الأزمة اليمنية: الهروب إلى الأمام
العجمي الوريمي 2010-01-05 هل بدأ زمن المفاجآت في اليمن؟ وهل يجني النظام اليمني الثمار الحلوة لتصميمه على حسم الوضعيات الصعبة والمستحيلة بحل واحد هو الحسم العسكري أم يجني الثمار المُرة لرفض الحلول البديلة ومنها دعوات الحوار والوساطة التي امتدت من الدوحة إلى حسن نصر الله إلى طهران وإلى الجامعة العربية؟ كان اليمن صديق الجميع ولم يعد صديقا لأحد، وكانت البلاد مفتوحة وملاذا آمنا لكل الخائفين وهي اليوم تضيق بأبنائها وتستقوي عليهم بالشقيقة الكبرى وبالحليف في مقاومة الإرهاب. وبعد أن كان اليمن الموحد مثال
- 6 يناير 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
العجمي الوريمي
2010-01-05
هل بدأ زمن المفاجآت في اليمن؟ وهل يجني النظام اليمني الثمار الحلوة لتصميمه على حسم الوضعيات الصعبة والمستحيلة بحل واحد هو الحسم العسكري أم يجني الثمار المُرة لرفض الحلول البديلة ومنها دعوات الحوار والوساطة التي امتدت من الدوحة إلى حسن نصر الله إلى طهران وإلى الجامعة العربية؟
كان اليمن صديق الجميع ولم يعد صديقا لأحد، وكانت البلاد مفتوحة وملاذا آمنا لكل الخائفين وهي اليوم تضيق بأبنائها وتستقوي عليهم بالشقيقة الكبرى وبالحليف في مقاومة الإرهاب. وبعد أن كان اليمن الموحد مثالا لاستقلال القرار ومناصرة القضايا العادلة صارت حكومته اليوم متهمة بخدمة أجندة أجنبية وخوض حرب بالوكالة على أكثر من جبهة. فمن تأهيل أنصار القاعدة ودمجهم في المجتمع ومن الهدنة وبسط يد الأخوة إلى الحوثيين في صعدة ومن الوعد بمعاملة اليمنيين المنحدرين من الشمال أو من الجنوب على قاعدة المساواة في المواطنة والإنصاف.. إلى خوض حرب شاملة ضد ما تعتبره تمردا حوثيا في محافظة صعدة وضربات استباقية قاصمة ضد تجمعات القاعدة إلى استهانة غير مأمونة العواقب بحراك جنوبي سلمي يملك كل قابليات التحول إلى عصيان مدني وانتفاضة شعبية عارمة.
إذا لم تنجح الدولة اليمنية في احتضان كل أبنائها مهما كانت انتماءاتهم الجهوية والقبلية والمذهبية، وإذا لم توفق في جمعهم على طاولة واحدة فلن توحدهم بالقوة وسيسري التصدع إلى المؤسسة العسكرية نفسها وتصبح الدولة على لائحة الدول الفاشلة. وما أُشيع من وجود خلافات بين قيادات القوات المسلحة، رغم نفي نجل الرئيس اليمني قائد الحرس الجمهوري والقوات الخاصة العميد أحمد علي صالح لذلك، هو مؤشر على أن استمرار الأزمة اليمنية خطر على النظام وعلى الوحدة بل على الاستقرار في المنطقة.
من الصعب تصديق البيانات العسكرية الصادرة عن أطراف النزاع أثناء الحروب فهي من الحرب نفسها ولا يفترض أن يصدر أي طرف بلاغات تحط من الروح المعنوية لجيشه ومقاتليه أو ترفع من الروح المعنوية لخصومه أو أعدائه. فما بالك حينما تدور الحرب بعيدا عن عدسات المصورين وأنظار مراسلي وسائل الإعلام المستقلة، فالحرب ليست لعبة مسلية ولا يعرف ويلاتها إلا من هو في الجبهة أو من تدور رحاها في ميدان ومكان وضعته الأقدار فيهما لا مفر له منه. وخطورة الحرب اليمنية لا تكمن في جسامة أضرارها أو عدد ضحاياها فحسب بل في تشعباتها وعدد الأطراف الداخلية والخارجية المعنية بها والمنخرطة فيها إضافة إلى الرهانات السياسية لأجنحة الحكم والمعارضة وهي رهانات تتقاطع مع تصعيد الصراع الميداني وتوسيع رقعة المواجهات وفتح الجبهات الجديدة.
