نصوص

الإسلام و الثورة

إذا انطلقنا من التعريف القائل بأن الثورة تعني « التغيير الذي يبدل حال بحال آخر أفضل منه، و قيادة بقيادة أخرى، و واقع بواقع جديد، وهي تعني انتقام للمظلومين من الظالمين، و كذلك النصر و الانتصار على الظلم: فهي سبيل إنساني لتغيير الواقع و تطور المجتمعات...» يمكن اعتبار الإسلام في جوهره ثورة عندما ظهر في شبه الجزيرة العربية نظرا لما تبعته من تحولات فكرية و اجتماعية و سياسية. فقد غير الإسلام واقع المجتمع الجاهلي و انتقل به إلى واقع حضاري جديد. و باعتبار أن الإسلام ثورة كونية ، فقد كانت لهذه الثورة انج

0
15 مارس 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

إذا انطلقنا من التعريف القائل بأن الثورة تعني « التغيير الذي يبدل حال بحال آخر أفضل منه، و قيادة بقيادة أخرى، و واقع بواقع جديد، وهي تعني انتقام للمظلومين من الظالمين، و كذلك النصر و الانتصار على الظلم: فهي سبيل إنساني لتغيير الواقع و تطور المجتمعات...» يمكن اعتبار الإسلام في جوهره ثورة عندما ظهر في شبه الجزيرة العربية نظرا لما تبعته من تحولات فكرية و اجتماعية و سياسية. فقد غير الإسلام واقع المجتمع الجاهلي و انتقل به إلى واقع حضاري جديد.

 

و باعتبار أن الإسلام ثورة كونية ، فقد كانت لهذه الثورة انجازات عظيمة شملت واقع الإنسان بمختلف جوانبه : في علاقته بالطبيعة و في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان ،               و بالمجموعة البشرية التي يعيش فيها . كما أولى الإسلام عناية خاصة بالمرأة و حررها من قيودها التقليدية إضافة إلى تحرير هذا الإنسان من العصبية القبلية لينتقل به إلى دولة المدينة.

علاقة الإنسان بالطبيعة: كيف تغيرت مع ظهور الإسلام كثورة ؟

فالطبيعة بمختلف عناصرها الحية و غير الحية كانت تمثل لغزا غير واضح للإنسان عامة، فقد كان فهمه لكثير من الظواهر الطبيعية محدودا. و كان في بعض الحالات يتقرب الإنسان إلى الطبيعة بالقرابين نظرا لتخوفه منها، و وصلت به الدرجة إلى أن يجعل بعض عناصرها آلهة له كالشمس و القمر و الأنهار و البحار و الحيوانات...فماهو التغيير الذي طرأ على تصور الإنسان للطبيعة بعد ظهور الإسلام؟

عند ظهور الإسلام تغيرت علاقة الإنسان بالطبيعة، فبعدما كان الإنسان يعبد عناصرها أصبح في ظل الإسلام « سيد الطبيعة »، و يعتبر ذلك أعلى مظاهر التكريم. فقد قال الله تعالى في سورة الإسراء في الآية عدد 70:« و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ». و يعتبر ذلك ثورة و انقلاب جذري في علاقة الإنسان بالطبيعة. و النصوص القرآنية كثيرة التي تتحدث عن تحرير الإنسان من عبودية الطبيعة و تجعله « سيد لها ». و يؤكد على أن هذه الطبيعة ما خلقت إلا لخدمته و تحقيق الشروط الضرورية لخدمته و إنسانيته فيقول الله جل جلاله في سورة النحل بالآية 12            « و سخر لكم الليل و النهار و الشمس و القمر، و النجوم مسخرات بأمره ، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ».  و هكذا ارتقى الإسلام بالإنسان في علاقته بالطبيعة من نطاق العبودية و جعل الطبيعة و قواها و ظواهرها جميعا مسخرة له.

من العصبية القبلية إلى دولة المدينة: ثورة اجتماعية.

قبل ظهور الإسلام كان المجتمع في الجزيرة العربية يتكون من مجموعة من القبائل ،  و القبيلة في هذا المجتمع لا تعطي أهمية للإنسان كفرد بل كانت وحدة متكاملة دون الفرد        « فالملكية لها ، و الشرف لها، و كل الحقوق لها ، و العار عليها، و جميع المغارم تلزمها ، و لا اعتبار للمسؤولية الفردية على أي فرد من أفرادها...» ، فكانت ذاتية الفرد ضعيفة و ذائبة في الشخصية العامة للقبيلة التي ينتمي إليها.

