الإسلام السياسي التركي أنموذج يحاكي الحداثة بقلم الدكتورة ريتا فرج
لم يأتِ تصاعد دور حزب العدالة والتنمية في تركيا على المستويين الداخلي والإقليمي، من فراغ تاريخي، بل من تطور تراكمي مرّ به الإسلام السياسي التركي مع حزب الرفاه أولاً، قبل أن يُتخذ القرار بحظره عام 1998، بفعل هواجس الطغمة العسكرية من تنامي مقدراته، ومن شعار المواءمة بين الحداثة والإسلام الذي تبنته حكومة رجب طيب أردوغان ثانياً، وذلك على وقع الاستفادة من العلاقات الاستراتيجية مع أوروبا والولايات المتحدة، مما مكنّه من إمتلاك أوراق ضغط لكسب المزيد من الرهانات على خارطة الشرق الأوسط المأزومة، وساهم في
- 10 أبريل 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
لم يأتِ تصاعد دور حزب العدالة والتنمية في تركيا على المستويين الداخلي والإقليمي، من فراغ تاريخي، بل من تطور تراكمي مرّ به الإسلام السياسي التركي مع حزب الرفاه أولاً، قبل أن يُتخذ القرار بحظره عام 1998، بفعل هواجس الطغمة العسكرية من تنامي مقدراته، ومن شعار المواءمة بين الحداثة والإسلام الذي تبنته حكومة رجب طيب أردوغان ثانياً، وذلك على وقع الاستفادة من العلاقات الاستراتيجية مع أوروبا والولايات المتحدة، مما مكنّه من إمتلاك أوراق ضغط لكسب المزيد من الرهانات على خارطة الشرق الأوسط المأزومة، وساهم في تفعيل قدرته عبر البوابة العالمية هذه المرة، خصوصاً بعد أن خسر العرب معاركهم أو حتى تنازلوا عنها لصالح الأجندة الامريكية، فوصلت مفاوضات السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين الى طريق مسدود، ودخل عراق ما بعد صدام حسين في دائرة من العنف، والحالة السودانية ليست بأقل خطورة، كل ذلك يرافقه غياب للقرار العربي المشترك الذي افتقد مقدراته الوحدوية منذ الموت الفجائي للرئيس جمال عبد الناصر.
الحديث عن الإسلام التركي المعتدل، يؤكد حقيقة جوهرية مفادها، أنه بإمكان الحركات الإسلامية خوض تجربة الحكم بنجاح في حال إختيارها لمنهجية التوليف بين الدين والحداثة، أي الحفاظ على مقومات بنى المقدس برؤية إجتهادية قادرة على محاكاة العالم بلغته المعاصرة من جهة، والتأكيد للمجتمع الدولي أن المعضلة ليست في الإسلام كدين، وإنما في السياسات الخارجية الدولية التي أنتجت هلال من الأزمات والحروب المتنقلة من المحيط الى الخليج من جهة ثانية، دون أن ينفي ذلك، أن المسلمين يمرون في حالة من المخاض بسبب قراءتهم الإسقاطية للتراث، وتغييبهم للعقل النقدي، وإسقاطهم لمفهوم السببية. ولا شك أن نجاح تجربة حزب العدالة والتنمية في الوقت الراهن، لا يعود فقط الى الرؤية التي يمتلكها في إدارته للملفات الداخلية وللسياسة الخارجية الهادفة الى تصفير الخلافات مع دول الجوار كما حددها عميد الاستراتيجيا داوود أوغلو حامل لواء العمق الاستراتيجي، بل عززت التحولات العالمية فعالية هذا الدور؛ فتفكك الاتحاد السوفييتي أجبر الأتراك على الاحتكاك المباشر مع آسيا الوسطى بحكم البُعد الإثني، عدا أن سياسة الانفتاح الاقتصادي بدءاً من عام 1980 مارست دوراً مهماً، وتأتي سياسة التوليف التركي ـ الإسلامي التي صاغها الهان تيكيلي في مؤلفه 'حول التوليف الإسلامي ـ التركي'، لتعبر عن الحراك النوعي الذي أوصل الإسلام التركي المعتدل الى ذروته حضوره الإقليمي.
