نصوص

الإخوان المسلمون.. المنعطف الديمقراطي

تعمدت بعض الأطراف مؤخرا تسريب نبأ استقالة المرشد العام للإخوان المسلمين بمصر الشيخ محمد مهدي عاكف من منصبه على خلفية صراعات داخل الجماعة بين من أسمتهم تيار المحافظين وتيار الإصلاحيين، وهو ما نفاه المرشد العام نفسه وعدد من أعضاء مكتب الإرشاد، مؤكدين في الوقت نفسه أن الجماعة تشهد نقاشات مستمرة حول أوضاعها الداخلية وأوضاع مصر والأمة الإسلامية، وأن الجماعة فيما يتعلق بالمهام وبالتعديلات في المسؤوليات كانت وما تزال تحتكم إلى لوائحها الداخلية. وربما يعيب البعض على الحركة وقيادتها نقصا في الشفافية لا ن

0
24 أكتوبر 2009
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

تعمدت بعض الأطراف مؤخرا تسريب نبأ استقالة المرشد العام للإخوان المسلمين بمصر الشيخ محمد مهدي عاكف من منصبه على خلفية صراعات داخل الجماعة بين من أسمتهم تيار المحافظين وتيار الإصلاحيين، وهو ما نفاه المرشد العام نفسه وعدد من أعضاء مكتب الإرشاد، مؤكدين في الوقت نفسه أن الجماعة تشهد نقاشات مستمرة حول أوضاعها الداخلية وأوضاع مصر والأمة الإسلامية، وأن الجماعة فيما يتعلق بالمهام وبالتعديلات في المسؤوليات كانت وما تزال تحتكم إلى لوائحها الداخلية. وربما يعيب البعض على الحركة وقيادتها نقصا في الشفافية لا نقصا في الديمقراطية الداخلية واحترام اللوائح التنظيمية.
وبقطع النظر عن صحة هذه التسريبات وخلفياتها السياسية والأمنية، فإن بعض المختصين في الجماعات الإسلامية مثل السيد ضياء الدين رشوان يعتبر في مشاركات إعلامية سابقة أن جماعة الإخوان المسلمين بحكم تاريخها وانتشارها وتغلغلها في النسيج الاجتماعي المصري وكفصيل سياسي يعد أقوى فصيل في المعارضة المصرية، لا ينبغي اعتبار شأنها الداخلي شأنا خاصا. فمن حق المصريين الاطلاع على مجرى حياتها الداخلية مثلما سنح لهم معرفة فكرها ومواقفها السياسية، وهي وجهة نظر جديرة بالاهتمام كما هي قابلة للنقاش. فكل الأحزاب بما في ذلك الأحزاب القانونية والحاكمة تدير شؤونها وفق قواعد وضوابط وقوانين وتقاليد تغلب جانب الانفتاح أو جانب التكتم.
ولقد سبق أن دعونا في بحث سابق الفاعلين السياسيين والاجتماعيين إلى الانفتاح على مؤسسات البحث العلمي وعلى الإعلام لتقييم تجاربهم والحكم عليها من وجهة نظر علمية أكاديمية محايدة أو إعلامية مهنية ومستقلة، ففي ذلك عامل مساعد للحركات الاجتماعية والسياسية على المراجعة المستمرة والتطور الدائم، ولعل الظروف الخاصة ببعض الحركات والأحزاب مثل الملاحقات والمضايقات الأمنية وسياسة الإقصاء والمحاصرة المسلطة عليها تعوق مثل هذا الانفتاح المنشود، يضاف إلى ذلك تعمد الجهات الإعلامية غير المحايدة أو ذات الارتباط بمراكز نفوذ معينة إنتاج خطاب إعلامي لا ينصف تلك الحركات، بل يكرس عنها صورة نمطية تبرز بعض الأبعاد التي لا تمت إلى جوهر حقيقتها بصلة، أو ليست من ثوابتها.
وبالتأكيد فإن جماعة الإخوان المسلمين التي لم تعدم طيلة مسيرتها -الممتدة على خمسة وسبعين عاما الخصوم والمناصرين، تعرضت لحملات تشويه منظمة، لكنها في كل مرة تنجح في الإبقاء على صورتها ناصعة نقية من الشوائب. كما تعرضت أكثر من مرة إلى محنة قاسية خرجت على إثرها ثابتة على نفس المبادئ مصرة على نفس الأهداف. ولا يعني ذلك أن مسيرتها كانت موفقة كلها أو خالية من الأخطاء مهما كان المعيار المعتمد في الحكم على تجربتها، كالعلاقة بالسلطة، وبالأحزاب المخالفة، ونظرتها إلى المرأة، وموقفها من الأقليات الدينية ومن القضية الفلسطينية.. وقبل ذلك كله فهمها للإسلام وصلتها بالمرجعية الإسلامية. فإن الإخوان المسلمين هم اليوم مدرسة بأتم معنى الكلمة، لها رموزها منذ زمن المؤسس الإمام حسن البنا، ولها مراجعها الفكرية وأدبياتها الخاصة، بما يجعل تأثير أي شخصية قيادية تنتسب إلى نفس المدرسة أو إلى أي هيكل قيادي على أهمية ذلك التأثير الذي يمكن أن يرتقي إلى درجة ترك بصمة خاصة ولون معين، لا يمكن أن يلغي دور المؤسسة التي تبقى رغم تغير الوجوه القيادية والرموز البارزة والتداول على المسؤولية.