ربما تكمن إحدى مشكلات النظام اليمني في أنه لم تعد له مشكلة مع أميركا بل صار شريكا لها في حربها على "الإرهاب"، فأميركا لها مشكلة مع إيران ومع القاعدة ومع المقاومة ومع "الإرهاب".. وكلما تحركت على محور من هذه المحاور سببت موضع ألم في الجسم اليمني وفرضت اشتراطات على الدولة اليمنية ليست دون كلفة أو حرج، كما أن خصوم أميركا، ومنهم من يعتبر أية منطقة في العالم ساحة للمواجهة معها وأية مصلحة من مصالحها هدفا مشروعا للضرب، لا ينظرون بعين الارتياح إلى الدور الأميركي في المنطقة وإلى التعاون الذي تبديه الحكومة اليمنية مع الولايات المتحدة، قد ترى فيه مصلحة غالبة ويرونه تواطؤا وحيْدا عن الثوابت القومية للسياسة الخارجية اليمنية. كما أن دول الجوار قد ترى في السياسة اليمنية الجديدة تطلعاً إلى دور إقليمي أكبر من حجمها، متناسية على الأرجح أن يمن ما بعد الوحدة وما بعد الحرب الباردة أكبر مساحة وأكثر عدة وعددا مما كان عليه قبلها فضلاً عن تجربته الديمقراطية التعددية الوفاقية التي زادته اعتزازا بمنجزاته السياسية ووثقت روابطه مع التيارات السائدة في المنطقة خاصة التيار الإسلامي والعروبي. فقبل أن يغرق اليمن في أزماته الداخلية عرفت قيادته إشعاعاً لافتاً وقامت بمبادرات سياسية هامة، فكانت صنعاء عاصمة المصالحات والتسويات ومقصد الفرقاء، فقد كانت على سبيل المثال إحدى محطات المصالحة الفلسطينية بين خالد مشعل ومحمود عباس.
وكما أن المحيط الإقليمي لم يستوعب التغيرات النوعية في الحياة اليمنية الداخلية وقفز عند العثرات الأولى للمسار ليُذكي جذوة الخلافات ويعيد اليمن إلى المربع الأول، مربع الدولتين والانقسامات القبلية والفرز الطائفي والمذهبي، فإن القيادة اليمنية ضللها الانفتاح الغربي عليها وأنساها المعطيات الجيوسياسية العنيدة مما جعلها لا تكون حذرة بالقدر الكافي في انتزاع دور إقليمي بحجم واقعها الجديد ترى فيه بعض القوى الإقليمية لعباً في ميدانها، إضافة إلى كون القيادة اليمنية لم تأخذ بالاعتبار أو لم تستوعب ما حصل في المنطقة من تغيرات تفرض عدم الالتزام بزاوية النظر الأميركية إلى الأمور والتمييز بين أولويات الإدارة الأميركية وبين حاجات المنطقة وأولويات الفاعلين الأساسيين فيها كإيران وسوريا والمقاومة في لبنان وفلسطين.
وللتذكير فإن الجذور الأولى لخلاف الحوثيين مع السلطة المركزية بدأت منذ سنة 2002 عندما كان حسين الحوثي نائبا في البرلمان اليمني مطلعا على خفايا الأمور، وقد كانت دعوته الأولى لا إلى استقلال ذاتي للزيدية في محافظة صعدة بل إلى التصدي إلى النفوذ المتصاعد وإلى الهيمنة الأميركية في اليمن وفي المنطقة. كما أن استهداف القاعدة للمدمرة كول كان في ميناء عدن على التراب اليمني وليس على التراب الأميركي، فكلا الطرفين -القاعدة والحوثيين- رغم الخلاف المذهبي والعقدي بينهما يتفقان على رفض أن يكون اليمن قاعدة متقدمة لاحتواء الدور الإيراني ولإنجاح حرب أميركا العالمية على "الإرهاب".
لقد مارس النظام اليمني لعبة خطرة بتقوية الحوثيين ضد المد السلفي الأصولي ثم في مرحلة لاحقة بتغذية المخاوف السنية السلفية من التمدد المذهبي الشيعي، كما أخطأ خطأ فادحا بفتح البلاد للمخابرات المركزية الأميركية لملاحقة تنظيم القاعدة بدعوى أن البلدان العربية جميعها تتعاون أمنيا مع أميركا، وهو إذ يواجه اليوم أشد أزمة في تاريخه منذ تحقيق الوحدة لن يمثل إصراره على رفض دعوات الحوار وتصميمه على الحسم العسكري وخاصة انتهاج طريقة الضربات الاستباقية إلا هروبا إلى الأمام ونسفا لشرعيته وجعل البلاد على عكس ما يريد بيئة ملائمة وتربة مناسبة لانتعاش التيارات التي يزعم أنه لن يوفر لها ملاذا آمنا.
إن اليمن بما هو قلعة للعروبة والإسلام، لكي يستأنف دوره القومي والديني والحضاري، في حاجة إلى مراجعة شجاعة وجذرية لسياسته الخارجية وإلى التعجيل بالإصلاحات الدستورية التي وعد بها الرئيس عبدالله صالح لتحقيق الوفاق والمساواة والإنصاف والتنمية.
إن هذه الحرب صارت عبثية بكل المعاني والمقاييس وهي لن تحافظ على الوحدة بأي ثمن. وإن لم تختر القيادة السياسية الحل السلمي فهي حتما ستعجل ببديل من داخل النظام أو من خارجه لا ينقذ البلاد فحسب وإنما يحاسب من أوصلها إلى هذا المصير.