وإذا ما تمت مقارنة تجربة الإسلام التركي بالحركات الإسلامية المنتشرة في العالم العربي، نلحظ إختلافات جوهرية بين الطرفين، ورغم حدة الضغط الذي مورس من قبل حماة الايديولوجيا الكمالية على الإسلام السياسي في أنقرة، لكنه استقى من تجارب من سبقه، وأدرك أهمية المزاوجة بين الهوية الدينية ومتطلبات العصر، في حين أن مخاض الاسلامويين على الجبهة العربية لم يؤدِ الى النتيجة المرجوة، رغم أقدميتهم التاريخية، تحديداً عند الإخوانية المصرية، التي ما برحت حتى اللحظة الراهنة تُستزف نتيجة عوامل متعددة، أولها، رفض تجديد خطابها العقائدي، أي ضمور الحقل الاجتهادي عند مرجعياتها؛ ثانيها، تعرضها لحالة من العنف الدوري من قبل النظام الرسمي الحاكم، الأمر الذي منع عنها إمكانية الخروج بعدة مفهومية حداثوية تقربها الى حد ما من الإنموذج التركي، فإنشغلت في حماية وجودها رغم الجماهيرية النسبية التي كشفت عنها انتخابات مجلس الشعب عام 2005.
الى ذلك، تكشف المقاربة بين الإسلام التركي والحركات الإسلامية في العالم العربي، عن وجود فروقات مفصلية، فبعد أن فشلت الاخيرة في الوصول الى الحكم وفي المشاركة بصناعة القرار، نزعت الى تطبيق قاعدة أساسية قائمة على أسلمة المجتمع، أي إحداث التحول المطلوب عبر القاعدة بهدف الوصول الى القمة. ولكن هذه الآلية أدخلتها في نمط من السلفية الجديدة، مما أفقدها القدرة على التعديل بناها العقائدية في ظل سطوة النزعة الدينية الشعبوية التي تجتاح الجمهور العربي، مما يشي بأن إشكالية التحديث المطلوبة عند الإسلامويين العرب تبدو أكثر صعوبة، لكون طبيعة المجتمعات غير قادرة على مجاراة متطلبات الواقع، مع ما يرافقها من إنسداد تاريخي بنيوي يتجلى في الفضاء العربي العام. ولكي يتخطى العرب تأخرهم، لا بد من توسيع دائرة التعددية السياسية، والإقرار بحق الاختلاف، وتعزيز أولوية العقد الاجتماعية بين المواطن والدولة، وتأمين الحد الأدنى من الرفاه الاقتصادي، وحين يتحقق ذلك، عندها يمكن الحديث عن إسلام سياسي عربي معتدل؛ فالأزمة لا تكمن عند الإسلامويين فقط، بل هي أزمة عابرة للشرائح المجتمعية التي ما برحت تعيش في حالة غربة عن الأنظمة الحاكمة، وعندما تتخطى السلطة رهابها الأمني عبر مدّ الجسور مع الجمهور والقبول بالرأي الآخر، سنشهد تيارات إسلامية معتدلة، لا تعيش هواجس الاضطهاد، بل على العكس ستتيح لها مساحة الحرية التعبير عن توجهاتها بلغة العصر، وليس بلغة سلفية، تؤكد للغرب أن الإسلام عصية على الحداثة.
نجاح حزب العدالة والتنمية في دعم حضوره الداخلي والإقليمي، لا يرتبط بنزعته الحداثوية فقط، بل في وضعه على سلم أولوياته منذ وصوله الى السلطة قضايا تقلق العرب أنفسهم، فركز على القضية الفلسطينية، وانتهج سياسة تصفير الخلافات مع محيطه، ولعب دور الوسيط في القضايا العربية بدءاً من العراق مروراً بالوساطة بين إسرائيل وسورية لإحلال السلام، وصولاً الى تحدي حكومة بنيامين نتنياهو المتشددة، ولعل ما أشار اليه رجب طيب اردوغان قبل لقائه الاخير مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي حين قال 'إن الدولة العبرية هي الخطر الرئيسي اليوم على السلام في الشرق الاوسط' خير دليل على ذلك. كل هذه الأهداف التي حددها الإسلام التركي المعتدل في أجندته المثقلة، لا نجد لها حضوراً عند الاسلامويين العرب، حتى من وصل منهم الى السلطة، فهموم المواطن الحياتية غائبة عنهم، والقضية الفلسطينية لا تشكل بنداً أساسياً في أجندتهم. والحال لماذا نجح الإسلام السياسي خارج الدائرة العربية، وفشل عندنا؟ هذا ما سنعالجه في مقالة لاحقة.
* كاتبة وباحثة لبنانية