نصوص

الأرجل المعوجة...

بسم الله الرحمان الرحيم دلف إلى نادي الشيوخ القريب منهم، أين يلتقي عادة المتقاعدون وكبار السن.. ثم اختار مكانا قصيا.. وجلس في ركن من القاعة المكيفة الهواء مع ثلاثة من أصحابه يتفرس الوجوه.. قام من مكانه ووضع خليط من كبريت ومواد أخرى سريعة الإشتعال تحت كرسي عجوز في الستين لا أعرفه، وسرعان مانفجرت تلك المواد مما أحدث صوت مرعب وكأنه انفجار حقيقي، سقط على إثرها الرجل المسن من الكرسي فجعة وهو يرتعد.. لم يصب أحد بأذى لكنه أزعج الحاضرين.. راعني مارأيت، واستفزتني وقاحة ذلك الغلام الذي لم يبلغ بعد الخامسة

0
15 سبتمبر 2009
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

بسم الله الرحمان الرحيم

  دلف إلى نادي الشيوخ القريب منهم، أين يلتقي عادة المتقاعدون وكبار السن.. ثم اختار مكانا قصيا.. وجلس في ركن من القاعة المكيفة الهواء مع ثلاثة من أصحابه يتفرس الوجوه.. قام من مكانه ووضع خليط من كبريت ومواد أخرى سريعة الإشتعال تحت كرسي عجوز في الستين لا أعرفه، وسرعان مانفجرت تلك المواد مما أحدث صوت مرعب وكأنه انفجار حقيقي، سقط على إثرها الرجل المسن من الكرسي فجعة وهو يرتعد.. لم يصب أحد بأذى لكنه أزعج الحاضرين.. راعني مارأيت، واستفزتني وقاحة ذلك الغلام الذي لم يبلغ بعد الخامسة عشر من عمره، رغم أنه لم يعرف عنه مثل تلك السلوكيات من قبل، فهددته بأن أشتكيه للشرطة، وأخبر والديه بما أنني أعرفه، فترجاني وهو يتصبب خجلا بأن لاأفعل ذلك على أن يقلع عن صنيعه، بعد أن استسمح الحضور.. فسألته: ماالذي أتى بك إلى هنا؟ ومن نصحك بالإقدام على تلك الفعلة؟ فأشار إلى أحد أصدقائه الجالسين جنبه، فقلت له: في القديم غيرالبعيد، وبالتحديد في مسقط رأسي، كانت النساء يربطن رجلي المولود بلفافة قوية من القماش يسمونها "قماطة"، حتى يبقيامستقيمين، وقد انسحبت تلك التقنية المعرفية على ربط مفاصل صغار الخيل والحمير فيما بعد، حتى تبقىقوائمها مستقيمة وغير معوجة. وكانت تلك المعرفة منتشرة كثير خاصة عند أهل الريف في منطقتي، بل تعدت الإنسان والحيوان لتدخل عالم الأشجار، وقد يلاحظ وقتها من يمر بجانب حقل أو بستان حديث الزراعة، أن المزارعين قدربطوا شتلات الأشجار بعصى تستند إليها الشتلة حتى تبقىمستقيمة. لكن نساء هذا الزمان عهدن بتهيئة الطفل المولود الى ممرضات المستشفيات، وفي هذه الحالة لا تهتم الممرضات بتقنيات "قماطة" أرجل المواليد. قال: وماهي الصلة بموضوعنا؟ قلت له: هو التأسيس التربوي للنشء الجديد على تحديد شكل أعداءه وهوياتهم، وكيفيةالإستعداد لمواجهتهم، أنت والداك متعلمان ويشتغلان، وقد أوكلوا تربيتك إلى الخادمة، فلم تهتم بإرشادك إلى الطريق الصحيح.. فيالماضي القريب، كان صمت الوالدين الذي يعززه الجهل بمعرفة الأمور، أكثر نفعا منثرثرة الوالدين الذين يزعمون المعرفة. فصمت السابقين يبقي حالة التعايش بين الجيران، وبينالمواطنين، في حالة أكثر سلما من تلك التي نعيشها في أيامنا. كان الآخر الذي لا نعرفه عندقليلي المعرفة أقل خطرا من الآخر الذي تربى في أحضاننا عند من يزعمون المعرفة.. ويعتبر عملك هذا مثالا قويا على ما انحدرت إليه معالم التربيةالوطنية في بلادنا. فبينما كان التلميذ في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي يمضي عشراتالساعات في كيفية تعلم الإحترام ومسعادة الآخر، سواء من العائلة أو من الأقارب والجيران، جئتم أنتم الآن تفسدون ماتمّ التوافق عليه حتى اليوم، أنظر بني! الإنسان كالنبات.. فتصرفاته السوية والطبيعية.. تؤثر وتتأثر بمحيطه الموجودة فيه.. فإن كانت حياته قويمة مستقيمة.. لاعوج فيها ولا اعوجاج.. ينشأ مستقيما طبيعيا، وإن كانت بيئته ومكانه وزمانه غير سليمة أو طبيعية، فإنها تؤثر في نموه وتتحكم حتى في طعمه.. وهذا يتوقف على صلاح الفرد وقدرته على التكيف مع غيره.. فالإنسان كالنبات تماما يتأثر بمحيطه.. أخرج أحد العجائز الجالسين في القاعة مع ذاك الشيخ من حجره حبلا قويا معقودة بلاتعقيد، ثم أدار بوجهه الملائكي نحوي وقال بعد أن عقد فيه عقدة أخرى ثم مالبث أن حلها بسرعة: هذه حلقات معقودة منذ زمنسنحلها يوما ما..! ربما هؤولاء الشباب لايعرفون ماهي أسباب هذه العقد.. ولا من قام بعقدها..! ولا داعي لمزيد من العقد فيه يابني.. طوى الحبل ودسه في طيات ثوبه الفضفاض، ومضى يداعب سبحة في يديه: ومنشر النفاثات في العقد... عكف زميلي في العمل يحك رأسه ويلوم نفسه، وأبناء جيله، وهو يقول: نحن من زرعنا التيه في نفوس هذا الجيل ونحن من جعلناهيبحث عن آخر عدو بدل مساعدته. فقللت له: لم نربط سيقانهم لذلك ظهر الإعوجاج على تلك الأرجل. أضاف: ربما ربطناها وهيمعوجة فتصلبت مفاصلها وبقيت معوجة..!     فتحي العابد
جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©