نصوص

اعملوا آل تونس شكرا

اعملوا آل تونس شكرا كثير من المؤمنين – والمؤمنون هذه السنة بحال أحسن بكثير من السنة التي انقضت – قد أعدّوا العدّة لاستقبال العشر الأوّل من ذي الحجّة الحرام، تلك العشر التي جاء في آخرها أفضل أيام السنة (يوم النّحر)، مذكّرا بمشهد فريد امتزج فيه الطاعة والتسليم والبرّ والفداء والتضحيّة والتصديق... تسليم لله تعالى، طاعة الله والوالدين، برّ الوالدين، تضحيّة بالولد وتضحية بالنّفس، تصديق لله وللنّبيّ، فداء بالذِّبح العظيم من قبل الكبير الغنيّ المتعال الذي لم يسأل عباده غير التسليم والتصديق: "فَلَمَّا أ

0
27 أكتوبر 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 

اعملوا آل تونس شكرا   كثير من المؤمنين – والمؤمنون هذه السنة بحال أحسن بكثير من السنة التي انقضت – قد أعدّوا العدّة لاستقبال العشر الأوّل من ذي الحجّة الحرام، تلك العشر التي جاء في آخرها أفضل أيام السنة (يوم النّحر)، مذكّرا بمشهد فريد امتزج فيه الطاعة والتسليم والبرّ والفداء والتضحيّة والتصديق... تسليم لله تعالى، طاعة الله والوالدين، برّ الوالدين، تضحيّة بالولد وتضحية بالنّفس، تصديق لله وللنّبيّ، فداء بالذِّبح العظيم من قبل الكبير الغنيّ المتعال الذي لم يسأل عباده غير التسليم والتصديق: "فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ"... يوم تنحر فيه الأضحيات ويُضحّى فيه بالنّفائس إرغاما للنّفس وتسليما للشارع الكريم... يوم أو أيام أكل وشرب وتكبير وتهليل وتزاور وصلة رحم وبرّ وتغييب للفوارق بين فئات المجتمع وإشاعة فرحة وإظهار ترابط المسلمين وإبداء معنى الجسد الواحد الذي تحدّث عنه الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم ضاربا به مثلا...   وفي مثل هذه الأيّام من كلّ سنة، جرت العادة أن تُشد الأحزمة وتتكاتف الجهود وتتكثّف من أجل توفير أضحيّة لعائلةٍ في تونس سُجن عائلها أو ضُيّقت عليها سبل رزقها. وقد دأب الخيّرون على ذلك حتّى كانت لأعناق الأهل في البلاد عادة، فهي تشرئبّ في مثل هذه الأيّام متطلّعة إلى آت يفدي صبرها وعدم قدرتها بخروف يفرح به الأبناء وتجتمع عليه الأسرة في العيد تبعد به شعور الاغتراب في بلد الآباء والأجداد... وقد خشيت أن لا تشهد السنة الحالية ما شهدته السنوات المنقضية وأردت التنبيه أو جلب الانتباه إلى ذلك... الحقيقة أنّ توفير الخروف في السنوات المنقضية لم يكن بالنسبة للبعض إن لم أقل للكلّ أمرا ميسورا وإنّما كانت هناك حوافز تخدمه منها على وجه الخصوص شعور النّاس بحاجة أهلنا في الدّاخل إلى هذا الخروف الذي قد لا تقف وظيفته عند سنّية الأضحية بل تأخذ بأمور اجتماعيّة أخرى غاية في الدقّة والأهميّة إلى درجة تُنسي الأخ في الخارج تفكيره هو في إقامة هذه السنّة المؤكّدة ممّا قد يحدث بالبيت نوعا من التململ، فالنفس لم ترق بعد إلى الإيثار الكامل وإن بلغت منه مستوى أو مقدارا يؤسّس للتحابب والتآزر والفداء!... ومنها غياب البديل، وهو عامل مهمّ أفضي إلى تحمّل المسؤوليّة بصفة عينيّة، فإذا كان أحد غيرك لا يوفّر هذا الخروف فاحرص أنت على أن توفّره!... ومنها الشعور بتفاوت الحالات، فليس الحرّ كالسجين وليس المطلق كالمكبّل وليس المطّلع على الحال كالذي تُروَى له عنها القصص، فأهلنا في تونس - وقد نُكبوا – لن يفهموا من عدم توفير لهم ما يفقدون إلّا نسيانا لهم أو تقصيرا في حقوقهم علينا، فالنظرة إلى الخارج وما فيه دفعت بالكثير من الأشقّاء إلى ركوب البحر وإغراق النفس فيه وحسبنا الله ونعم الوكيل!...   هذه الحوافر قد ضمرت هذه السنة كلّها أو جلّها، وذلك بمفعول ما صارت إليه البلاد بفضل الله تعالى من فتح وحريّة وترابط بين النّاس وتواصل... فلعلّ مَن في الخارج تردّد هذه السنة في التداين (أن يكون عليه دين) – كما كان البعض يفعل -، أو لعلّه حدّث نفسه بذبح الأضحيّة هذه السنة كما النّاس في كثير من البلاد تفعل، أو لعلّه نظر فرأى أناسا خارج تونس يمرّون بظروف أكثر قسوة من ظروف تونس فخطر له توجيه الأضحية إليهم كما كان من قبل مع أهله في تونس يفعل!... أقول هذا وقد وُجدتُ في طريق يمرّ منها كثيرا البؤساء والمحتاجون – وهم يحسبون أنّي أستطيع نجدتهم أو خدمتهم -، فأطّلع منهم على حالهم حتّى تسوء عندي حالي، فأنا لا أملك درهما ولا دينارا ولا أبخس من ذلك. ولعلّ من صاحبني قد صدقّني!... وقد شكوت لربّي قوّة ما ابتليت به، إذ لا شيء عندي أكبر من أن تُبتلى بعدم القدرة على فعل الخير وأنت تنشده!... وإنّما كتبت هذه الخواطر على أعتاب العيد تنبيها لأهل الدثور، ودعوة إلى أبناء قومي ولا سيّما من أبناء الحركة الإسلاميّة أن تآزروا في هذا العيد!... اجعلوا إن شئتم أضحياتكم تذبح في الساحات وتشوى هناك في الساحات وتؤكل... تنازلوا عن الثلث فلا تدّخروه... ترفّعواعن السفهاء فلا تلقوا لتعليقاتهم بالا... اجعلوا فقيركم يلتحف برداء غنيّكم حتّى لا يُميَّز بين غنيّكم وفقيركم... كونوا عباد الله إخوانا... والله من وراء القصد وكلّ عام والمسلمون بخير وعافية وستر.     عبدالحميد العدّاسي الدّنمارك في 27 أكتوبر 2011                  
جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©