الأنـقـلابـيـون ...
بعد سقوط الطاغية, انتظمت الأحزاب جميعها ضمن أهدافها قصيرة وطويلة المدى, وكان القاسم المشترك بينها لعنة النظام السابق بما فيه من إلغاء للآخر والعمل على إرساء الجمهورية الثانية التي جوهرها الديمقراطية, أو سلطة الشعب بمفهومها العملي الذي يمر عبر انتخابات نواب له. وأفضت الانتخابات إلى أغلبية للنهضة مكنتها بتحالف ثلاثي مع حزبي التكتل والمؤتمر إلى سيطرة مريحة على المجلس التأسيسي. والتوافق الحاكم الذي صنعه الشعب التونسي كان بين حزب إسلامي مع حزبين يساريين بعيدا عن الراديكالية الأستئصالية. وهو ما يعني و
- 27 نوفمبر 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
بعد سقوط الطاغية, انتظمت الأحزاب جميعها ضمن أهدافها قصيرة وطويلة المدى, وكان القاسم المشترك بينها لعنة النظام السابق بما فيه من إلغاء للآخر والعمل على إرساء الجمهورية الثانية التي جوهرها الديمقراطية, أو سلطة الشعب بمفهومها العملي الذي يمر عبر انتخابات نواب له. وأفضت الانتخابات إلى أغلبية للنهضة مكنتها بتحالف ثلاثي مع حزبي التكتل والمؤتمر إلى سيطرة مريحة على المجلس التأسيسي.
والتوافق الحاكم الذي صنعه الشعب التونسي كان بين حزب إسلامي مع حزبين يساريين بعيدا عن الراديكالية الأستئصالية. وهو ما يعني وجود منطقة توازن سياسية دون إمكانية الانحدار إلى أقصى اليسار أو إلى أقصى اليمين, والضمانة في ذلك هي عدم قدرة كل حزب على السيطرة منفردا.
وانفضت الانتخابات في أجواء وملحمة صنعاها الشعب التونسي لم تكن متوقعة فكان الإقبال ضخما والانضباط رائعا, واختفت كل مظاهر العنف على عكس ما كان متوقعا.
وقد ساهمت أغلبية الأحزاب في تأطير قواعدها لهذا الانضباط ولنجاح الانتخابات, لأن كل الأحزاب كانت تنتظر النتيجة وتعتقد في فوزها, مثلما فعل رئيس احد الأحزاب وأعلن على التلفزيون بثقة لا متناهية بان حزبه قد سحق النهضة, وكان ذلك وقت فرز الأصوات, وتبين بعد ذلك بأنه فشل فشلا ذريعا.
ولكن مالذي حدث بعد أفضت الانتخابات إلى رابحين وخاسرين, الرابحون التفوا حول الأعداد إلى إدارة الدولة, والخاسرون ماذا فعلوا؟
ظهرت أطياف كثيرة, شككت في نتائج الانتخابات, أرسلت اللوم إلى الشعب التونسي الذي أخطأ في اختياره, وهذه اكبر معضلة سياسية تتعرض لها بعض الأطياف حينما تتصادم مع الشعب الذي تحتاجه في الانتخابات القادمة.
وهناك من أحضر مسودة دستور, وقال هذا هو دستور الشعب التونسي, وآخرون دعوا إلى تكوين مجلس تأسيسي مدني مواز للمنتخب. وهم بذلك ينقلبون على الشعب واختياره, فهو لم يفوضهم في المجلس لكتابة الدستور. من حقهم انتقاد المجلس المنتخب وتسليط الضوء على عيوبه, أما أن يأخذوا مكانه بدون أن يختارهم الشعب, فذلك لا اعتداء على الديمقراطية.
ثم انتقل العبث بالديمقراطية إلى مستوى أكثر تجلى في صورة تاريخية غريبة عن الشعب التونسي, حينما وقع الاعتداء جسديا على نائبة المجلس سعاد عبد الرحيم, وبالمعنى الديمقراطي فهذا اعتداء على الآلاف الذين أعطوا ثقتهم في هذه النائبة لتمثيلهم في المجلس, وحتى على المستوى القانوني فانه بإمكان كل هؤلاء إن يحاكموا كل من اعتدوا على نائبتهم والتي اختاروها عن قناعة.
وكان هذا بمثابة رسالة إلى الرابحين في الانتخابات بأنه لا حرمة لهم وسيعتدى عليهم.
ثم اتخذت الأحداث منحنى أكثر خطورة, حينما حرض احد الساسة وعلى قناة تلفزية على الفوضى بعد إن سقط بعض نواب قوائمه, واشتعلت على إثرها مدينة سيدي بوزيد. وكان هذا الإعلان الرسمي من احد الخاسرين لبعض المناصب, بان الخاسر سيلعب على عدة أوتار وسيحرق البلد.
ثم احترقت القصرين وبعدها قفصة, وكانت الأضرار الاقتصادية جسيمة ومرعبة لاقتصاد منهك أصلا, وترشح الأخبار من عدة جهات, بان عدة وجوه تعرف بالانتماء لأحزاب سياسية معروفة هي التي تقود من قريب أو بعيد هذه التحركات الفوضوية العنيفة التي تسلط ضد تونس كلها وليس ضد أطراف رابحة.
وتوقفت عدة منشآت اقتصادية, وغادر بعض المستثمرين بعض هذه المحافظات المنكوبة قبل الثورة وبعدها, وازداد طابور المعطلين.
وكثرت الاحتجاجات المطلبية وعادت للساحة من جديد بقوة وعنف, ومن كانوا ينتقدون التعليم في عهد المخلوع, أصبحوا يتمسكون بالتعليم الحداثي وكأن هناك غولا قادم لتغييره, مع إنهم كانوا أول المطالبين بتغيير المناهج.
وفتحت بعض القنوات أبوابها لبعض الساسة المعروفين, لانتقاد الحكومة لعدم ايجاها الحلول لأزمة البطالة والمطالب الاجتماعية, وأية حكومة؟ إنهم يطالبون ويلومون حكومة الفائزين, وكأنهم لا يعلمون بان حتى رئيس الوزراء المحتمل لم يفوض بعد بتشكيل حكومته, انه الاستباق لحشر هذه الحكومة في الزاوية أمام الرأي العام, ولكن الرأي العام يعلم علم اليقين بان الحكومة لم تشكل بعد.
مالذي يحدث؟ هل إن ساستنا ينقصهم الوعي السياسي والحنكة في التعامل مع الواقع, أم إن الخاسرون يريدون الانقلاب على الديمقراطية بأي شكل, حتى بالعنف وحرق البلاد؟
الأنقلابيون, لم يتعلموا الدرس, في الحملة الانتخابية وجهوا سهامهم ضد أحزاب معينة ففشلوا وسقطوا, وهاهم يعاودون نفس الخطأ بإسقاط البلاد في دوامة العنف وانهيار الاقتصاد.. وهم بذلك يخسرون إلى الأبد...
د.محجوب احمد قاهري