نصوص

استبداد الوهم

يُقالُ استبدّ بالأمر أي انفرد به... ويُقالُ استبدّ الأمرُ به أي غلبهُ وتملكهُ. وسنتكلمُ هنا في الذين استبدّ بهم الأمرُ... والأمرُ هنا هو الوهمُ. نتكلم في الذين نبتوا في طقس غائم وفي تربة مغدورة بسمادٍ عقيمٍ... أولائك الذين طلعوا خارج كل الفصول وارتووا من ضمإ الآخرين وتطاولت قاماتهم على الرقاب الملوية وعلى الأعمدة المكسورة... أولائك الذين انتُدِبُوا ذات ليل ماكر لسدّ الشغورات المفتعلة ولتنشيط الصّخب وتفعيل الروايات الزائفة... نكراتٌ يطلعون كما الشوك في أوديةٍ مهجورةٍ أو كما عرائس الكاوتشو ينفخ في

0
1 ديسمبر 2009
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

يُقالُ استبدّ بالأمر أي انفرد به... ويُقالُ استبدّ الأمرُ به أي غلبهُ وتملكهُ. وسنتكلمُ هنا في الذين استبدّ بهم الأمرُ... والأمرُ هنا هو الوهمُ.

  نتكلم في الذين نبتوا في طقس غائم وفي تربة مغدورة بسمادٍ عقيمٍ... أولائك الذين طلعوا خارج كل الفصول وارتووا من ضمإ الآخرين وتطاولت قاماتهم على الرقاب الملوية وعلى الأعمدة المكسورة... أولائك الذين انتُدِبُوا ذات ليل ماكر لسدّ الشغورات المفتعلة ولتنشيط الصّخب وتفعيل الروايات الزائفة... نكراتٌ يطلعون كما الشوك في أوديةٍ مهجورةٍ أو كما عرائس الكاوتشو ينفخ فيها الريح وتتحكم بها أصابع الصغار تسلية للكبار ...عرائس مهددة بانتهاء صلاحية الإستعمال وبانفراط الريح بوجوه المتسلين بها... صدّق أولائك أنهم على بركة عظيمة وأنهم منذورون للوطن مذ هبطوا إلى الدنيا... صدقوا أنهم بحجم الهواء المنفوخ فيهم وأنهم أصحابُ رسالة بغير "نصّ" وغير معجزات... يتكلم أولائك في الأفكار وفي الذرّة وفي البيئة وتربية الماشية وفي الرياضة وأهواء النساء وفي التهديدات القادمة من خارج الجغرافيا تحتاج مزيدا من الإنتفاخ والتمدد أفقيا لاحتلال مساحة أكبر يمنعُ   الخطر من التسلل إلى مجالس "الحضرة الدائمة" حيث يتحلقُ شركاءُ الوهم يستنشقون دخان بخور من غير طيبٍ... صدّق الواهمون أولائك أنهم ذووا أحجامٍ تتخذ من الجغرافيا مكانا ومن التاريخ أحداثا ومن أنفس الناس مُهجا وأشواقا...   استبدّ الوهمُ بأولائك حتى سلبهم وعيهم بذواتهم وبحقيقتهم فلم يعد أحدهم لِيتذكرَ أيّ مسربٍ سربَ أو أيّ مهبط هبط... بل ونسي أنما هُو مُستعملٌ كلِحَامٍ في قطع حديد القفص المضروب على جهاز التنفس الطبيعي... تلك قضية طارئة على مراصد التحرر ومناضلي الناسوت الإفتراضي... كيف يمكن مساعدة الواهمين أولائك على التحرر من استبداد الوهم بهم ... لقد نشأت "طبقة" واسعة من الواهمين يتعالون كأعمدة الدخان يحجبون الرؤية ويتسببون في فوضى السير وفوضى التخاطب وفوضى التواصل ويفتعلون صرخات مُوترة للأعصاب سالبةٍ للأمان   مُذهبةٍ للسكينة مزعجة للأنفس مقرفة للذائقة... "طبقة" لا تكف عن اللغو وعن العبث بعالم اللغة يمخرون فيها وينهشون ويقيئون ... ويبتسمون بالألوان في نشرات الأخبار وبرامج الحيوانات الأهلية والوحشية سواء... "طبقة" لا تتأسس على فكرة ولا على جهدٍ مٌستجمعٍ لصراعٍ ولا على مسلك متدافعٍ مع غيره باتجاه معلوم أو غير معلوم... إنما على مكبوت حرماني ومخزون إلتذاذي تتآكل عناصرها وتأكلُ لا تكف عن المضغ ولا تبردُ لها أنيابٌ ولا يجفّ لها لعابٌ...   "طبقة" تتشكل سريعا كالضباب وسرعان ما تتلاشى إذا امتدت خيوط شمس أو عصفت ريحٌ...ثم لا تلبث أن تعاود التمدّد... وتكابرُ ... يستبدّ الوهمُ بالفارغين   يؤزهم أزا ويشحنهم بجرأة على أعمدة الجغرافيا والتاريخ وعلى الأحلام المشروعة تتدفأ في فرُشٍ بريئة ناهضة... يزعقُ الواهمون أولائك في النجمة تخرق الظلمة وتدلّ السّراة إلى الفجر.. معنيون بتهديدات الضوء ـ يعرفون ـ يكشف وضعياتهم وأوضاعَهم وملامحهم الملفوفة في خطاب رخواني شقيٍّ كم ظل يتدرّب على فنون مخاتلة الوعي الشعبي وعلى التدرج في مراقي المقربين ...   ذاك مشغل آخر يُفتحُ على مناضلي الأيام القادمة : كيفَ يُسَاعَدُ الواهمون على التحرر من استبداد الوهم؟ كيف يُساعَدون على العودة إلى مواقعهم الترابية حتى يتأملوا أنفسهم جيدا ويكفوا عن مُخادعة الناشئين يسألون عن عناوين وطنية يشتغلون تحتها وفيها ولها... لماذا يجرأ هؤلاء على التكلم باسم من لا يعرفهم؟ لماذا يُروّجون ما لا يُصدقونه ويعرفون أن من قد يسمعهم لا يُصدّقهم؟ لماذا يدّعون أنهم واقفون في "الجبهة" يصدّون أعداءً مُفترضين أو منتظرين وهم لا يملكون أداة ولا يهتدون سبيلا؟ أين سيقفون إذا ما تلاحمَ المختلفون أو إذا ما تبين أن "العداوة" إنما كانت من صناعتهم؟   سيجدون وطأة الخيبة وآثار استبداد الوهم وسيكتشفون أنهم إنما كانوا مجرّد عرائس كاوتشو في لعبة ابتدعَها المتوجّسون ذات ليلةٍ بمصابيح.                                                     بحري العرفاوي                                                  16 نوفمبر2009
جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©