نصوص

الإسلام السياسي بين عهدين (ج1)

العجمي الوريمي لقد تحوّل الإسلام منذ سقوط جدار برلين إلى قضّية القضايا في السياسة الدولية تحت عناوين مختلفة ولكن بلغة المواجهة والنّبذ والمحاصرة. لقد كانت القُوى الأطلسية ووكالة الاستخبارات الأميركية في حاجة إلى عدوّ جديد وقد تجاوبت معها أنظمة عربية تفتقد تصوّراً للمستقبل وتعيش أزمة شرعيّة لتشكّل حلفا دوليا وطوقا مُحكما ضدّ التّعبيرات المعاصرة للإسلام السّياسي. ثم جاءت تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر فكانت كارثة على البعض وخشبةَ خلاصٍ للبعض الآخر، فقد وجدوا فيها "البراديغم" المنشود لتبرير الحرب وتف

0
16 ديسمبر 2009
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

العجمي الوريمي

لقد تحوّل الإسلام منذ سقوط جدار برلين إلى قضّية القضايا في السياسة الدولية تحت عناوين مختلفة ولكن بلغة المواجهة والنّبذ والمحاصرة. لقد كانت القُوى الأطلسية ووكالة الاستخبارات الأميركية في حاجة إلى عدوّ جديد وقد تجاوبت معها أنظمة عربية تفتقد تصوّراً للمستقبل وتعيش أزمة شرعيّة لتشكّل حلفا دوليا وطوقا مُحكما ضدّ التّعبيرات المعاصرة للإسلام السّياسي. ثم جاءت تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر فكانت كارثة على البعض وخشبةَ خلاصٍ للبعض الآخر، فقد وجدوا فيها "البراديغم" المنشود لتبرير الحرب وتفسير كل الشرور والأزمات والمآسي بالمعطى الإرهابي. لقد حُبّرت مئات الكتب وآلاف الصفحات، وبعضها له قيمة علميّة مؤكدة، لكنها لم تُفلح في تجلية الصورة فقد طغى خطاب المصلحة والإيديولوجيا على خطاب العلم. ولعلنا نحتاج اليوم إلى ثورة كوبرنيكية في التعامل مع الإسلام السياسي وفي مقاربة الظاهرة التطرّفيّة.
حينما كان النظام البورقيبي في تونس في أوج أزمته أواسط السبعينيات من القرن الماضي أنشأ مدير الحزب الدستوري الحاكم المعروف بالتّصلّب مجلّة سياسيّة ناطقة باللغة الفرنسية عنوانها "ديالوغ" أي المقابل الفرنسي لكلمة "حوار"، وفي نفس الفترة تم بعث صحيفة ساخرة متخصصة في نقد سياسة الحكومة عبر الإشارة إلى قضايا فساد وعبر تسريب أخبار الكواليس. ولكن عوض أن تكون مجلة "ديالوغ" منبرا حقيقيّا للحوار تعكس التعدّدية الناشئة داخل مجتمع متحوّل وتنشر آراء ومواقف التيّارات الموجودة داخل الحزب الحاكم أو المنشقّة عنه، أخذت ترصُد الظّواهر الجديدة لإقحامها في معادلة الصّراع على الخلافة وقد كانت رائدة في إرساء تقليد سيؤدي إلى تسميم الحياة السياسية ويؤدّي إلى تحريف عمليّة الانتقال الديمقراطي وإجهاضها.
لقد كانت مجلة ديالوغ سبّاقة في اختراع فزّاعة التطرف وفي توظيفها. لقد كانت البلاد تواجه مخاطر شتى وتعيش مخاضا حاسما وفي حين كانت التيارات الواعدة (الديمقراطي والليبرالي والتقدمي والإسلامي) تتلمس طريقها إلى الفعل الإيجابي كانت المجلة الفرانكفونية المبتدعة تُشيع أنّ التطرّف الدّيني يحاصرنا ويضعنا على حافة الهاوية مهدّدا مكاسب الدّولة والمجتمع.
أمّا مدير الحزب الحاكم المذكور فكان يؤسّس خلايا مسلّحة وميليشيات مدرّبة على إشاعة الرعب وقمع المخالفين وترهيبهم، ورغم أنه في شهادة تاريخيّة للذّاكرة الوطنيّة أمام مركز التميمي للدراسات التاريخية قد أنكر ما نُسب إليه ونفى تكوينه للميليشيات جملة وتفصيلا فإن القاصي والدّاني كان يعلم أن ذراعاً مسلّحةً تمارس العنف المنظّم باستخدام الهراوات والسلاسل والقضبان الحديدية ضد الطّلبة في الجامعة والعمّال في المصانع والجماهير في الشّارع وفي الساحات العامة وأنها كانت تتلقّى أوامرها مباشرة من مدير الحزب وتدين له بالولاء والطّاعة العمياء.