و لكن ثورة الإسلام أحدثت تغيرا ملحوظا في تركيبة المجتمع العربي في الجزيرة العربية ، فتحولت به من مجتمع القبيلة إلى مجتمع المدينة و ظهر لأول مرة مفهوم الدولة الموحدة و كانت المدينة المنورة عاصمة لهذه الدولة. فقد تراجعت مكانة القبيلة و ذاتيتها في إطار هذه الدولة و أصبحت لفردية الإنسان مكانة خاصة على حساب ذاتية القبيلة. و قد مكن هذا التحول الإنسان من حريته الفردية و منحته المسؤولية عن اختياراته . فكل التكاليف تعتبر فردية و لا يحاسبه عنها التزام قبلي أو غير قبلي ، ففاطمة بنت محمد عليه الصلاة و السلام ، يقول أبوها في خصوص تحديد المسؤولية الفردية : أنها لو سرقت لقطعت يدها ؟ و كان ذلك من الانجازات الثورية للإسلام من اجل تحرير الإنسان من هيمنة و سيطرة العصبية القبلية إلى إقرار حريته و مسؤوليته الفردية في ظل دولة المدينة. و أصبح المسلمون « امة » واحدة في ظل الإسلام و كانت « خير امة قد أخرجت للناس » و الرسول عليه الصلاة و السلام يقول في حديثه الذي يرويه انس ابن مالك « إن أمتي لا تجتمع على ضلالة » . و لم تتوقف انجازات الإسلام الثورية عند هذا الحد بل شملت مجالات أخرى و خاصة حرية المرأة : المرأة الأم       و المرأة الأخت و المرأة الزوجة و المرأة المسؤولة في أي مؤسسة كانت.

ثورة الإسلام و حرية المرأة :

في البلاد التونسية هناك تخوف كبير من نشاط الإسلاميين بدعوى أن الإسلام يكبل حرية المرأة و لا يعطيها حقها في العمل و الدراسة و الخروج من المنزل و ممارستها للحياة بمختلف عناصرها ، و هذا التخوف لا مبرر له لان ثورة الإسلام أعطت للمرأة كامل حقوقها    و أقرت مبدأ المساواة بينها و بين الرجل. فقد أولى الإسلام تحرير المرأة من قيودها التقليدية القديمة مكانة خاصة ، فلم تعد المرأة مجرد متاع للرجل و أداة للهو و الاستمتاع و إنما ارتقى بها إلى مستوى الفعل الاجتماعي على قدم المساواة مع الرجل . و القران الكريم يوصينا بالمودة و الرحمة في علاقتنا بالوالدين فقد ورد في سورة العنكبوت الآية الثامنة « و وصينا الإنسان بوالديه حسنا، وان جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ». كما وضع الإسلام شروطا لحياة زوجية ناجحة تقوم على أساس المودة و الرحمة إذ يقول الله تعالى في سورة الروم بالآية 21 « و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودة     ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون».

و صحيح أن الإسلام ميز الرجل في بعض المواضع عن المرأة و خاصة في الميراث ، و لكن هذا التمييز لا يعكس انتقاصا من حرية المرأة بل بالعكس فقد زادها بذلك تكريما إضافيا و ذلك بإقرار استقلاليتها المادية ثم ألزم الرجل وحده بالمصارف  الأزمة للأسرة ، و زيادة نصيب الرجل في الميراث  كانت بهدف إلزامه بالإنفاق على زوجته و عائلته، أما نصيب المرأة فقد تقرر لها دون إلزام بالإنفاق على الأسرة.

كما قرر القران الكريم في إحدى آياته أن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل ... و ذلك ليس انتقاص من مكانة المرأة بل مراعاة لها، فهي كانت محدودة الخبرة في الحياة العامة و رقيقة الإحساس. و هل تستوي المرأة مع الرجل في القدرات و الإمكانيات ؟ و من هذا المنطلق تتفاوت حقوقهم دون أن يعني هذا التفاوت انتقاصا من مساواتهم في الحرية التي قررها لهم الإسلام.    و يؤكد القران الكريم هذه المسالة في العديد من المواضع و خاصة في مسالة الدين فالآية 282 من سورة البقرة تأكد على مكانة المرأة في هذا الموضوع إذ يقول الله تعالى : يا أيها الذين امنوا إذا تداينتم بدين إلى اجل مسمى فاكتبوه ، و ليكتب بينكم كاتب بالعدل ، و لا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله، فليكتب و ليملل الذي عليه الحق و ليتق الله ربه و لا يبخس منه شيئا . فان كان الذي عليه الحق سفيها أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل، و استشهدوا شهيدين من رجالكم، فان لم يكونا رجلين فرجل و امرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى...» .

         و هكذا كانت هذه المقالة محاولة مني لإبراز أن الإسلام في جوهره يمثل ثورة في تاريخ الإنسانية كان لها الرسول صلى الله عليه و سلم قائدا و من بعده الصحابة و الخلفاء        و التابعين. هي ثورة من أجل تغيير الواقع السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي و هناك أمور أخرى يمكن الخوض فيها تأكد و تبرز أن الإسلام أعظم ثورة عرفتها الإنسانية جمعاء. و الثورة في مفهومها العام تعتبر القاسم المشترك بين مختلف التوجهات السياسية ، فهي أساس لتحقيق الوفاق الوطني في البلاد التونسسية  بعيدا عن التعصب و التطرف .

محمد الطرابلسي .

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©