نصوص

الإسلاميون والهزيمة النفسية

يقول نابليون: (ربما نكون قد خسرنا معركة لكننا بالتأكيد لم نخسر الحرب) هذه الكلمة تكاد تكون اٌلأقرب إلى الحالة الإسلامية الراهنة في العالم الإسلامية فإنّ التعثر الواضح, والتراجع في بعض المواقع قد بدأ يظهر بوضوح خلال الأعوام القليلة الماضية فسواء كان التراجع في الانتخابات للجماعات الإسلامية التي تتبنى العمل السياسي بهذه الكيفية, أو تقليص نشاط بعض الجماعات السلفية نتيجة للتدخل من الدولة بحجة مقاومة الإرهاب, أو إنّ القاعدة ومثيلتاها بدأت في فقدان بعض المراكز نتيجة لخطة الحرب على الإرهاب التي تنفذها

0
9 ديسمبر 2009
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

يقول نابليون: (ربما نكون قد خسرنا معركة لكننا بالتأكيد لم نخسر الحرب)

 هذه الكلمة تكاد تكون اٌلأقرب إلى الحالة الإسلامية الراهنة في العالم الإسلامية فإنّ التعثر الواضح, والتراجع في بعض المواقع قد بدأ يظهر بوضوح خلال الأعوام القليلة الماضية  فسواء كان التراجع في الانتخابات للجماعات الإسلامية التي تتبنى العمل السياسي بهذه الكيفية, أو تقليص نشاط بعض الجماعات السلفية نتيجة للتدخل من الدولة بحجة مقاومة الإرهاب, أو إنّ القاعدة ومثيلتاها بدأت في فقدان بعض المراكز نتيجة لخطة الحرب على الإرهاب التي تنفذها أمريكا وعملاؤها, كل هذا وغيره قد يكون من مظاهر الانحسار المؤقت لجماعات الإسلام السياسي ولكنه ليس الفشل كما يردد أو ليفاى كاري في كتابه (فشل الإسلام السياسي) أو ما أصدره الباحث الفرنسي المتخصص في الحركات الإسلامية، جيل كيبيل في كتابه "الجهاد: توسع الأصولية الإسلامية وأفولها وانحدارها"، أو ما أصدره كل من "راي تاكيا" و"نيكولاس كي. جفوسديف" كتابهما بعنوان "الظل المنحسر للنبي.. صعود وسقوط الإسلام السياسي". والفكرة الأساسية التي تدور في هذه الكتب وغيرها هي أنّ ظاهرة الإسلام السياسي قد فشلت أو أنها في طريقها إلى الفشل المحتوم في العالم العربي والإسلامي سواء بسبب عدم قدرة الإسلاميين على صياغة نموذج سياسي مقبول من المجتمعات التي يعيشون فيها، أو بسبب اتجاههم إلى ممارسة العنف كرد فعل من قبلهم على فشلهم في المعترك السياسي. فكل هذه الآراء ليست إلّا من باب البحث الأكاديمى الذي لا يفهم الظاهرة الإسلامية فهمًا صحيحًا أو قد تكون من باب الأمنيات.

كل هذه الآراء لا تمثل  أهمية كبرى في مسيرة العمل الإسلامي ولن تؤثر عليه باعتبارها آراء غربية لن تثنيَ على الإسلام خيرًا حتى لو من باب الإنصاف الاكاديمى, ولكن المؤسف حقًا هي تلك الأبواق التي بدأت تردد هذه المقولات على أنه خبر يقين بدون النظر إلى قائل هذا الكلام ومن يكون, وبدأ سيل من المقالات التي لا تنتهي تكتب عنوانين براقة مثل (فشل الإسلام السياسي, سقوط الإسلام السياسي, حتمية موت الإسلام السياسي) وغير ذلك وكنت أقرأ كل ذلك وأعلم يقينًا إنها جولة وإنّ الإسلام السياسي قادم لا محالة بمشروعه الحضاري والفكري المستمد من القرءان والسنة, وإننا لا نستطيع إلا أن نقول إنّ الإسلام الآن تحمله حركات لا حكومات, هي التي تقوم بالدافع عن قضاياه, ولذلك نتكلم عن عودة الإسلام السياسي لا عن حكومات ليس لها من الإسلام إلا المسمى, ولكن المؤسف والذي يدمى القلب والعين هو الهزيمة النفسية لدى الكتّاب الإسلاميين وحتى المنتمين منهم إلى الحركات الإسلامية, وأصبحنا نسمع عن دعوات لن تفيد في مسيرة العمل الإسلامي إلا مقدار ما يحمله الطائر الصغير من ماء البحر.

