الإسلام السياسي بين عهدين (2/2)
العجمي الوريمي 2009-12-18 رأينا أن قضية التطرف الديني في بعض البلدان العربية قضية مفتعلة، وأنها منذ الإرهاصات الأولى للإسلام السياسي المعاصر استخدمت التطرف فزاعة لإلجام الجماهير عن المحاسبة والمطالبة بالإصلاحات، ولتبرير السياسات القمعية أمام الشركاء الغربيين الذين يطالبون بالالتزام بالمعايير الدولية للحكم الرشيد واحترام حقوق الإنسان. فهل التطرف السياسي أو التطرف الإسلامي مسؤولان عن أزمة الأوطان، أم أنهما تحولا مع مرور الوقت إلى جزء من أزمة مجتمع وأزمة نظام؟ ولماذا نجحت بعض البلدان في أن تجعل من
- 18 ديسمبر 2009
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
العجمي الوريمي
2009-12-18
رأينا أن قضية التطرف الديني في بعض البلدان العربية قضية مفتعلة، وأنها منذ الإرهاصات الأولى للإسلام السياسي المعاصر استخدمت التطرف فزاعة لإلجام الجماهير عن المحاسبة والمطالبة بالإصلاحات، ولتبرير السياسات القمعية أمام الشركاء الغربيين الذين يطالبون بالالتزام بالمعايير الدولية للحكم الرشيد واحترام حقوق الإنسان.
فهل التطرف السياسي أو التطرف الإسلامي مسؤولان عن أزمة الأوطان، أم أنهما تحولا مع مرور الوقت إلى جزء من أزمة مجتمع وأزمة نظام؟ ولماذا نجحت بعض البلدان في أن تجعل من التيار الإسلامي مكونا من مكونات الحياة السياسية يحقق لها التوازن ويحقق ضمنها التطور وأخفقت أخرى في بلوغ نفس الهدف؟
هل يمكن أن نعتبر أن هناك اليوم تجربة سياسية تخطت مرحلة التلمس العفوي والمتردد لتصبح جديرة بالمتابعة والتقويم والتطوير، من ذلك التجربة البرلمانية التعددية التي للإسلاميين فيها حضور بارز ومتميز وتجربة الحكم المحلي والمشاركة في السلطة؟ هل يمكن بناء على ذلك أن نعتبر أن البلدان التي لا يزال فيها الإسلاميون تحت طائلة المنع والحظر وفي وضع ما دون الاعتراف محرومين من المشاركة، متأخرة عن التجارب السابقة بمرحلة تاريخية كاملة، وأنه لم يعد يسعها عدم تدارك تأخرها دون كلفة؟
إن التطرف منطقة خطرة تزل فيها أقدام المفكرين، فهل هو مشكلة مجتمعاتنا الأساسية؟ هل هو حقا سبب إخفاقاتنا وانقساماتنا؟ هل فوبيا التطرف مشروعة؟ وهل لها ما يبررها؟ هل هو تحدي المرحلة القادمة؟
التطرف ليس الدين وليس هو الإسلام ولا هو الإرهاب، وليس بين الإسلام والتطرف والإرهاب تشابك بنيوي أو ترابط عضوي، وإن أصرت بعض الإيديولوجيات والإعلام المرتهن إلى دوائر معينة على إحداث خلط بينها، ولا يمكن الخلط إلا بتكييف تلك المفاهيم وتوسيع نطاقها لتشمل ما ليس منها. قد يفضي الدين إلى التدين والتدين إلى التطرف والتطرف إلى الإرهاب، ولكن العروة بين الدين والإرهاب منقطعة. والعروة الوثقى نجدها بين الدين والحياة وبين الدين والقيم وبين الدين والحضارة وبين الدين والمعرفة، وكما حُمِّل الدين منذ أتاتورك أوزار الإخفاق التنموي والتراجع الحضاري، حمل التطرف مسؤولية أزمات ليس هو المتسبب فيها، كما نسب الإرهاب المدان بلا ريب إلى غير أهله وإلى أصل غير أصله، فليس له أصل في مصدر سماوي أو شرع إلهي، وإنما منبعه ومرجعه الفعل البشري، والبشر قادرون على ارتكاب الفظاعات والأعمال البشعة، فالإرهاب لا دين له، وقد يكون دين من لا دين له، وقد يكون أثرا من آثار "موت" الإله في ثقافة ما أو فقدان ميزان العدل في زمان ومكان معينين وفي انفراط عقد التضامن الإنساني وفي بركان من الظلم الأقصى والشر المطلق. يقول الفيلسوف الفرنسي لفيناس: "ينبغي أن يظهر اللامرئي حتى يفقد التاريخ الحق في أن تكون له الكلمة الفصل الظالمة للذاتية والوحشية حتما". إن موت الإله لم يدخل ثقافتنا العربية والإسلامية لا باعتباره منجزا فكريا وفلسفيا ولا باعتباره علامة على شيخوخة فكرنا أو حيويته، ولكن ما عرفناه لا يقل خطورة، ففيه تشظٍّ للمقدس، وفيه سطوة غير معهودة ولا معقولة أو مشروعة للإيديولوجي الذي يطمس الحقيقة أو يزيفها.