ولأن الظاهرة التطرفية التي كانت تنفخ فيها مجلّة ديالوغ وتهوّل من مخاطرها لم تكن سوى صحوةِ تديّن في بلد يعيش بصعوبة سلخ هويته العربيّة الإسلامية، وزفرة شعب يُراد له أن يكون مُنبتّاً بلا وجهة ولا هدف فلاذ بينابيعِ دينه يرتوي منها بعد ظمأ وبقيمها يتحصّن.. صحوة تديّن لا يمكن أن تشتغل عليها الفرق الأمنيّة لمقاومة الإجرام ولا فرق مكافحة المخدّرات ولا الشّرطة الاقتصادية... فهي مبرّأة من كل ذلك، اشتغلت الآلة الإعلامية لتُهيّئها كي تكون لقمة سائغة لمباحث أمن الدولة التي أعدّت لها المُحاكمات السياسية وأودعتها السّجون لكي يبدأ مسلسل مكافحة التطرف بلا هوادة ويُتخذ ذريعة لتعليق الإصلاحات إلى أجل غير مُسمّى وصار الوعد بها خطاباً بدون رصيد ولا أثر في الواقع، صار موعدها بعيدا والطّريق إليها شائكة ومعقّدة، ومع كلّ فصل دراميّ من مسلسل التّطرّف الذي يأخذ أحيانا طابع ملاحقة اللحى والجلابيب وأحيانا أخرى مراجعة برامج التعليم لتجفيف ما تبقّى من الينابيع وتخريب الوطن، يتأخّر أبعد من ذلك موعد الإصلاحات والمصالحات.
في تلك اللحظة الفارقة، لحظة تحدّي البقاء لنظام نخرته الخلافات والأزمة من الدّاخل، لحظة بعث مجلّة ديالوغ لتأجيل الحوار حول مصير الوطن بُذرت حبّة خبيثة تسرّبت كالوباء إلى العقل السّياسي التونسي هي بذرة التّخويف من خطر التطرّف، الفزّاعة التي خرّبت الوعي السّياسي واعتُمدت من قبل الآلة الإعلاميّة والإيديولوجيا الرسميّة للحزب والدّولة من أجل إشعال نيران أكبر فتنة في العهد ما بعد الاستعماري بعد الفتنة اليوسفيّة، وُظِّفت فيها الأجهزة الحزبية والأمنيّة وعدد من التّنظيمات السياسية الاستئصالية المخترقة والمندرجة في سياق الخيار الاستبدادي تُعاضده وتُغذّيه ويُسندها ويُغذّيها.
ولئن أمكن للدّولة القُطريّة أن تتجاوز بعض أزماتها الظّّرفيّة فإنّ مقاربتها لصحوة التّديّن بطريقة خاطئة أوقعتها في مأزق القطيعة مع المجتمع ومع فئاته الشّبابيّة بدرجة أولى، فعوض أن تبحث معه عن لغة مشتركة ولو اقتضى ذلك فكّ شفرات رغباته المكبوتة ومطالبه المستحيلة والإنصات إلى مطالبه العاجلة المشروعة ألقت عليه تبعةَ عجزها واتّهمته بالغلوّ والتّطرّف الذي يعني عندها عُقوقا وتنكّرا لتضحيات المقاومين الذين قارعوا الاستعمار. وككلّ عُقوق ينبغي إعادته إلى الجادّة لم تتردّد الدّولة في قمع الحراك الشّبابي، وكلّما استعرت حرب الخلافة انهالت السّياط على شباب الصّحوة ووُضع ملفّ التّطرّف الدّيني والسّياسي على رأس سُلّم الأولويّات على حساب ملفّات التّنمية والتّعليم والصّحّة..
إنّ وضع قضيّة التّطرّف في صدارة الاهتمام دليل قاطع على أنّ أولويّة النّخبة الحاكمة في تعارضٍ مع أولويّات المجتمع الذي لم يُبدِ في أيّ طور من أطوار الدّولة الجديدة منذ قيامها تذمّرا ممّا تتذمّر منه ولم يشعر بما تؤكّد عليه من مخاطر.. حتّى صار اليوم لا يُصدّقها فيما تدّعي ولا يثق بما تُعلن وما تُشيع. وحتّى البلدان التي عانت من العنف السّياسي ووصلت الأمور فيها حدّ الحرب الأهليّة لم تنجح فيها الدّولة في تبرئة ذمّتها من التّورّط في تفجير المواجهات وإدامة الأزمة ولم تنجح في إحداث شُقّة بين أبناء الشّعب الواحد.
إنّ تجربة مجلّة ديالوغ تُحيلنا على جملة من الأسئلة الأساسية لأنّها تجربة يُعاد تكرارها تحت عناوين مختلفة وفي أقطار عربيّة عديدة ما تزال تنميتها السياسية تتعثّر بسبب إصرار نُخبتها الحاكمة والمتنفّذة على نهج الانفراد بالحكم والقرار واستبعاد القوى الحيّة المتشبّعة بقيم الهويّة والإصلاح.

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©