديث الطالبي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فما زاده الاّ هوانا على هوان، حيث وضع الله قدره بين الناس، وقد كان فيهم مفكرا، فبدا سوقيا يتلفظ بمفردات لا تليق بالعلم وأهل الفكر، و أنّى لأحد النيل من شرف، تزكيه آيات الله في القرآن وتعليه، وما أرى أمّنا رضي الله عنها إلا تردد قول المتنبي:
ما أبعد العيب و النقصان عن شرفي أنا الثريا وذان الشيب والهرم.
العنف الرّمزي و المادي
العنف نوعان، عنف مادي و عنف رمزي، و هذا الأخير أشدّ وقعا عندما يطال هوية الناس وعقائدهم. و العنف الرمزي لدى عصبة الإلحاد مطلوب لذاته، قدحا في عقيدة الشعب، وتزلفا لقوى الغرب، أما العنف المادي فهو مطلوب لاستجداء الدعم المادي والمعنوي من القوى الدولية، و لتجريم التيار الإسلامي الذي يعتمد " العنف والإرهاب" ضدهم، تهديدا لمكاسب الحداثة، و عرقلة لمسار التحول الديمقراطي، وقد تنادى انصار الفيلم الى المجلس الأروبي بعد ساعات فقط من حادثة "سينما أفريكا" التي زعموا أنهم تعرضوا فيها الى العنف من السلفيين و أنصار حزب التحرير، وكلاهما أعلن رفضه للعنف وتبرأ منه.
والحقيقة أن اتهام التيار الإسلامي بالعنف كان هدفا رئيسيا لعصبة الإلحاد، التي اعتمدت سياسة الإستفزاز لجرّ انصار التيار الإسلامي الى مستنقع العنف، تشويها وتحريضا ضدهم منذ بداية الثورة، حيث اتهم التيار السلفي بأنه أقام خلافة اسلامية في الجنوب التونسي، ونصّب أميرا للمؤمنين في مدينة بنقردان، وعند التحقيق تبين كذب هذه الإدعاءات، في حق شباب تونسي متدين على نهج السلفية، قد تجند طواعية للعمل بالليل والنهار نيابة عن كل التونسيين في استقبال إخواننا الليبيين على الحدود التونسية، وبدلا من تكريم هؤلاء الشباب وتشجيعهم على العمل المدني الخيري، يدفع بهم الحقد اليساري الإنتهازي الى مربع العداوة والبغضاء، وهم يتعرضون يوميا لحملات من التشويه المستمر، أملا في حادثة عنف واحدة، تزفّ الى المجلس الأروبي، و ينفخ فيها الإعلام المأجور لبعث نار الفتنة في البلاد.
لقد بالغ انصار الفيلم في مزاعم العنف الذي تعرضوا له في حادثة " سينما أفريكا "، وقد أجمعت الروايات تقريبا على أن هذه الحادثة التي حظيت بتغطية اعلامية دولية خلفت كسر زجاج أحد الأبواب، و أكّد بعض المتظاهرين على أن زجاج الباب كسر من داخل قاعة العرض، أي من طرف أنصار الفيلم، لتشويه المتظاهرين واتهامهم بالعنف، وفي كل الحالات فإن كسر زجاج الباب يمكن أن يكون بأثر تدافع بين الفريقين لا يستهدف ممارسة العنف أصلا، وبالتالي كان بالإمكان احتواء الموقف دون مسرحية التباكي على أعتاب المجلس الأروبي، تشويها للتونسيين و طمعا في شهرة زائفة لفيلم منع عرضه خارج البلاد لبضاعته الفنية المزجاة.
ان العنف مرفوض مهما كان نوعه و مصدره، و في مقدمته العنف الرّمزي الذي يطال عقائد الناس ومقدّساتهم، مما يجرّهم الى مستنقع العنف في عملية رد فعل لا إرادي على استفزاز سابق، مثلما حصل يوم 28 يونيو أمام قصر العدالة، حيث أكّدت إحدى المحاميات تورط البعض في سب الجلالة استفزازا للمتظاهرين، مما دفع هؤلاء لممارسة العنف المادي في مواجهة العنف الرمزي، الذي يجب تجريمه من الجميع، لنيله من عقائد الناس، وحضّه على الفوضى والعنف بين المواطنين، بما يهدد الأمن والإستقرار و السّلم الأهلي، مع بذل الجهد في موازاة ذلك للرقي بالسلوك الحضاري للأفراد من أجل ترسيخ قيم المجتمع المدني بإحترام القانون، ورفض العنف سبيلا لحسم الخلافات، واللجوء الى القضاء عند الحاجة.
من المعلوم أن القوى اليسارية الإنتهازية لا ترغب في التوجه الى صناديق الإقتراع، حتى لا ينكشف وزنها وتفضح تمثيليتها، بما يكون شهادة حتى للرئيس المخلوع أنه لم يظلمها يوما في نسبة تمثيليتها الإنتخابية، هذا ان لم يكن "كريما" معها - و ليس من طبعه ذلك - جزاء مشاركتها في مسرحياته الإنتخابية، و تواطئها معه على نهج الإسئصال للتيار الإسلامي في بداية التسعينات. لقد بسطت هذه القوى هيمنتها على الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، التي تولّد عنها هيئة عليا يسارية للانتخابات، قامت بتأجيل موعد الإنتخابات الى شهر اكتوبر القادم، ومع اقتراب موعد الإنتخابات الجديد، ليس لهذه القوى من سبيل لتفادي مواجهة قرار الشعب الإنتخابي، الاّ بنشر الفوضى و تشجيع الإنفلات الأمني، في انسجام تام مع مؤامرات حلفائها السابقين في عهد الرئيس المخلوع، التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل، و جهاز البوليس السياسي، الذي يحتاج الى مزيد من الوقت لاستعادة مواقعه، وبسط نفوذه من جديدعلى مقاليد الحكم في البلاد