وفي الأيام الأخيرة بدأت في متابعة ما يكتبه الأستاذ / سمير العركى, وللأسف كان الاسم الأحدث والأبرز أمامي للهزيمة النفسية لدى فريق من الكتاب الذين يناظرون للإسلام خاصة في مقاله المنشور على عدة مواقع على الشبكة الإلكترونية بعنوان (الحركة السياسية والعمل السياسي), وقبل أن أبدأ في الرد على المقال المذكور, أؤكد على أنّ هناك مجموعة كبيرة من الكتاب المحسوبين على المشروع الإسلامى, وبينهم وبين الحركة الإسلامية عداء شديد, وبمجرد أن يري بشائر نجاح لأيّ من هذه الحركات تجده يشمر عن ساعده ويبدأ في الهجوم المضاد بشكل لا يقوم به أعداء الحركة أنفسهم, وهذا ليس له سبب إلا الهزيمة النفسية الواقعة عليهم؛ وما المقالات التي كتبها واحد من أكبر كتاب الأهرام, والمحسوب على الإسلاميين في تصديه لأصحاب مشروع إقامة الخلافة الإسلامية إلاّ خير دليل على ذلك، وفي مقابلة شخصية مع واحد من أكبر الكتاب الإسلاميين في مصر رفض رفضًا صريحًا مشروع  الدولة الإسلامية الذي تنادى كل حركات الإسلام السياسي به, ولقد قابلت في حياتي الكثير من هؤلاء حتى أنّى وقفت أناظر إحدى الشخصيات اللامعة في العمل القانوني والدعوى, في قوله (إنّ على أهل السنة أن يتخلوا عن فكرة إقامة الدولة الإسلامية وأن يستعينوا بما فعله الشيعة في الفكر السياسي من ولاية الفقيه وغيرها, وخاصة الأباضية منهم, الذين يقولون بتعدد الولايات السياسية في الإسلام)

هذا قليل من كثير مازلت أحمله في عقلي من لقاءات تمت مع كثير من شخصيات العمل الإسلامي في مصر, وقد عاهدت نفسي على أن لا أذكر اسم واحد من هؤلاء حتى لا يفقد الشباب قدوتهم في هؤلاء خاصة بعد أن عرفت أنّ واحدا من هؤلاء يكتب في الصباح عن الإسلام ثم يذهب في المساء إلى دار الأوبرا لكي يشاهد حفلات الباليه الراقص فعندئذ  قلت إنّ النصر لن يأتي من هؤلاء.

أما الأستاذ /العركى فهو يدعو في مقاله المذكور إلى دعوة غريبة عن الحس الإسلامى وهي دعوة التصالح مع الدولة  فيقول (إنّ كثيرًا من الأهداف الإصلاحية التي رسمتها الحركة الإسلامية لنفسها للأسف الشديد لم تتحقق على أرض الواقع، والنجاحات التي كانت الحركة تحرزها في بعض الأوقات كانت تتبعها إخفاقات.. والظهور كان يليه اختفاء.. وأظنّ أنّ سوء العلاقة بين الحركة الإسلامية وبين الدولة المصرية قد ساهم بنصيب وافر في هذه الإخفاقات. فالحركة الإسلامية اختارت ومنذ عقود طويلة سبيل المواجهة مع الدولة سواء على المستوى العسكري أو السياسي.. وأفنت أجيال سابقة جهدها وعمرها من أجل التنظير لهذه المواجهات مما أورثها قداسة في النفوس استحالت على النقد لعقود طويلة. ولست بصدد مناقشة من الذي بدأ بهذه المواجهة الحركة أم الدولة.. ولكنى أريد كسر الجمود من أجل علاقة أفضل. بين الحركة الإسلامية وبين الدولة المصرية) (موقع إسلاميون نت).