إن الجماعة التي أسسها الإمام البنا تصور لها منذ اللحظة الأولى شكل إدارة عصرية وتنظيم حديث في مجتمع تتمازج فيه القيم التقليدية والحديثة وتتعايش فيه أو تتصارع الهياكل التقليدية الموروثة والهياكل الهجينة والجديدة المستحدثة.
وقد كانت وجهته الأصيل لا الهجين، والصالح من جديد أو قديم وافد أو محلي، ولكن الإمام البنا على ما يبدو كان في وعيه متقدما على الجماعة وسابقا عصره، حتى إذا غاب بعدما أدركت قوى الاستعمار والرجعية الحاكمة خطورة دوره فاغتالته لإعاقة مشروعه أو تحريفه، دخلت الجماعة في سلسلة من التقلبات دفعت فيها ضريبة باهظة كما عرفت عمليات تصحيح متعاقبة حتى تكون وفية لخط الإمام المؤسس. لكن آلية صنع القرار وترتيبات إفراز القيادة بقيت من المسائل التي يلفها الغموض وتربك الجماعة عند المنعطفات التاريخية أو عند حصول فراغ في منصب المرشد العام، وهو ما يبدو أن الجماعة قطعت شوطا في تجاوزه بعد صعود جيل جديد من القيادات ذات الكفاءة العلمية والخبرة السياسية والتجربة الميدانية. وبعدما أصبحت حركة الإخوان مكونا رئيسيا في الساحة المصرية، وإذا كان ثمة من أثر لأزمة ما، فهي على الأرجح ليست أزمتها الخاصة، بل أزمة نظام سياسي مصري يمنحها حق المشاركة أقل بكثير مما يمكن أن تحوزه في ظل تنافس حقيقي، فهو يأخذ منها أكثر مما يستحق ويعطيها دون ما هي جديرة به، ربما لأنها عصية على الاحتواء «لحمها مر» بتعبير مرشدها العام الأسبق الشيخ عمر التلمساني، أو لأنها تحقق في تجربة الاستعصاء والتمكين الاجتماعي جدلية الاضطهاد وفرض الوجود. فبعد كل موجة اعتقالات جديدة تزداد الحركة شعبية وتجذرا وشرعية ويقينا. فإن الجماعة رغم الملاحقات الأمنية المستمرة قد راكمت المزيد من المكاسب السياسية. ولئن اعتبر البعض أن المرشد العام الحالي الذي ستنتهي ولايته خلال أسابيع دون من سبقه سطوة ومهابة، فإن البعض الآخر قد رشح منذ سنة 2004 الشيخ محمد مهدي عاكف لأن يكون أهم مرشد في تاريخ الإخوان منذ الإمام حسن البنا.
إن الحركات الإسلامية التي تنتمي إلى المدرسة الإخوانية هي اليوم جزء من المشهد السياسي العربي والإسلامي، وإذا كان بعضها محظورا بالكامل في بعض الأقطار ينتظر طي صفحة المنع والإقصاء، فإن بعضها الآخر شريك في الحياة السياسية أو شريك في الحكم. وليس في الأمر تناقض وإنما هو تباين في سياسات الأنظمة تجاه ما صار يطلق عليه الإسلام السياسي.
وبقطع النظر عن التجربة الخصوصية لكل فصيل منها، فهي اليوم باتت تقبل بمقتضيات العملية السياسية ونتائجها من فوز أو تراجع. ومع تمسكها بالمرجعية الإسلامية فهي تتعاطى مع الواقع وفق برنامج سياسي وحزمة حلول للمشكلات الواقعية والتحديات المطروحة. وذلك من شأنه أن يبدد الكثير من المخاوف من المشروع الذي تقترحه الحركات الإسلامية السياسية. ونعتقد أن مسؤولية جماعة الإخوان المسلمين في مصر في تحقيق ذلك مسؤولية جسيمة، وهذا ما تستشعره حتى الحركات السلفية والجهادية التي اصطدمت بالأنظمة وبالواقع وأقدمت على مراجعة تجربتها ومنهجها.

العجمي الوريمي

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©