نصوص

الأعرابيُّ و الدّجاجاتُ .. و غنائمُ الثّورَة

وقد جرّبت أربعُ حكومات الحُكمَ وتصريف الأمور، وما رأى الناس فرجًا ولا قبضوا ثمنًا ،ولا تحسّن الحال، وذلك لأن قصعة الثورة قد تكالب عليها أكلَةٌ، من أرشيف العهديْن البائديْن ، كانوا قد تسلّلوا إليها عبر صناديق الانتخابات المثقوبة ، وهم خبراء في النهْب والكيْد ، ،فعبثوا ببَوْصَلتها ،وحرصوا على أن يحرّفوا اتجاهها ، ليستحوذوا على غنائمها . خمسُ سنوات اُستُهلِكَتْ من عمر ثورةٍ انتظرناها نصف قرنٍ.. ولا شيء يبشّر بخير ،ولا أمل يبدو في الأفق ..بل الأمور تزداد تعقيدا ،و الفساد يزداد تمدّدا..و الناس قد بدؤ

0
26 أغسطس 2016
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

وقد جرّبت أربعُ  حكومات  الحُكمَ  وتصريف الأمور، وما رأى الناس فرجًا  ولا قبضوا ثمنًا ،ولا تحسّن الحال،  وذلك لأن قصعة الثورة قد تكالب عليها  أكلَةٌ، من أرشيف العهديْن البائديْن ، كانوا قد  تسلّلوا إليها عبر  صناديق الانتخابات المثقوبة ، وهم خبراء في النهْب والكيْد ،  ،فعبثوا ببَوْصَلتها ،وحرصوا على أن يحرّفوا اتجاهها ، ليستحوذوا على غنائمها  .  خمسُ سنوات اُستُهلِكَتْ من عمر ثورةٍ انتظرناها نصف قرنٍ.. ولا شيء يبشّر بخير ،ولا أمل يبدو في الأفق ..بل الأمور تزداد تعقيدا ،و الفساد يزداد تمدّدا..و الناس قد  بدؤوا يتذمّرون ، و يرون أن الثورة قد سرقت منهم ،و أن من أحسنوا بهم الظنّ  قد خيّبوا أمالهم ، وان الغانمين والمستفيدين منها ، هم فقط أعداؤها.

وهذا يذكرني  بقصة عجيبة من  أدب “طرائف العرب  ” وهي حكاية الأعرابيّ الذي جاء من مناطق الظلّ بالعراق  ، فأنزله أحدُ مثقّفيّ “البَصْرَة ” ضيفًا عنده  ،  ،وكانت خطّة البَصْريّ  أن يتسلّى هو و عائلته  بالبدويّ و يضحكوا  عليه  ،  فخيّب الأعرابيّ ظنّهم  من حيث لم يحتسبوا  ،وضحك عليهم  وتسلّى بهم  وخرج  من عندهم ،فائزًا  بالنصيب الأوفر من حصّة الدجاج المشويّ  ، دون أن يدفع شيئا .ولقّن مضيّفه  الحضَريّ درسا قاسيا لن ينساه .

واليكم  قصة الرجل :

أردنا أن نضحك عليه  .. فضحك علينا
قالَ رَجلُ مِنْ أًهْلٍ البَصْرَةِ : قَدِمَ عَلَينا أَعْرابِيٌّ مِنَ البادِيَةِ فَأَنْزَلَتُهُ ( ضيّفته عندي) . وَكانَ عِندي دَجاجُ كَثيرٌ ، وَليَ امرَأةُ ، لي مِنها ولدان وابنتانِ. فَقُلتُ لامْرَأَتي : ” بادِري واشوي لَنا دَجاجَةً ، وَقَدِّميها إلينا لَنَتَغَذى بها ” . فَلَمّا حَضَرَ الغَداءُ جَلَسْنا جَميعاً ـ أنا وامرَأتي وابنايَ وابنَتايَ والأَعْرابيُّ ـ فَدَفعنا إليه الدَّجاجَةَ ، وَقُلنا لَهُ : “اقسِمها بَيْننا”. وَنَحنُ نُريدُ أن نَضْحَكَ مِنْهُ ، فَقالَ : ” لا أُحسِنُ القِسْمَةَ ، ولكن إن رضيتُم بِقسمَتي قَسَمْتُها بَيْنَكم ” . قُلنا : ” فإنّا نَرْضى ” .

فَأَخَذَ رَأسَ الدَجاَجَةِ فَقَطَعَهُ وناوَلَيني اياه ، وَقالَ : ” الرَّأسُ لِلرأسِ ” . وَقَطَعَ الجناحَينِ وقالَ : ” الجَناحانِ لِلابْنَينِ ” . ثُمَّ قَطَعَ السّاقَينِ وَقالَ : ” السّاقانِ لِلابْنَتَين ” . ثُمَّ قَطَعَ الزِّمِكّى  (مؤخرة الدجاجة ) وَقالَ : ” العَجْزُ لِلعجوزِ ” . واحتَفَظَ بالزَّوْرِ(الصدر ) وقالَ : ” الزَّوْرٌ للزائِرِ ” . فَأَخَذَ الدَّجاجَةَ بِأسْرِها وَسَخِرَ مِنّا.(وكنا نريد أن نسخر منه )