خطاب يحمل بين طياته هزيمة نفسية إلى أبعد الحدود ونريد أن نفهم ما هى الدولة التي يريد التصالح معها؟ إننا نتساءل ما هى العلاقة بين الدولة والحركة الإسلامية؟ أهي علاقة معايشة؟ أم تبادل منفعة؟ أم أنّ الوضع الصحيح هي علاقة تضاد! هل المشروع الإسلامي والدولة الموجودة يمكن أن يلتقوا؟ إنّ المشروع الإسلامي والدولة هي علاقة صراع بين طرفين كل منهما يحمل مشروع مناهض للأخر. الدولة تحمل مشروع دولة جمهورية تحكمها قوانين يتم مناقشتها والموافقة عليها في مجلس الشعب, حسب رغبة الأعضاء, ثم التصديق عليها من رئيس الجمهورية, لا دخل فيها للحرام والحلال, لكن الدولة الإسلامية التي يحكمها إمام المسلمين مقيد بأحكام الشرع, وأحكام الإسلام هو الأساس الذي تقوم عليها الدولة. فكيف يكون تصالح بين الإسلاميين والدولة, أعلم أن تجربة الجماعة الإسلامية تجربة مريرة في مسيرة العمل الإسلامي.

يقول الأستاذ العركى (ولقد تحملت الجماعة الإسلامية المسؤولية الكبرى في التنظير والتنفيذ لهذه المواجهات، كما أنها تحملت المسؤولية وحدها من أجل إنهائها فكرًا وسلوكا)...

هل العمل الإسلامي هو العمل المسلح أو التصالح مع الدولة والسير في ركابها فقط, لايوجد عمل آخر, لماذا تصر الجماعة الإسلامية أن تقوم بدور وزارة الأوقاف غير الرسمية في البلاد, لماذا تصرون على هدم تاريخ العمل الإسلامى كله, إنّ الشعب المصري إلى اليوم مازال يرفض كامب ديفيد وأنتم الآن تقبلونها, العالم كله يسعى إلى دمج الإسلاميين في الاشتراك في العملية السياسية وأنتم تريدون أن نتركها؛ إنّ المراجعات التي قامت بها الجماعة الإسلامية لا نستطيع إلا أن نقول إنها خطوة جرئيه وقوية من أكبر فصائل العمل الإسلامى المسلح, في التخلي عن تبنى العمل المسلح كأداة لتطبيق المشروع الإسلامى, ولكن ليس معنى ذلك أن نترك العمل السياسي الإسلامي كما جاء في النداء الموجه من إحدى قيادات الجماعة الإسلامية إلى الإخوان المسلمين (لا جدوي من السياسية), ثم كيف يكون التصالح بين الإسلاميين والدولة, هل ستكف الدولة عن الاعتقالات والتعذيب, ومنع الدعاة والهجوم على النقاب والحجاب, والطعن في ثوابت الإسلام على لسان قيادات الدولة والشخصيات البارزة من سياسيين ومفكرين وصحفيين محسوبين على الدولة؟! ألا تقرأ ما يكتب في الأهرام وروز اليوسف والجمهورية وغيرها؛ أليست هذه جرائد الدولة التي تريد التصالح معها, أليست هي الدولة التي أعطت جائزتها لمن يطعن في الدين والنبيّ صلى الله عليه وسلم. ولماذا لا تطالب الدولة بالتصالح مع الإسلاميين, تتصالح الدولة معنا وتعطينا مساجدنا ومنابرنا وتوقف الاضطهاد والاعتقالات للإسلاميين, لماذا لا تسمح الدولة بإنشاء حزب للإسلاميين لممارسة العمل السياسي الحزبي لمن أراد؟!...