إن للظاهرة التطرفية إطارا زمنيا وسياقا تاريخيا واجتماعيا ومقدمات وعلامات لا يخطئها البحث الدقيق، ومنها غياب المفكر المستقل والعالم المجتهد، وغياب الحرية واحتكار السلطة والانفراد بالقرار، وإضعاف المجتمع، ووضع الأسماء والأشياء والمؤسسات في غير موضعها.. ولنضرب بعض الأمثلة عن المنطق المعكوس الذي ساد مرحلة معينة في مقاربة الإسلام السياسي، أي المنطق الذي يقوم على شيطنة الظاهرة، ولنستعر من أصحاب هذا المنطق كلمة التطرف كما لو كانت صفة ملازمة للظاهرة حتى إذا بان تهافت المقاربة اتضحت المرامي وافتضحت الغايات علنا، بذلك نضع الأمور في مواضعها الصحيحة.
فهل التطرف مسؤول عن البطالة؟ تؤكد التقارير والبحوث الاجتماعية أن البطالة أم التطرف وحاضنته وليست وليدة له، وأنها لن تزول بزواله ولن تبقى ببقائه، وأن أسبابها العميقة ضاربة بجذورها في الإمكانيات الذاتية للدول والخيارات الاقتصادية والسياسية وفي الاستثمار وفي الوجهة الحضارية وفي بنية الاقتصاد، كما أن "المتطرف" يمكن أن يكون إطارا كفؤا وعاملا مثاليا منتجا ومبدعا.
هل التطرف مسؤول عن الفساد؟ إن الفساد حسب علمنا مرتبط بطريقة الحكم ونوعية القوانين وبالعادات والعقليات، وهو ظاهرة انحطاطية أو انحرافية. فـ "المتطرف" قد لا يكون على الإطلاق مرتشيا أو غير أمين في معاملاته أو مورطا في الاستيلاء على المال العام وفي التبذير، بل إن ما قد يتفشى في علاقات الناس من رشوة ومحسوبية واستغلال للنفوذ وتلاعب بالمال العام هو مصدر حنق لكل وطني وكل صاحب ضمير وخلق، فـ "التطرف" إذن يمكن أن يكون وجهة نظر تطالب بمحاسبة الفاسدين والضرب على أيديهم وإنفاذ القوانين العادلة وإرجاع الأموال المنهوبة إلى أصحابها، فهو ليس موجودا ضمن بنية الفساد، بل في تنافر معها وقطيعة. هل التطرف مسؤول عن انتشار المخدرات والمتاجرة بالبشر والسرقات والسطو المسلح وقوارب الموت؟ إن التيار الغالب -إذا ما تتبعنا بنزاهة وموضوعية مسيرة الحركات الإسلامية المتهمة بالتطرف- لا علاقة له من قريب أو بعيد بالظواهر المنحرفة والمظاهر الأخلاقية المرفوضة والمزدراة، فهو يصدر عن منظومة قيمية مناقضة لها، وهو أقرب إلى ردة الفعل عنها وإلى موضع النقمة عليها منه إلى الراعي لها والراضي عنها. فتجار الحشيش والحشاشون ليسوا رصيدا لـ "التطرف" إلا بما يبذله من جهد لإنقاذهم من جحيم الأفيون، حتى وإن عوضهم عن ذلك "أفيون" الدين على مذهب أصدقائنا الماركسيين. هل التطرف -وهنا أيضا الحديث عن التطرف الديني- مسؤول عن الولادات "الطبيعية" وتوابعها من إجهاض وإهمال ووأد وعن تأخر سن الزواج والعنوسة والارتزاق من الخنا وشبكات البغاء السري العلني، أم أن التطرف هو إعلان تبرؤ من كل ذلك؟
هذه مجرد أمثلة، والقائمة طويلة من الوضعيات والظواهر التي إذا بحثنا في ثناياها عن التطرف وعن بصمته المميزة لا نجد لهما أثرا. فما التطرف إذن؟ وعم هو مسؤول حقا؟
إن التطرف فَهْم من جملة أفهام، هو رؤية للعالم من ضمن رؤى مغايرة، وهو حل متعجل لمعضلات مستعصية ضاربة بجذورها في الماضي الانحطاطي، التطرف حل لا يفرق بين المثال وبين البرنامج العملي التفصيلي. وكلما مُنح فرصة الاختبار في الواقع اتضحت الفوارق وزال الغلو. يقول أحد الباحثين المتخصصين في قضايا التطرف الديني وهو جان فيانكور: "العلاقة في عالمنا الراهن بين ما هو إنساني وما هو مقدس تبقى في صلب بحث الإنسان عن المعنى" ويضيف: "من الأفضل ملاحظة المجموعات الدينية ملاحظة مباشرة مع دراسة تاريخها وثقافتها ومضمون رسالتها؛ حتى نتبين جيدا مجمل الظواهر التي تخصها". فهل ولى زمن شيطنة الإسلام السياسي وتأثيم التطرف الديني؟ وهل تصبح مقولة وزير أسبق للداخلية في مصر "من شاء فليتطرف" قاعدة في التعامل مع الصحوات المعاصرة ويفتح الفضاء العمومي لمن أراد أن يشارك في الحياة السياسية ويهتم بالشأن العام، شريطة نبذ العنف والحفاظ على الوئام الوطني؟ أما آن الوقت لنضع حدا للمحاكمات السياسية ولنمنح الفرصة لمدرسة الواقع لترشيد الممارسة وتصويب المسارات.