فَلَمّا كانَ الغَدُ قُلتُ لامْرَأتي : ” اشوي لنا خَمْسَ دَجاجاتٍ ” . فَلَمّا حَضرَ الغَداءُ قُلتُ : ” اقسِم بَيْنَنا يا أَعرابيُّ ” . قالَ ” إنّي أّظُنُّ أَنَّكُم  قد وَجَدْتُم في أَنفُسِكُمْ ” أي أغضبتكم قسمتي  ، قُلنا : ” لا ، لَم نَجِدْ في أنْفُسِنا فاقْسِم ” قال : ” أَقْسِمُ شَفْعاً أَم وِتْراً ؟ ” قُلنا : ” اقسِم وِتْراً ” فقالَ : ” أَنْتَ وامرَأتُكَ ودَجاجةٌ     =  ثلاثةٌ ” . وَرَمى إلينا بِدَجاجَةٍ واحدة  . ” وابناكَ وَدجاجَةٌ =  ثَلاثَةٌ ” . وَرَمى إليْهِما بِدجاجَةٍ . ” وابنتاكَ وَدجاجةٌ =  ثَلاثَةٌ ”  وَرَمى إليهِما بِدجاجةٍ ، ثُمَّ قالَ : ” وَأَنا وَدَجاجَتانِ= ثلاثَةٌ ” . وأَخَذَ دَجاجَتَين وَسَخِرَ منّا .(وكنا نريد ان نسخر منه )

فَلما رَآنا وَنَحْنُ نَنْظُرُ إلى دَجاجَتَيْهِ ، قالَ : ” ما لكم تَنْظرونَ الى دجاجتيّ؟ لَعلّكم كَرِهتُم قِسْمَةَ الوِتْرِ ! الوِتْرِ لا يَجيءُ إلا هَكَذا ؛ فَهَلْ لَكُم في قِسمَةِ الشَّفْعِ ؟” قُلنا : ” نَعَمْ ” .

فَضَمّ الدَّجاجات الخمس  إليهِ ،لعيد القسمة شفعًا  ثُمَّ قالَ : ” أَنتَ وولداك وَدجاجةُ = أربَعَةٌ ” ، ورَمَى إلينا بِدَجاجَةٍ واحدة، ثُمَّ قالَ : ” والعَجوزُ وابنتاها وَدَجاجةُ = أرْبَعَةٌ ” ، وَرَمى إليْهٍنَّ بِدَجاجةٍ ، ثُمَّ قالَ : ” وَأنا وثَلاثُ دَجاجات = أربَعَةٌ ” ، وضمَّ إليه الثَّلاثَ ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ وقالَ (بلهجة المنتصر ): ” اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ . أنْتَ عَلَّمْتَنيها  وَ أنت  فَهَّمْتَنيها .

وبات المضيّف وزوجته وأبناؤه ليلتهم في حرقة و ندَم ولسان حالهم يقول : “على نفسها جنَتْ براقِش ”

كأنّ هذا الأعرابيّ ،مرَّ من هنا

ويبدو أن لهذا الأعرابيّ ، في هذا  الوطن ، ، نسْلا ً سياسيّا ماكرين ، وخلفا إعلاميّا  دُهاة ، يتنافسون في  التسلية  بالثورة  وأصحابها ، ويتفنّنون في الضحك عليهم ، يجرّبون  فيهم أنواع القسمة شفعًا و وترًا

ذلك أننا بِتْنا نرى الانتهازيّين، والمتسلّقين على ظهرها ، أولائك الذين لم يضحّوا بشيء من أجلها  ، ولم  يدفعوا شيئا في سبيلها  ،ولم  يساهموا  فيها ولو  بدمعة ،و لا بأنّة ، ولا بجرح ، بل كانوا من المٌعطّلين لحركتها ، والمُطفئين لشُعلتها ، نراهم اليوم ، يَفْرِكُون الثورة  كما تُفرَك الرمّانة  ، يقتسمون غنائمها كما يريدون ،شفعا و وترا  ، فيغنمون منها  مناصبَ  مرموقة  ،ويتقاسمون فيها وظائفَ  في شتى الميادين ، وينهبون أموالا ً من هنا وهناك  ،يكرّمون  أهل الولاء  ،ويحرمون أهل الكفاءة .

وفي ذلك – لا شكّ-  ضحِكٌ واستبْلاهٌ  لمن جاءت الثورة على أكتاف معاناتهم ،وجوعهم، وحرمانهم ،وعذاباتهم ،و سجنهم، و غربتهم  ، وشهدائهم ،و جرحاهم .

إنهم يتسلّون بنا  ،سياسيّا ،و إعلاميّا ، و ثقافيّا .ولسان حالهم يقول  كما قال الأعرابيّ “اللهم لك الحمد  آنت عَلَّمْتَنيها  وَ أنت  فَهَّمْتَنيها .”

ولا أرى لحالنا توصيفًا  إلا ، كما يقول المثل التونسي الدارج ” العزُوزْ هَازْهَا  الوَادْ وهي تقول : العام عام صَابَهْ  ” .. والله المستعان على ما تصفون ، كما قال سيدنا “يعقوب “/ عبد القادر عبار

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©