ثم يحدد الأستاذ العركى ثلاث عقبات في الطريق في التصالح مع الدولة؛ الأولى قد  ذكرناها وهى العمل المسلح والثانية (والمتمثلة في المواجهات السياسية، والتي مثلت – كما قلت من قبل – خصمًا من رصيد الإخوان المسلمين الدعوى والتربوي.) المواجهة هذه هي طبيعة الإسلام مع الفكر المضاد, والعمل السياسي وكشفت عورات النظام والتصدي له سياسيًا هذه أبجديات أيّ حركة سياسية. وأمّا الثالثة (فهي إصرار الحركة الإسلامية على حشر نفسها في الأطر التنظيمية الصارمة، والأشكال المتوارثة للعمل الإسلامي ولم تتجشم عناء البحث عن صيغ جديدة لوجودها تكون أكثر قبولاً من الدولة، وتوافقًا مع الظروف الراهنة.).. لقد مارست الحركة الإسلامية كل الصيغ الموجودة على ظهر الأرض سواء العمل الفردي المتمثل في بعض الدعاة مثل السلفيين أو الدعاة الجدد ولم يتركوا؛ منهم من تم اعتقاله ومنهم من منع من الدعوة؛ ثم العمل الجماعي في تنظيمات كبيرة مثل الإخوان المسلمين ويتم اعتقالهم ومنعهم, مجموعات صغيرة امتلأت بهم السجون. أنصار السنة كجميعه قانونية تم منع بعضهم واعتقال البعض. حزب سياسي قانوني مرفوض من الدولة!.. ما هو الإطار التنظميى الذي تريد الدولة أن توافق عليه؟!.. لا شيء غير ترك الإسلام وأن تصبح عضو في الحزب الحاكم!..

ثم كانت قاصمة الظهر عندما يقول الأستاذ/ العركى (فالدولة حسمت أمرها ولم يعد لديها سبيل لتواجد الحركة الإسلامية بشكلها التنظيمي القديم الموازى لكيان الدولة والمناوئ له، وإصرار الحركة الإسلامية على أطرها التنظيمية التقليدية لن يزيدها إلا رهقًا، خاصة والسلطة الحاكمة تشعر أنّ هذه الكيانات تتحرك لإزالتها والقفز عليها.).. إنّ الدولة حسمت أمرها يوم أن قتلت البنا وأعدمت سيد قطب وفتحت باب السجون لكل أطياف الجماعات الإسلامية, لقد حسمت الدولة أمرها يوم أن رفضت الإسلام كمشروع نهضوي للأمة وتبنت الاشتراكية والراسمألية.

الدولة لا ترفض الإطار التنظيمي التقليدي للحركة الإسلامية, إنما ترفض الإسلام كمشروع سياسي, فالدولة لن تقبل منا إلا إسلام الموالد والأضرحة.

وبخصوص أنّ الحركات الإسلامية تتحرك لإزالة الدولة والقفز عليها فهو واقع الإسلام مع كل الأنظمة التي تقف في سبيل دعوته, إنّ لب الصراع بين الإسلام وغيره هو صراع تضاد ليس صراع معايشه ويوم أن تفقد الحركات الإسلامية هذا الصراع تكون قد حكمت على نفسها بالموت.

أما تصريحات الأستاذ العركى بخصوص التوريث فهي لم تصل إلى الأدنى من أمنيات رجل الشارع, وحسابها بالمنافع والمفاسد تجعل من الإسلاميين في موقف النفعيين وهذا ما يرفضه الإسلام فالحساب يكون بالشرع والشرع فقط.

لست ممّن يركب الموجة ويعتلى المنابر ليثير الحماس, ولكنّ الموت قادم لا محالة وسنسأل عن ما قدمنا لدين الله. فالأفضل لنا أن تكون الإجابة إننا جلسنا في بيوتنا ننتظر ظهور المهدي, أفضل من أن تكون إجابتنا إننا وضعنا أيدينا في يد من لا يقبل من إسلامنا إلا القشور وفي يوم ما سيرفضها... (فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله)...

 

محمود طرشوبي

كاتب مصري      
  

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©